الملحق الثقافي

التصرفات والأفعال العدوانية الإيــــرانية لا توفر أرضية صالحة لحل النزاعات (3/3)

مظاهرات في قرى إقليم هرمزغان، ضد مشروع «التفريس» الإيراني (أرشيفية)

مظاهرات في قرى إقليم هرمزغان، ضد مشروع «التفريس» الإيراني (أرشيفية)

حقيقة ملاحة الفرس

الحقيقة الثالثة، وبحسب بعض المراجع التاريخية والتقارير الغربية، هو أن الفرس لم يشتهروا بالملاحة في يوم من الأيام، ليحق لهم بالتالي إطلاق اسمهم على أي مجمع مائي. وفي هذا الصدد، يؤكد تقرير دبلوماسي هولندي، يعود إلى منتصف القرن الثامن عشر، ما فحواه حرفياً: «يعرف كل إنسان معرفة كافية أن شمالي الخليج خاضع لسلطة فارس، وأن العرب يتوطنون القسم الجنوبي منه، ولم يتمتع الفرس بأدنى المؤهلات أو الميول إلى الملاحة منذ العصور القديمة. لذلك نجد مستوطنات عربية قائمة في جميع الأماكن على الساحل الشمالي لهذا البحر، إما لملاءمة موقعها الطبيعي أو لوجود جدول أو نهر صغير يصب في اليم ويصلح لاستقبال السفن. ويعيش هؤلاء العرب من الملاحة أو من صيد اللؤلؤ أو الأسماك»(18).

أمّا ريتشارد أرمسترونغ، فإنه يقول: «الواقع أن أمماً بعيدة جداً عن حدود الإمبراطوريات الكبرى الرومانية والبيزنطية وعن إمبراطورية شارلمان، كانت تجاري الأوروبيين أو تسبقهم بأشواط في بعض المهارات وحتّى في بعض ميادين المعرفة. وهذا صحيح بالنسبة للماليزيين، وصحيح أيضاً بالنسبة للعرب الذين لا يتردد «ج. هولندروز» في وصفهم بأعظم بحارة في القرون الوسطى، فقد استكشفوا العالم من الجهة الجنوبية الشرقية (بحر الهند)، ووصلوا في تلك الأيام إلى جزيرة جاوة، وساهموا مساهمة هائلة في تقدم الملاحة وعلم الفلك»(19).

وأيضاً، «ولو عدنا إلى القرن السادس قبل الميلاد، إلى أيام عظمة فارس في زمن الأخمينيين، وعهد قمبيز وداريوس الأول خاصة، لوجدنا أن أمجاد فارس وغزواتها كانت برية سواء باتجاه مصر (قمبيز)، أم باتجاه الهند الشمالية الغربية (داريوس الأول). ولولا الملاّح اليوناني سكيلاس واكتشافه مصب نهر الهندوس، تلبية لرغبة داريوس، واستطلاعه الطريق البحرية من فارس إلى مصر، لما عرف الأخمينيون شيئاً عن بحر الهند في ذلك التاريخ. ويتفق هذا الاستنتاج مع ما يقوله جوهن دايتن عنهم: «كان الأخمينيون ملاحين سيئين، فبادروا في عهد داريوس الأول إلى توطين بحارة يونانيين وكاريين عند مصب الفرات، ليستعينوا بهم في سلوك الطرق البحرية بين مصبي نهري الفرات والهندوس، ويطوفوا حول جزيرة العرب قاصدين القلزم (البحر الأحمر)»(20).

بينما نادر شاه (1688 - 1747م)، فهو يعد «أول ملك فارسي يُقْدِم على تأسيس أسطول (بحري)، اشترى قطعه بأموال باهظة من مدينتي سرت وممباي، وجلبها له إلى بلاده بحارة هنود مسلمين، وأراد أن يستخدم فيها الملاحين العرب الذين يختلفون عن الفرس بخاصة في تقاليدهم وطبيعتهم ويشعرون بكره فطري حيالهم. لكنه فشل على الدوام؛ لأن البحَّارة العرب كانوا ينفِّذون الأوامر المعطاة لهم تنفيذاً رديئاً مقصوداً، أو لا يأخذون بها إطلاقاً، حتى إن الفوضى عمت الأسطول في النهاية. ورأى نادر شاه أن آماله قد خابت، وأنه لن يتمكن أبداً من جعل العرب يطيعونه طاعة عمياء ويخدمونه بإخلاص في البحر. عندها قرر تنفيذ مخططه الجهنمي، وهو نقل جميع العرب المقيمين على الساحل الشرقي للخليج العربي مع نسائهم وأطفالهم إلى ساحل بحر قزوين (موطن الفرس الأصلي)، واستخدامهم هناك في الأسطول ضد الروس، ثم نقل السكّان المقيمين على سواحل بحر قزوين إلى سواحل الخليج العربي؛ لأنهم كانوا يفضلون الروس على الفرس. إلا أن وفاة نادر شاه أحبطت تنفيذ هذا المخطط»(21) الشيطاني.

وصحيح مثلاً، بأن زمن نادر شاه قد ولَّى وزال، لكن مخططه لم يزل قائماً لدى النظام الإيراني حالياً، فقبل أيام فقط من شهر رمضان الماضي، وكما نشر موقع (العربية نت)، خبر اندلاع مظاهرات شعبية عارمة، عمَّت خمس قرى عربية مطلة على الساحل الشرقي للخليج العربي بمحافظة «هرمزغان»، فضلاً عن مظاهرة أخرى نسائية بمدنية بندر عباس، مركز المحافظة، الأمر الذي أدى إلى إيقاف تنفيذ مشروع حكومي إيراني، يهدف إلى ضم هذا القرى العربية السنّية إلى محافظة فارس المجاورة، بغية جعلها تتصل بالخليج العربي، إذْ إن هذا المخطط يأتي كمحاولةٍ من النظام الإيراني، إلى تفريس كامل الساحل الشرقي من الخليج، باتباع سياسة وضع اليد ومصادرة الأراضي وتهجير العرب من وطنهم واستبدالهم بمستوطنين غير عرب من أجل إحداث تغيير ديموغرافي مؤثر في المكان، وذلك في إطار محاولات النظام المستميتة في إثبات مسمّى «فارسية الخليج».

الحقيقة الجيوسياسية

الحقيقة الرابعة، والتي تظهر جلية اليوم، وتتصل بموضوعنا مباشرة، هو ما أفرزته تحوّلات الواقع الجيوسياسي، من تغيرات كبيرة ومهمة للدول العربية المحيطة بحوض منطقة الخليج العربي حالياً، والذي تصر القيادة الإيرانية، بتعنت شوفيني واستكبار، على أن لا شيء قد تغير منذ زمن الدولة الفارسية. فإيران، وكما كتب خالد الدخيل، «ومنذ ظهور الإسلام، وحتى العصر الحديث، لم تعد دولة عظمى (كما كانت في سابق عهدها أيام الدولة الفارسية)، وانضمت إلى الحضارة الإسلامية، وأصبح هناك الآن سبع دول عربية تطل على الخليج، تحتل إطلالتها أكثر من ثلثي سواحل الخليج، وهي تحوّلات كبيرة لا تدع مبرراً لتمسك الإخوة الإيرانيين بتسمية تجاوزها التاريخ، وعفَّى عليها الزّمن». كما أن إيران، لم تعد الدولة الوحيدة المطلة على الخليج، بل أصبحت تمثل أقلية، جغرافياً وسياسياً، من هذه الناحية. وإذا أخذنا في الاعتبار القبائل العربية التي تقطن السواحل الإيرانية على الخليج، فإن إيران قد تصبح أقلية حتى بالمعنى الديموغرافي»(22). ويضيف الدخيل قائلاً: إن إصرار إيران على تأجيج قضية التسمية هذه لافت لناحيتين: الأولى، أن إيران تعتبر نفسها دولة إسلامية، وهو ما يقتضي أن تكون المعايير الإسلامية مرجعية لمواقفها وسياساتها تجاه دول إسلامية أخرى، لكن إصرارها وبعنف على التسمية الفارسية للخليج يتناقض مع ذلك، لأنها تستند في هذا إلى موروث، ومرجعية قومية سابقة على الإسلام، وإيران تؤكد بذلك أنها دولة قومية قبل أن تكون دولة إسلامية، وهذا حق لها وللشعب الإيراني، لكنه حق يستدعي التخلي عن توظيف الشعارات الإسلامية. الأمر الثاني اللافت في الموقف الإيراني، أنه ينطلق من مغالطة تاريخية مفادها أن لا علاقة للعوامل التاريخية والسياسية بتسمية المواقع الجغرافية، وأن الأسماء القديمة لهذه المواقع لم تتغير، ويجب أن تبقى كذلك مهما تغيرت الأحوال السياسية والظروف«(23).

لكن، ومن هذا المنطق الواهي والهش جداً، الذي تتخذه إيران كحجة لها، نسأل: ماذا كان يسمّى بحر الخليج، قبل مجيء «الغزاة» الفرس إلى إيران؟ أي ماذا كان يسمَّى هذا البحر، في الألف الرابع والثالث قبل الميلاد، حتّى لا نعود للوراء أكثر، في زمن أكاد وسومر (بلاد الرافدين)، ودلمون ومجان (الجزيرة العربية)، وعيلام (إيران)، قبل مجيء الفرس أنفسهم؟ فهل كان هذا البحر، في تلك الفترة، خالياً من أي تسمية تذكر مثلاً؟ ثم إذا كانت جميع الأسماء، التي جئنا على ذكرها سابقاً: بحر الشمس المشرقة، مياه الموت، بحر السّلام، مكان العبور، مياه الحكم، البحر المر، أو البحر الأدنى أو الأسفل، والمرتبطة كلها بتلك الفترة ذاتها، حيث لم يوجد بينها ما يدل على أي مسمّى لفارس أو فارسي، لأنه لم يكن لهم من وجود كدولة بالأساس في ذلك الوقت؛ فكيف تصر إيران إذاً على عدم قبولها مطلقاً بتغيير الأسماء القديمة لبحر الخليج، وتتمسك حتى الموت باسم «الخليج الفارسي» وحده؛ فيما هي عملياً وضمنياً تلغي جميع تلك الأسماء القديمة التي سبقتها وتمحوها من الوجود؟! غير أن هذا الإلغاء المتعمد للأسماء، ألا يعني كذلك إلغاءً ضمنياً وعدم اعتراف صارخ، بتلك الحضارات القديمة التي سمَّت تلك الأسماء نفسها، أو وجدت حينها؟ إنه منطق معكوس، وخلل بَيّن وواضح، وحجة ضعيفة وخاطئة، وإلغاء سافر ومرفوض؛ وإن دلَّ على شيء، فهو يدلّ على تلفيق إيراني محض لا يبعث على الثقة، ولا على الصدقية التاريخية مطلقاً.

ما وراء التسمية الإيرانية

إذن، وأمام هذه الحقائق كلها، التي جئنا على ذكرها أعلاه، والتي تدحض تلك التحريفات والأكاذيب الإيرانية حول مسمّاها لبحر الخليج العربي، ونفيها لأحقية العرب في تسميته على الرغم من أصالة هذا المطلب وتجذره، يتبين لنا ما يلي: لقد بات من الواضح لنا الآن، أن إيران في تمسكها الموتور والعنيف بمسمّى «الخليج الفارسي»، وعبر هذه الصيغة الحقودة والشوفينية «المؤلهة للماضي» الفارسي البائد، وهي الدولة الإسلامية؛ قد أخرجت هذه القضية المُختلف عليها، من إطار الاختلاف الثقافي والتاريخي والحوار البنّاء والتواصل الإيجابي مع جيرانها، لتدفع به إلى ساحة الصراع العرقي والطائفي والعسكري والسياسي المفتوح والمكشوف على مصراعيه، والذي يتبدى في تدخلها السافر والعدواني في شؤون دول الإقليم الخليجي بالخصوص، والدول العربية الأخرى بشكل عام. فهي، ومن خلال هذه التسمّية المضللة، تريد ضرب أكثر من عصفور بحجر واحد.

فهي من ناحية، ومن خلال محاولتها التوكيد على أقدمية الدولة الفارسية زوراً، تريد إلغاء جميع الحضارات القديمة التي سبقت الظهور الفارسي، بأكثر من ألفي سنة تقريباً، على حوض منطقة الخليج. وكذلك محو أو تصفية سجل جميع الغزاة، الذين توافدوا على إيران وأسقطوا المشروع الإمبراطوري الفارسي وامتداداته في التاريخ الإيراني، منذ اليونانيين وحتّى الروس، وتحميل مسؤولية ذلك السقوط المتكرر، السابق واللاحق، إلى الفتح العربي الإسلامي وحده فقط. قافزين بهذا، على حقيقة أن الفرس هم أول من غزوا إيران نفسها في الأصل، وهم من اختطفوا ومحوا حضارة إيران القديمة والسابقة عليهم. أي وعبر هذه التسمية، تريد إيران أن توهم العالم بأنها الحضارة الوحيدة التي نشأت على حوض منطقة الخليج، فلا قبلها أحد ولا بعدها. وهذا بالطبع، كذب فاضح وافتراء محض وتزوير كبير لحقائق تاريخ المنطقة بأسرها. ولعل هذه التعديات المزوَّرة والمحرَّفة، هي بالضبط ما عبر عنه الرئيس الإيراني الأسبق أحمدي نجاد، بمناسبة زيارته الاستفزازية المتعدية والمرفوضة جزيرة أبو موسى الإماراتية التي تحتلها إيران منذ عام 1971، حين قال: «في الماضي لم تكن هناك أي ثقافة وحضارة باستثناء الحضارة الإيرانية!» يقصد، الفارسية. وهذا بطبيعة الحال، تصريح يراد من ورائه باطل، إذْ يلمح بالقول بأن الجزر الإماراتية الثلاث: طنب الكبرى والصغرى، وجزيرة أبو موسى (****)، ومنطقة الخليج بأسرها، كانت تابعة للدولة الفارسية. وهذا الكلام الشوفيني والاستفزازي المتعجرف والمغلوط، ليس أكثر من تلفيق محض وافتراء زائف، ولا يصمد أصلاً أمام شواهد تاريخ المنطقة. فعرب الخليج، تاريخياً، لم يكونوا ولن يكونوا في يوم من الأيام، تابعين للحكم الفارسي، لا قديماً ولا حديثاً، ولا بأي وجه من الوجوه، فهذا أبو التاريخ، هيرودوت، يؤكد حرفياً، ومنذ زمن الدولة الفارسية نفسها التي يتشدق بها نجاد: «إن العرب هم الأمة الوحيدة التي لم ترضخ للفرس، بل عقدت معهم التحالفات على قدم المساواة»(24).

ويضيف، في فقرة أخرى، قائلاً: «وهكذا أصبح داريوس بن هايستاسبيس ملكاً على فارس. وبفضل فتوحات قورش وقمبيز، ودانت له كل شعوب آسيا بالولاء، باستثناء العرب الذين لم يدخلوا في طاعة الفرس، ولم يدينوا لهم بالولاء بوصفهم تابعين أو أرقاء، بل أصبحوا لهم أصدقاء عندما سمحوا لقمبيز بالمرور إلى مصر؛ لأن الفرس لم يكن في مقدورهم غزو مصر ضدّ إرادة العرب»(25).

كلام هيرودوت إذاً، واضح كل الوضوح وأصدق من كلام نجاد بألف مرة، بوصفه كان شاهداً على تلك الحقبة الفارسية نفسها، فما يحاول نجاد توكيده، ينفيه هيرودوت ويكذبه ولا يزكيه مطلقاً، فالعرب كانوا أصدقاء للفرس، ولم يكونوا خاضعين أو تابعين أو موالين لهم مطلقاً، كما أن سطوتهم في الأماكن التي وجدوا فيها، كانت كبيرة ومؤثرة جداً. وعموماً، وإذا ما التفتنا إلى أهمية جزيرة العرب وشعوبها، في تلك الفترة القديمة ذاتها، فإننا سنتعرف إلى ما يلي: «فمع أن سكّان جزيرة العرب كانوا يعيشون في محيط الإمبراطوريات العظمى، فقد كانوا ذوي أهمية كبيرة لها. أولاً، إن موطنهم يحتل موقعاً مركزياً بين الهند وأفريقيا وبلاد بين النهرين والعالم المتوسطي، الأمر الذي يعني أن البشر والسلع العابرين من منطقة إلى أخرى كانوا مجبرين غالباً على إجراء الصفقات معهم [ أي سكَّان جزيرة العرب]... ثانياً، إن وجود اللُّبان [البخور] والمر والنباتات العطرية الأخرى في جنوبي جزيرة العرب (ويمكن إضافة تجارة اللؤلؤ وتصنيع النحاس وتصديره كذلك)، وكلها كانت مطلوبة جداً في حضارات البحر المتوسط وبلاد النهرين، قد جلب الثروة والشهرة إلى زارعيها ومصدّريها العرب. ثالثاً، قدمت جزيرة العرب خزاناً من القوة البشرية العسكرية التي كانت تملك خبرة بالسفر في الصحراء (والبحر)، ومارست دوراً مهماً كحليف وأيضاً كعدو لمختلف القوى»(26).

أما من ناحية ثانية، فإن هذه التسمّية الفارسية للممرّ المائي، ما هي إلاَّ شمَّاعة تتخذها إيران لتبرير أفعالها العدوانية وتحقيق أهدافها التوسعية والطائفية في المنطقة الخليجية بالذات، ومحاولة «تفريس» العرب في كامل الساحل الشرقي من الخليج، وفرض سيطرتها على مضيق هرمز، ومواصلة احتلالها لجزر الإمارات الثلاث؛ وذلك من أجل استعادة أمجاد إمبراطورية فارس المقبورة، والتي أصبحت من متوهمات الماضي، لا أكثر. لأن خليج اليوم، ليس هو خليج الأمس، كما أن فارس الأمس، ليست هي إيران اليوم.

إن التحريف الاسمي للأماكن باختصار، ووفق ما سبق، وفي أي بقعة كانت، وإذا ما تحوَّل إلى خطاب عدواني وغوغائي عنيف، كالخطاب الإيراني الحالي، ما هو إلاَّ محاولة خبيثة وفاشلة لمحو اسم المكان الأصلي وقتله بالقوة أو بالتزييف أو الخداع، وتسميم الأجواء في مدار المكان نفسه، والعمل باستماتة وخبث إلى قلب هوية المكان، وإلغاء ثقافة وتاريخ وحضارة سكّانه، وتشويه وتقزيم وجودهم الشخصي، وتبرير التدخل اللاقانوني في شؤونهم. لأن هذا الفعل ببساطة، يشبه إلى حدٍّ بعيدٍ مَنْ يُجبر شخصاً ما على تغيير اسم أمه أو تغيير اسمه وأمه معاً، واستبدالهما باسم امرأة أخرى غريبة عنه، ولا تمت إليه بأي صلة أبداً. وهذه من عظائم الأمور وأقبحها، والتي تستوجب الرفض والمجابهة على طول الخط.

كلمة أخيرة

مما تقدم، يمكننا القول في الختام: إن سنن تطور الأمم، لا تكون بجعل مستقبل الأمة مرتهناً لماضيها، يُتحكم فيه كيفما يشاء وجعله يدور كالثور حول الساقية، ولا أن نجعل من الأموات شُرْطةً يستعبدون الأحياء ويتحكمون في مصيرهم، ولا أن نجعل كذلك من حقد وكراهية الأقدمين ديانة لشعوب اليوم. وإنما العكس هو الصحيح، حيث الحاضر والمستقبل يقودان القاطرة إلى الأمام وليس للخلف مطلقاً، وأن الأحياء هم من يصنعون الحياة الجديدة والتاريخ الجديد والمستقبل الجديد للأمم، حيث يُعمل على تعميم السلام والمحبة والوئام ما بينهم، ومراعاة المصالح المشتركة ما بينهم. ولعل هذه الارتهانية العصبية المتشنجة والمتطرفة للماضي مع أوهامها المرضية، والتي جربها العالم كله، وبالأخص في محيطنا العربي حالياً، هي بالضبط ما تصر عليه جميع الأصوليات المتطرفة والإرهابية، السنّية والشيعية والمسيحية واليهودية والبوذية وغيرها، قديماً وحديثاً، وفي كل مكان في العالم، والتي بسببها ثارت الحروب والفتن وارتكبت المجازر وتمزقت الأوطان وساد عصر التخلف والانحطاط والظلام، في أكثر صوره دموية وبربرية ولا إنسانية.

غير أن سؤالي الحارق فعلاً هنا، هو: هل يستحق الخلاف حول اسم ما، مثل مسمّى بحر الخليج، والذي لديه مصفوفة من الأسماء العديدة والجميلة وليس اسماً واحداً فقط، أن تثار بسببه كل هذه الصراعات والتشنجات والنعرات والأحقاد والكراهية، التي تبديها إيران بشكل خاص لجيرانها؟ ثم ماذا لو، وكمقترح بديل وخالٍ من كل حساسية هوياتية أو دينية، استبدلنا الاسمين المتنازعين أو المختلف حولهما، العربي والفارسي، بمسمّى «بحر السلام»، أو «بحر الشَّمس المشرقة»، أو «بحر الشَّمس» فقط، وهي من المسمّيات القديمة والرائعة لحوض الخليج، فهل ستنهار أو تنمحي الهوية العربية أو الفارسية من الوجود مثلاً؟ وهل يعود هناك بعدها، من مبرر لاستمرار هذا الصراع حول مسمّى البحر نفسه؟

الإجابة ستكون بالطبع: لا، بل ستكون فاتحة حضارية عظمى للطرفين؛ ولكن الوصول إلى هذه القناعة الحضارية المتسامحة والراقية، ستكون صعبة وطويلة، وتحتاج إلى إرادة كبيرة وقناعة عميقة وحكمة واسعة، ورغبة حقيقية في إنهاء هذا الصراع وبدء صفحة جديدة من التعايش السلمي والتعاون البناء والمثمر، بين الطرفين الجارين، خاصة من الطرف الإيراني المتعنت الذي يحتاج إلى الكثير من المرونة والواقعية والعقلانية والتواضع واحترام الآخر، والكف عن النظر إليه من أعلى والتعامل معه كعدو مفترض، ومهاجمة مقدَّساته، وتبرير التدخل في شؤونه واحتلال بلدانه، بذرائع هشة وملفقة وعلى أساس عرقي أو عنصري أو طائفي أو سياسي، لأن كل هذه التصرفات والأفعال العدوانية والعدائية المرفوضة، لا توفر أرضية صالحة لحل النزاعات القائمة، ولا تحقق الأمن والاستقرار والسلام للمنطقة، ولا تخلق التعاون المثمر والمشترك بين الجانبين، والذي إذا ما توافرت له الظروف المناسبة والصادقة، بمقدوره أن يجنب شعوب هذه المنطقة بأسرها، جميع تلك المخاطر والتهديدات التي تنهال عليها من كل حدب وصوب.

إن صوت العقل والمنطق والحكمة السياسية إذاً، يقول لنا: إنه لا توجد هناك عداوة دائمة ولا حروب دائمة، وإنما هناك مصالح دائمة ومشتركة، ولنا في تجربة الاتحاد الأوروبي مثالاً جيداً على هذا، فأوروبا المتحاربة حتى الموت فيما بينها والمدمّرة، في زمن الحرب العالمية الأولى والثانية، ليست هي قطعاً أوروبا الموحدة والقوية حالياً، وإن تعرضت لهزة جانبية مثلاً كإعلان انفصال بريطانيا عن اتحاد اليورو مؤخراً، إلاّ أن المهم هو أن دول أوروبا، فوق هذا وذاك، قد تجاوزت كل حروبها وجراحاتها وعداواتها وأحقادها وانتقاماتها وأحزانها الغائرة، والتي لن تسمح بالتأكيد بالعودة إليها مطلقاً، حيث نظرت إلى مستقبل شعوبها ومصالحهم المشتركة الموحدة، كهدف أسمى وأرقى في بناء حضارتها وتعزيز قوتها ووجودها في عالم اليوم، بدل الاستمرار المهلك والباهظ الثمن، في اجترار صفحات ماضي تاريخها الاستعماري والإمبراطوري الأسود والدموي. لأن أبناء اليوم، ليس لهم ذنب فيما ارتكبه أسلافهم من خطايا وعداوات مع الآخرين، خاصة أن الظروف والمعطيات والأسباب والتوجُّهات العالمية، قد اختلفت تماماً عمَّا كانت عليه سابقاً، فمتى يتسنَّى لنا نحن الجيران، وبالأخص إيران، مَنْ ننتمي إلى الدِّين نفسه وللجغرافيا نفسها وللإنسانية جمعاء، أن نتحرر من سجون التاريخ، ونتعلم منه العِبَر والحِكَم ونأخذ منه شعلة النور والهداية، ولا نجعله قيداً يُربط في أعناق شعوبنا ويشدُّنا معاً إلى قعر الهاوية؟

حقيقةً، هذا ما نتمنى تحققه في المنطقة الخليجية والعربية ولإيران نفسها، ورؤيته بصدق خالص، حتّى ولو بعد حين، لكن شريطة، أن تغير إيران من نفسها ونهجها ومواقفها العدائية، وأن تعيد الحقوق إلى أهلها، وأن تتعامل مع شعبها وجيرانها ومع العالم بأسره كدولة طبيعية محبة ومسالمة وصديقة، وليس كبلاد عدوة ومتشنجة ومزعجة، تصدّر الثورة والاحتلال والطائفية والأحقاد والقمع والإرهاب وفتائل الدّم للآخرين.

فمتى يأتي ذلك الفجر الأبيض إذاً، لمنطقة عانت أهوال الحروب وبشاعتها، مثل منطقة الشرق الأوسط، بما يكفي لملء محيط كامل بالقتلى والذكريات المؤلمة والدامية؟!

هوامش:

1- مطاع صفدي، استراتيجية التسمية: في نظام الأنظمة المعرفية، منشورات مركز الإنماء القومي، 1986، ص 192.

2- جاك دريدا، انفعالات، ت: عزيز توما، تقديم: إبراهيم محمود، دار الحوار، 2005، ص: 107.

3- صالح حميد، العربية نت، الاثنين 13 ربيع الأول 1438هـ -12 ديسمبر 2016م.

4- مايكل رايس، الآثار في الخليج العربي، ت: صالح محمد علي وسامي الشاهد، المجمع الثقافي، 2002، ص: 37.

5- انظر، الخلاف على اسم الخليج العربي، موقع ويكيبيديا الإلكتروني.

6- حول تلفيقات الاسم الفارسي تحديداً، يمكن مراجعة الكتاب المرجعي: سلطنة هرمز العربية، تأليف: إبراهيم خوري وأحمد التدمري، المجلد الأول، مركز الدراسات الوثائقي في الديوان الأميري برأس الخيمة، 1999، ص: 9 - 16.

7- موقع ويكيبيديا، مصدر سابق.

* قبل اكتشاف البنية الجيولوجية والمعمارية لجزيرة العرب حديثاً، والتي كانت مجهولة تماماً للمهتمين بها، يشير توفيق فهد في كتابه المهم «الكهانة العربية قبل الإسلام» إلى أن «ما يستحق الذكر»، (هو) أن ابن المجاور، الذي كتب في النصف الثاني من القرن السابع الهجري/&rlm&rlm الثالث عشر الميلادي، قد احتفظ لنا بذكرى اتصال جزيرة العرب بالقارة الأفريقية. أما الانفصال بين القارات ضمن هذه الأساطير، فيُعزى إلى (ذي القرنين) الشخصية الأسطورية التي يمكن أن ترتبط بشخصية مردوك. والحال أن بيير لامار يؤكد أن ثمة عناصر جيولوجية تثبت أن البحر الأحمر، الذي يبدو على غرار خندق هائل يفصل مصر والسودان وإرتيريا عن جزيرة العرب، قد تشكل في حقبة سبقت بقليل الحقبة التاريخية. وهذا يفسر التماثل الموجود بين الجزأين المفصولين، فيما يتعلق بالحيوان والنبات (ص: 26 - 27).

8- لمعرفة المزيد عن تشكل شبه جزيرة العرب والخليج العربي، انظر دانيال بوتس، الخليج العربي في العصور القديمة، الجزء الأول، ت: إبراهيم خوري، مراجعة: د. أحمد السقاف، إصدارات المجمع الثقافي، 2003، ص: 61.

9- للمزيد حول هذا الموضوع انظر، ربرت هيلند، تاريخ العرب في جزيرة العرب: من العصر البرونزي إلى صدر الإسلام (3200 ق م - 630 م)، ترجمة: عدنان حسن، مراجعة: زياد منى، قدمس للنشر والتوزيع، 2010، ص: 33.

(**) وهذا ما يؤكده أيضاً هيردو، وأندروستين، وسترابو، فيما يتعلق بأصول الفينيقيين العربية.

10- فيليب حتى، العرب تاريخ موجز، دار العلم للملايين - بيروت 1980، ص 14 -15.

11- يحيى عبابنة/&rlm&rlm آمنة الزعبي، معجم المشترك اللغوي العربي السامي، هيئة أبوظبي للسياحة والثقافة، دار الكتب الوطنية، 2013، ص: 11.

12- مايكل رايس، مصدر سابق، ص: 39.

13- لمعرفة المزيد عن ناصر بوربيرار، المناهض للشعوبية وللمد الفارسي، «الذي يعد اليوم استثناء في قاعدة المفكرين والباحثين الإيرانيين، حيث شذَّ عن الخطاب الفارسي المهيمن لمدة أكثر من قرن على الساحة الفكرية والثقافية المعاصرة في إيران، بأطروحاته ونظرياته الجديدة حول تاريخ إيران.. (فهو) وخلافاً للفكر القومي الفارسي، ينتقد الفكر الشعوبي المعادي للعرب، ويشعر بالأسف لاستحالة تغيير اللغة الرسمية لإيران إلى لغة القرآن». (انظر ويكيبيديا)، حيث نتمنى حقيقة ترجمة كتابه المهم «12 قرناً من السكوت» إلى العربية، والذي أثار ضجة هائلة في إيران، وبخاصة من القوميين الفرس، كما بالإمكان مشاهدة ما قاله بوربيرار نفسه عن هذه الموضوعة على الرابط التالي:

https:/&rlm&rlm/&rlm&rlmyoutu.be/&rlm&rlmYK9tgUhbp04

14- هيجل، العالم الشرقي، المجلد الثاني، ترجمة: د. إمام عبد الفتاح إمام، دار التنوير، 2007، ص: 216 - 217.

15- داريوش، شايغان، النفس المبتورة: هاجس الغرب في مجتمعاتنا، الساقي، 1991، ص: 184.

16- انظر عبد العزيز جاسم، جحيم نيوتن: تأملات ثقافية في تحولات العالم، المركز الثقافي العرب، 2010، ص: 37.

(***) لقد ادعى مثلاً، مستشار نجاد الخاص وصهره، استفنديار رحيم مشائي، بأن «النبي محمداً «صلعم» كان فارسياً وليس عربياً، وأننا يجب أن نبلغ الإسلام الفارسي بدلاً من الإسلام الموجود، وإن الشعب الإيراني (الفارسي)، صديق حميم للشعب الإسرائيلي ويحبه كثيراً» (غوغل).

17 - صالح حميد، حزب نازي إيراني يعاود نشاطه علناً، العربية نت، الأحد 21 سبتمبر 2014.

18- مصدر سابق، سلطنة هرمز العربية، ص: 12.

19- المصدر نفسه، ص: 13.

20- المصدر نفسه، ص: 13.

21- المصدر نفسه، ص: 12 - 13.

22- خالد الدخيل، الخليج لم يعد فارسياً، جريدة الحياة، السبت 12 مايو 2012، وبهذا الصدد أيضاً، كتب الرحالة الدانماركي كارستن نيبور الذي زار منطقة الخليج في القرن الثامن عشر، ما يلي: «لقد أخطأ جغرافيونا، على ما أعتقد، حين صوّروا لنا جزءاً من الجزيرة العربية خاضعاً للفرس، لأن العرب، هم الذين يمتلكون، خلافاً لذلك، جميع السواحل البحرية للإمبراطورية الفارسية، من مصب الفرات إلى مصب الأندوس على وجه التقريب (كتاب رحلة نيبور عام 1765).

23- المصدر نفسه.

(****) والدليل على ذلك، هو ما عبر عنه أحد كبار الضباط الإيرانيين، أيام الشاه المخلوع محمد رضا بهلوي، حين احتلت القوات الإيرانية أبو موسى في عام 1971، عندما قال مؤكداً أمام أهالي الجزيرة الإماراتيين: «لا تخافوا. نحن لا نريد بكم شراً، حيث إن المنطقة هذه كلها أراضينا، وخلال السنوات القليلة القادمة - أربع أو خمس سنوات - ستكون البلاد، من هنا إلى خورفكان ودبي، كلها تحت سيطرتنا».

24- انظر، تاريخ هيرودوت، ترجمة: عبدالإله الملاح، المجمع الثقافي، 2001، ص: 9.

25- المصدر نفسه، ص: 261.

26- رُبرت هيلند، مصدر سابق، ص: 23 - 24.