الملحق الثقافي

الماريشال المطلق.. لم تعجب القراء

هذه الرواية الصادرة هذه الأيام بباريس، بطلها طاغية أجمع النقاد على أنه يشبه معمر القذافي، والمؤلف بيار جورد (57 عاماً) هو روائي وناقد أدبي وأكأديمي يدرّس مادة الأدب بجامعة مدينة “غرونوبل” الفرنسيّة، وصدرت له مؤلفات عدّة، وعنوان هذه الرواية الأخيرة هو (Le Maréchal absolu - الماريشال المطلق)، وصدرت عن دار “غاليمار”.
تدور أحداث الرواية في أروقة قصر فخم لحاكم طاغية يعيش حياة ترف ودعة وغطرسة، وهو مهدّد بثورة تريد الإطاحة به، ورأى النقاد في شخصية البطل شبهاً كبيراً بالعقيد معمر القذافي في سلوكه ومواقفه ونظرته للناس والحياة، فالبطل يكره كرهاً دفيناً الديمقراطيّات الغربيّة ويحتقر الصحافة والصحافيين لخشيته منهم، وفي المقابل يطيب له الجلوس إلى عشيقاته الكثيرات والتغزل بهن في لغة فجة لا ذوق فيها ولا حس مرهف.
في الرواية عدد كبير من الشخصيات الرئيسية والثانوية تتقارب وتتصارع، تتلاقى وتتباعد، وبينها تنافس في النفوذ باعتماد الخداع والدسيسة والتآمر، كما أقحم المؤلف الكثير من الرواة الذين يتحاورون مع شخصيات مختلفة ما يثقل أحياناً على القارئ لتداخل الأحداث وتشعبها، ولكن المهم أن الصورة التي يخرج بها المطالع لهذه الرواية هو سعي المؤلف إلى إبراز شخصيّة سياسية كريهة، طاغية ورئيس لا يرحم، لا عاطفة له وسعادته القصوى تتمثل في البطش بكلّ من يعارضه. وقد عمد المؤلف لكسب القارئ وإضفاء تشويق على الأحداث الكثيرة المتشابكة أن يدخل شخصيّات رجال المخابرات في السرد القصصي؛ ليجعل من روايته قصة جوسسة. وهكذا تتداخل أحداث كثيرة كلها تدور في فلك أجواء حاكم فاسد قمعي تحاك حوله المؤامرات في الظلام وتنسج الدسائس من ورائه من حاشيته بكل مكر.
وقد تعمد الروائي إبرار كل ما هو قبيح وفج وكريه ومقزز؛ ليمرر للقارئ صورة سلبية منفرة عن الطاغية ومن يحيط به من رجال وأجهزة. ويعترف المؤلف بيار جورد بأنّه فكر أثناء بناء شخصيّة البطل في الكثير من الطغاة مثل الإمبراطور بوكاسا الذي حكم سنوات طويلة أفريقيا الوسطى أو ستالين المعروف بقسوته وقمعه لكل من كان يخالفه الرأي، كما أكد أنه استلهم أيضاً بعض ملامح بطل روايته من شخصية أمين دادة.
وهكذا، فإن الكاتب جسم في شخصية بطل روايته جل الحكام الأفارقة الذين طغوا وتجبروا، فقد اقتبس وهو يبني الشخصيّة الرئيسية لروايته بعض ملامح رئيس إثيوبيا سابقاً منغستو الذي طالما تغنى بالشعارات الماركسيّة وحكم بالحديد والنار وأذاق شعبه الويلات، وتعمد دفن سلفه في الحكم بعد أن أطاح به الإمبراطور هيلاسي لاسي في مكتبه نكاية وحقداً وشماتة، كما اعترف المؤلف بأنّ إحدى شخصيّات الرواية استلهمها من هانيبال القذافي أحد أبناء “القائد”، ويقول إنّ سقوط معمر القذافي أجبره على تعديل بعض جزئيات روايته، فقد بدأ التأليف قبل قيام الثورات العربية وأصدرها هذه الأيام.
وركّز المؤلف في سرده للأحداث الكثيرة المتلاحقة على معلومات جمعها من متابعته واطلاعه على ما حصل في بلدان أفريقية كثيرة عرفت أنظمة سياسية دكتاتورية جاءت بعد نهاية الاستعمار الغربي، وركّز الروائي في نسجه للأحداث وفي وصفه وتمرير مواقفه على مدى شراسة الدكتاتور الذي يحكم شعبه متبعاً أسلوب الاستبداد، وقد يصل به الأمر إلى حد اغتيال حتّى بعض أفراد أسرته وأهله.
واللافت أن المؤلف بدأ في تحرير الفصول الأولى من روايته منذ سنوات طويلة، وأنه قضى أعواماً، وهو يكتب ويعيد الكتابة، سعياً منه إلى إنجاز نص روائي ممتع ومفيد، ولكن في الحقيقة، وبشهادة النقاد، فإن السرد خلا من المتعة والتشويق في فصول كثيرة من الكتاب، بل جاء في فقرات مطولة ومملة أحياناً، وهذا ما يفسر أن الرواية لم تلاق النجاح المأمول عند عرضها للبيع هذه الأيام، ولم تحقق رقم مبيعات كبيراً رغم أن بعض النقاد أشادوا بها وأشبعوها تعليقاً ودعاية. ورغم أن المؤلف حاول أن يربط - وهو يقوم بحملة للتعريف بروايته بعد خروجها للقراء - بينها وبين ما جرى من ثورات عربية وسقوط أنظمة عربية، إلا أن هذا الربط لم يحقق الرواج المرجو للرواية لدى القراء. وقد أشار المؤلف في سياق التعليق على روايته بعد صدورها بأنه يتابع ما يجري اليوم في ما أصبح يعرف ببلدان “الربيع العربي”، ملاحظاً أن كلّ دكتاتوريّة إذا سقطت، فإنها تخلّف الفوضى، ولم يخف خشيته ممّا قد ينجم عن ذلك من انعكاسات سلبيّة على المسيحيين مثلاً، والمؤلف يؤكد أنه مع تدخّل الغرب للقضاء على الدكتاتوريات مثلما حصل في كوسوفو.
ويلح المؤلف على العناء الذي تكبده على امتداد سنوات طويلة قضاها في تأليف روايته هذه رغم أنه اعتاد في روايات سابقة له الكتابة والتحرير بسرعة أكبر، مشيراً إلى أنه أعاد تحرير الكثير من فقرات وفصول الرواية أكثر من مرة، معترفاً بأنه كاد يتخلى عن إتمام تأليفها حينما تسلل إليه الشك، وأحس بأن المضي في تأليف مثل هذه الرواية إنما هو رهان خاسر.. ووصل به الأمر إلى الحد الذي كان فيه عندما يجلس إلى مكتبه لإتمام التحرير يتخيل بطل الرواية يخرج له من خلال الورقات التي أمامه ليسأله عما يريده أن يفعل به؟ وهو ما كان يدفع المؤلف - على حد اعترافه - إلى الفرار هرباً من مكتبه خائفاً من شبح البطل الدكتاتور، ولكنه يؤكد من جهة أخرى أن ما شجعه ودفعه إلى إتمام تأليف روايته هو يقينه بأنه على حق وكل هذه الهواجس امتلكته لإحساسه بأنه كان بصدد تأليف رواية تخرج عن المألوف ويذهب إلى حد نعتها بالرواية الغريبة.
يمكن القول، إن هذه الرواية هي رواية سياسية حول الكيفية التي تصنع بها وتعمل الأنظمة الدكتاتورية، كما يصح القول إنها أيضاً رواية تاريخية بالنظر إلى أنها تعالج مسألة نهاية الاستعمار الغربي ونشأة أنظمة مستبدة بطشت بالشعوب وقمعتها.
جاءت الرواية في 740 صفحة وأربعة فصول، وهو ما جعل النقاد يجمعون على القول إنها رواية طويلة جداً، زد على ذلك أن “البنط” الذي كتبت به الأحرف كان “بنطاً” صغيراً.. وقد أظهرت الدراسات أن القراء لم يعودوا يحتملون قراءة أي كتاب يتجاوز الـ 200 صفحة وبـ”البنط” الكبير، وتبين فعلاً أن الكتب الأقل حجماً هي الأكثر مبيعاً.