الملحق الثقافي

أنطولوجيا اللسان..

تحتاج البحوث اللغويّة العربيّة، كي ترتقيَ بلغة الضاد، إلى الانكباب على التراث اللغوي العربي فهماً وفحصاً واستلهاماً، ولكنها تحتاج كذلك إلى الانفتاح على الأفق اللساني الغربي الذي تعددت فيه الإسهامات وكثرت فيه المقاربات، وتداخلت مباحث العلوم اللسانية مع سائر العلوم الإنسانية كالفلسفة والمنطق والأنثروبولوجيا وعلم النفس، والعلوم الاجتماعية كعلم الاجتماع والعلوم القانونية والاقتصاد والعلوم السياسية والعلوم الطبيعية كالبيولوجيا وعلم الأعصاب والعلوم الصّلبة كالرياضيات والفيزياء والحاسوبيّة...
ولقد تبيّن أنّ اللغة البشرية مؤسسة واسعة تشمل مناحي الحياة المختلفة، وتتقارب الألسنة وتتباعد أنظمتها الصوتية والصرفية والتركيبية والدلالية والتداولية، وتنشأ بينها علاقات أسرية (العائلات اللغوية: الهندأوروبية، السامية، الجرمانية، ...) أو الشبه العائليّ (بالمفهوم الذي طوّره الأستاذ عبدالرزاق بنور، وقوامه التناظر بالجملة والتناظر بالتفصيل)، أو علاقات تنشئها عوامل احتكاك الألسن بسبب التقارب الجغرافي أو تداول السنن عند الجماعات اللغوية المزدوجة اللسان، وغيرها من العلاقات بين اللغات والألسن واللهجات...
ولعلّ إسهامات الباحثين العرب المعاصرين في قطاع اللسانيات ما زالت - في معظم الأحوال - لا تتجاوز النقل والتعريف والترجمة، بل إنها أحياناً تُنبئ عن ضعف مكانة هذا العلم وانحداره في سلّم اهتمامات الجامعات والمراكز البحثيّة... ولعلّ بعض الجهود الأمينة والجادّة التي تبذلها جهات عربيّة غيورة على البحث اللساني، هي التي تُتحفنا بين الآن والآخر ببعض الكتب المفيدة التي تُقيم الحجّة على أنّ إمكانية الإفادة من اللسانيّات عربيّاً ممكنة، وإن لم نغادر حقل التجريب العلميّ المعزول إلى واقع الحياة ونبض المجتمع، إلا قليلاً.
وفي هذا السياق، يمثل كتاب (إطلالات على النظريات اللسانية والدلالية في النصف الثاني من القرن العشرين) ضمن السلسلة التي وضعتها مؤسسة بيت الحكمة بتونس عملاً رائداً على صعيد العالم العربي وأداة علمية بيد الباحثين وعامة المثقفين، وهو يسد ثغرة في المكتبة العربية التي ظلت تفتقد - عكس الألسنة الحية الأخرى - مختارات معربة من أهم النظريات اللسانية التي سيطرت على النصف الثاني من القرن العشرين، تمكن من رسم صورة ثابتة لمجال معرفي تميز بكثرة النظريات وتنوعها، وتحرك الحدود الفاصلة بين الاختصاصات وتداخلها.
وهو يشتمل على 28 نصاً أصلياً بـ”الفرنسية” و”الإنجليزية”، بعضها مأخوذ من مصنفات مشهورة ومتوافرة، وبعضها مأخوذ من كتب ودوريّات يعسر على الباحث العربي الوصول إليها بلغتها الأصلية، فضلاً عن تعريبها مثلما يصعب على المؤسّسات الحصول على إذن بترجمتها. ولذلك استغرق إنجاز ترجمتها وإخراجها أكثر من ست سنوات.
قام اختيار هذه النصوص على مبدأين متضامنين: أولاً أهمية التيارات المؤثرة في علوم اللغة على الصعيد العالمي، وهي بحسب اجتهاد المشرف الدكتور عزالدين المجدوب البنيوية والتوليدية والتداولية والبحث المعجمي المحوسب. ثانياً مدى اتصال هذه المدارس بالتراث النحوي واللغوي العربي. لذلك فإن «هذه المفضليات» مختارات معربة من النظريات اللسانية والدلالية بعيون عربية.
وقد اشتملت هذه المنتخبات المعربة على مقدّمة عامّة، قدّم فيها المجدوب التحولات الأساسية في النصف الثاني من القرن العشرين وفهرساً اصطلاحياً ثلاثيّ اللسان (عربي - فرنسي - إنجليزي).
نقرأ في الكتاب مقتطفات من الفصلين الأول والثاني من كتاب “مبادئ في اللسانيّات العامّة” لأندري مارتيني وترجمها الدكتور عز الدين المجدوب، و”مبادئ في علم الإعراب البنيوي” في التعلق والبناء للوسيان تانيار وترجمها الدكتور الصحبي البعزاوي، فيما ترجم الدكتور منصف عاشور “اللّغة والإعلام الباب الأوّل في نظرية شكلية للإعراب” لـ”ر. س. هاريس”، كما ترجم مقدمة كتاب “البنية المنطقية في النظرية اللسانية” و”البرنامج الأدنوي” 1995: المقدمة لـنعوم تشومسكي، فيما ترجم الدكتور الشاذلي الهشري لتشومسكي أيضاً “علم الإعراب الجديد الفصل الأول، مختلف أنظمة القواعد”، وترجم د. محرز بوديّة “اللغة والعرفانيات. مدخل في البرنامج الأدنوي للنحو التوليدي” الفصلان الأول والثاني والفصل الخامس عشر لـجان - إيف بولّوك.
وللساني جان كلود ملنار ترجم الدكتور عز الدين المجدوب: “مقدمة إلى نظرية في علم اللغة نظرية الحيّز” و “النحو”، وترجمت الدكتورة عفاف موفو لجورج لايكوف “نساء ونار وأشياء خطيرة: ما تكشفه المقولات حول الذهن، فيما ترجم الدكتور ثامر الغزي لـكلود فاندولواز “استغلال اللغة والعرفان”، وترجم الدكتور منصور المبغري لـجيل فوكونياي “الفضاءات الذهنيّة صور ووظائف تداوليّة..”، والنص الأخير للساني لونار طالمي “الشكل والأساس في اللغة” ترجمه الدكتور عبد العزيز المسعودي.
وترجم الدكتور صابر الحباشنة “البحث عن الأوائل الدلالية: 1965 - 1992” لـ”أنّا فيرزبيكا”، وترجم الدكتور كمال زيتوني “في سبيل منطق للمعنى” لـ”روبار مارتن”، وترجم الدكتور عز الدين المجدوب “تداولية قبل التداولية: هي تداولية قروسطية عربية إسلامية” لـ”بيار لارشي”، وترجم الدكتور منصور الميغري “بنية علاقات الشخص في (نظام) الفعل” و”جهاز القول الشكلي” لـ”إميل بنفنيست”،
وترجم الدكتور ثامر الغزي “استقلالية اللغة والعرفان” لـ”كلود فندلواز”، وأخيراً ترجم الدكتور محمد الشيباني والدكتور سيف الدين دغفوس “قوانين الخطاب” لـ”اوزواد ديكرو”، وترجمت الدكتور عفاف موفو “الإفادة” لـ”دان سبربر” وديدر ولسن، كما ترجما “ماذا تقصد بعمل قولي؟” لـ”فرنسوا ريكاناتي”، وترجمت الدكتور خيرة صغر “الأبعاد المقطوعية والتشكّلية للنصّ”، وترجم الطاهر الساهلي علم الدّلالة والآليّ: منافع القاموس المُحَوْسَب لـ”روبار مارتان”، وترجم ناجي منتصر “مقدمة في أصناف الأشياء” لـ”دينيس لوبوزان” وميشال ماتيو كولاس، وترجم الدكتور توفيق العلوي “نظريّة معنى - نصّ” لـ”ألان بولقار”، وترجم الدكتور شكر ي السعدي “الصورة المنطقية لجمل العمل..” لـ”دونالد ديفدسن”.
وترجم د. شكري السعدي أيضا “الأفراد” الجزئيات الأساسية” لـ”بيتر فريديريك ستراوسن”، و”الأفعال والأزمنة” لـ”زينو فندلر”.
وغنيّ عن البيان أنّ جانباً كثيراً من هؤلاء اللسانييّن الذين تمّ عرْض أفكارهم في هذه الأنطولوجيا يُعرَّب للمرّة الأولى، وهذا الأمر يزيد العمل أهمّيّة ويجعله حافزاً لمزيد التعمّق في المقاربات اللسانيّة العالمية، لا الاقتصار على النظريّات الكلاسيكيّة أو التطبيقات المشهورة. وهذا التوجّه من شأنه بلوغ مرتبة مضاهاة النزعة العلمية والرؤية الموضوعية التي أدركتها اللسانيات الغربية، في مختلف تلويناتها وعبر عقود من التطوير واجتهادات أجيال من العلماء والباحثين.
لقد تطوّرت مقترحات اللسانيّات في مختلف مظاهر حياة المجتمع البشريّ الحديث في فروعها المتنوعة، وتركّزت محاولاتها على تنشيط وعي علميّ متطوّر بالظاهرة اللغوية بوصفها خصيصة تمييزية بشريّة، انطلاقاً من بعض التصوّرات، بوصفها نظاماً يتوازى مع أنظمة سيميائية أخرى بشرية تنتسب إلى الطبيعة أم آلية تنتمي إلى عالم الذكاء الاصطناعيّ.
ولعلّ من إيجابيّات هذا العمل الضخم أنه حرص على تنويع المترجمين وتم إسناد الترجمة للمتخصّصين في المباحث والمدارس والأعلام اللسانية المترجم لها وعنها، بالإضافة إلى الحرص على التدقيق والتحقيق والمراجعة والالتزام بقائمة من ترجمات المصطلحات اللسانية إلى اللغة العربية، خصوصا أنّ الأستاذ عزالدين المجدوب منخرط في مشاريع لسانيّة سابقة كثيرة تنسيقا وترجمة ومراجعة، ممّا يسّر تضبيط جدول البدائل العربية وتوحيدها، بما يمثّل الاتّجاه الغالب في اختيارات الجامعة التونسية الاصطلاحيّة.