الملحق الثقافي

حيث ينمو السراب...

ينسج التشكيلي القطري علي حسن محاكاته البصرية لائذاً بمضامين ومعالجات انتقائية تقوده نحو مسارب التشكيل، وتُحركه عبر مستويين يرتبطان على نحو ما بالقيمة الزمنية وطرائق الإنتاج، متشبثاً وهو يرنو لإقامة مشروعه الفني الرصين بأطياف الحرف وصرامة الكتلة، مع اعتداده الراكز بمجريات الرسم، وما يتبدى في كنفه من خطوط وتقاسيم جمة تقوى على صناعة الفوارق اللافتة، بين حشد من مفردات تتألف وتتواتر خلال لوحات ومجسمات عدة، لتُشكل في مجملها المتن العام لمعرضه الشخصي (خيول الصحراء)، الذي يُقام بمركز مرايا للفنون، في سياق الدورة الخامسة عشرة لمهرجان الفنون الإسلامية، الذي تنظمه إدارة الفنون بدائرة الثقافة والإعلام في الشارقة.

يقوم المعرض في جانبه الأكبر على تحري واستلهام بعض ما يسعى الفنان لاقتناصه من تفاصيل ومعطيات كائنة ولصيقة ببعض ما يرد في حياة الخيول، وما تتضمنه من تعبيرات صريحة وإيماءات ورموز وإسقاطات تتعلق بالواقع والمأمول، وتًسهم مجتمعةً في شحذ المخيلة الفنية، ودفعها للوقوف على مادة الأعمال وصوغ متونها البصرية المتكئة بذكاء انتخابي واختيار جدير، لواحد من الكائنات الحية الأصيلة وصاحبة الحظوة لدى العرب ومجتمعات الصحراء، كما هو الحال بالنسبة لقطاعات بشرية أخرى وشعوب تحتل مواقعها الشهيرة خلال تاريخ الحياة وأزمنتها المتحركة من ماضي الأيام نحو مستقبلها الآتي، فقد وجدت الخيول في نتاجات الإنسان الأول، كما احتلت مكانتها اللائقة في فنون الحضارات الإنسانية في الشرق والغرب، وعرفت سبيلها كذلك إلى الفنون الحداثية وما بعدها، حتى تم استلهامها في الفنون المعاصرة والراهنة، خلال طروحات متفاوتة المنحى والمآل.

إفصاحات جمالية
أما أعمال علي حسن، فهي تُقاربُ البلاغة الشكلية لأجساد الخيول التي ينعتها الفنان بالصحراوية، وما تكتنزه في جوفها من إفصاحات تشي بجمال الهيئة وحسن التكوين، دون أن تسقط في محاكاة واقعية رتيبة من شأنها العناية بتقديم نسخ كربونية لما تراه العين، وتخنع لوجوده الرؤية المحدودة بالوقوف عند ما هو مرئي وظاهر من مكون خارجي وتفاصيل ونسب تشريحية مقننة، حيث تذهب الأعمال في سبيلها لطرح خيولها الخاصة فحسب، دونما استجابة لضوابط بعينها غير ما يقنع الفنان نفسه بتأليفه، ومن ثم طرحه بصرياً ضمن سياقات تتوافق فقط مع المحلوم بإطلاقه إلى حيث يقبع بصورة نهائية، خلال حيز اللوحات وضمن بنية المجسمات الرابضة، التي تكتسب قيمها ومعانيها طبقاً لما يدور في ثناياها من علائق تستهدف أفكاراً أو رؤى محددة، ما قد تطبع خلد الفنان أو تتوارد إلى ذهنيته.
وقد جاءت خيول علي حسن في عمومها متدثرة بطاقة الأبيض والأسود وما بينهما من درجات رمادية محايدة، تظهر عبر اصطباغات لونية قادرة على الإفادة القصوى من إعمال التباينات وإقامتها بين حيز وآخر، إضافة لإفادتها من بعض تدرجات يسيرة لعدة صبغات تتفاوت في مستويات نصوعها كما أنها تتمايز في قيم الدرجات الخافتة منها، إبان استعمالها خلال مسطحات الرسم وما تشغله من خيول تبدو في صورتها العامة أو قد تظهر كتفصيلات مجتزأة من مكونها الكلي، حيث يتحرك الفنان بحرية وينتقل بتمكن وتمرس باديين خلال التقاطه لوضعيات الخيل وظهورها في ثنايا الأعمال، دون أن يشغل باله كثيراً بضوابط أكاديمية وأسس بات تجاوزها إلحاح منطقي وضرورة واجبة من الضرورات المتعلقة بما يتم إنتاجه من فنون معاصرة، تستطيع أن تقدم وتطرح ذاتها ومضامينها، خلال ما تقترحه هي فقط من نتائج ومحصلات جديدة ترتبط في مجملها بالمقدرة الحقيقية على التجريب والاكتشاف ومن ثم التجاوز، والإقدام على عرض نتاجات فنية لا تنتمي في بنيتها غالباً إلا لخصوصية الفنان وسعيه المتواصل والمحموم نحو تأكيد وجوده وتدشين مشروعه الذاهب بقوة نحو اقتناص الفرادة وإعمالها.
إن علي حسن يضع الخيول في مدارات رؤية المشاهدين متكئاً على حل تشكيلي ماكر يمنحهم ويُتيح لهم فرصاً حقيقية، لاستكمال ما قد تم قطعه من وصل شكلي لبعض رؤوس وأرجل وظهور غابت جميعها في مواربات واجتزاءات تقصَّدها الفنان وتعمد إحداثها، لتظل أقسام من أعماله دائمة الوجود في مخيلات مشاهديها المأخوذة على نحو ما بما تفصح عنه تلك الأعمال من أشكال تُخبر وتُعلن أحياناً عن حاجتها للاكتمال ربما، أو حاجتها لمتابعة الركض خارج أطر وحدود العمل الفني المفروضة من قبل الفنان، لتصير الخيول في أعماله خيولاً متمردة على وضعيات الثبات والارتكان لوضعية أو حالة معينتين أمكن تجاوزهما، عبر هذا الحل التشكيلي الناجز، بما قُدر له من منح الخيول حياة أخرى وامتدادات مخيلاتية تحيا وتتنامى داخل أعين المتأملين وفي أذهانهم وأرواحهم التواقة.
ولعل فكرة التواجد ضمن حيز خارجي تلك - سواء كان حيزاً مفترضاً يرتبط بكنه المشاهد وحاله المتحقق في نطاق ورحابة الأعمال، أو كان حيزاً يتعلق بنوعية الفضاءات المحيطة بالعمل ذاته - هي واحدة من الأفكار المحرضة، التي ساهمت بقدر كبير لدفع الفنان وتحفيزه للقيام بالدمج والمزاوجة في عدد كبير من أعماله بين اللوحات المسطحة وبعض المجسمات، التي تأتي عبر صورتين لا ثالث لهما، فنراها مثلاً في الصورة الأولى وقد ظهرت على هيئة مكعبات ثلاثية الأبعاد تتنوع في أحجامها وهيئاتها الكلية، بينما نراها في صورتها الثانية وقد تشكلت كسياق نحتي خالص يتألف من أحرف وخطوط مجردة تتواشج ضمن بناء تجريدي يحمل سمت الخيول وحدودها الشكلية الخارجية المقتضبة والمتصرف في اختزالها وتجريدها على النحو البادي.

فطنة الاجتزاء
الجدير بالاهتمام هنا في واقع الأمر هو ما فطن إليه حسن من تعامل بصري، مع ما يظهر في متن اللوحة أو حيز الرسم وبين ما يبدو خارجها، فهو كما بينا سالفاً يمضي في عمله مرتكزاً على خواص الاجتزاء الشكلي، ومستفيضاً في منح المشاهد أحقيته الكاملة في إكمال تصوراته، بالاعتماد على ما يرد ضمن حدود الحيز المرسوم، وطبقاً لما يجنيه حين يُطلق لنفسه العنان في تصور ما لا يُرى وما لم يفصح عنه الفنان نفسه في معروضاته المعتمدة والمعتد بتقديمها لجمهور الفن ومتذوقيه على تنوع ثقافاتهم وشخصياتهم الفكرية متفاوتة الوعي والتخصص والإدراك، ولعل هذه الفطنة التي يتصف بها فعل الفنان هنا هي ما تدفعه دفعاً، لمنح مجموعة المجسمات مكعبة الشكل والحاوية لرسوم الخيول على النحو السابق ذكره بعض الأجساد الحروفية كاملة الهيئة أو على الأقل ما يمكن لنا نعتها بالمحاكية لتصورات حسن التجريدية عن الخيل، فنجد رسوم الخيول المجتزأة والموجودة عبر أوجه المكعبات المجسمة قد تُوجت بمجسمات لخيول مؤلفة من بعض أحرف عربية تم التوفيق بينها وبين وحدات أخرى من خطوط ومسارات مجردة من شأنها أن تعمل على إتمام الأشكال التحليلية للخيول، وهي أشكال تحتل مكانها فوق المكعبات المتخمة بفيض من رسوم لخيول تصنع عالمها في دعة، لتبدو على ذلك النحو اشتقاقاً موجزاً عن رسوم غير مكتملة تغطي السطوح والأوجه المتعددة للمكعبات، وهي رسوم تقوم أساساً على استلهام الشكل العضوي وفق طرح بصري يميل إلى التحليل والتجريد، مع إغراق الأشكال المتكونة في لُجة من التعابير والمضامين، التي يُمكن رصدها وتتبعها في سياق الأحداث العربية الراهنة، وما يدور في فلكها من طموحات تسعى للتحرر والانعتاق.
وعلي حسن الذي عُرف طوال الفترة الماضية بمشروعه الفني المتميز والمنتمي لتيار الحروفية التجريدية، إضافة لسعيه الجاد نحو إقامة الكثير من المحاورات البصرية الرصينة الباحثة في طاقات الحرف العربي وقيمه الشكلية وتحولاته المدهشة ضمن المسطح اللوني، وما يكتنفه من معالجات وحلول تشكيلية ترتكز على كثير من التجريب والخبرة في البناء والكيفية والصياغة، لا يغادر ولعه ذاك فيما يقدمه من أعمال جديدة تُعلن عن ذاتها المبتكرة الجامعة بين الشكل والحرف، حد أننا نجد الكتابات والأحرف العربية حاضرة بقوة، لتطبع مساحات عديدة من أجساد الخيول عند الرأس والرقبة والبطن إضافة للظهر، وخلال أوجه المكعبات الشاخصة كذلك تحت أقدام مجموعة المجسمات السوداء اللون المنسوجة هي أيضاً من حروف أو اشتقاقات خطية مأخوذة ومستقاة عن أصول لحروف أو أشباه حروف، مع تصرف وتحوير قادرين على إنتاج أشكال رامزة لخيول صحراء الفنان، التي تُغَيّب ما دونها من أماكن أو معالم مكانية، لتبرز في الخلفيات كسطوح لفضاءات لونية تلوذ بالملمس والنتوءات الخفيفة وتَراكمِ الطبقات اللونية المكونة لما يشبه تأثيرات الريح وكثبان الرمل وتموجاتها اليسيرة التائهة في امتداد الصحراء الذاهبة إلى ما لانهاية الوجود، حيث ينمو السراب هناك، وتتشكل التصورات المباغتة للسائرين في دروب مكسوة بذات اللون ومتطلبة فقط لدراية تامة ومعرفة بطرائق المضي والانتقال من حيز إلى آخر على شاكلة ما يتأتي للأدلة الصحراويين القادرين على خوض التيه والمجهول.

خيول مسطحة
في أعمال حسن تبدو الخيول مسطحة البنية والتكوين، كما تظهر وقد غابت عنها تفاصيلها الدقيقة وبعض ملامحها الذائبة أيضاً في طلاوة التجريد وإقصائه للإطناب الشكلي الأقرب للتزيين والواقعية، مع مبالغة واضحة في نسب الرسم التشريحية المعتمدة في الاشتغال البصري للفنان، خاصة ما يتعلق منها باستطالة الجسد الممتد بشكل رشيق قد يصل أحياناً إلى احتلال مجمل المسافة الواقعة ما بين حدي اللوحة الأيمن والأيسر، في مبالغة شكلية تمتاز بفرادتها وسعيها نحو منح أجساد الخيول سمات بارزة تتعلق بخصوصية عالم الفنان البصري، وهو الذي يميل عبر مشروعه التشكيلي السالف، لفكرة منح الحروف العربية التي يستخدمها كمفردات رئيسية في لوحاته، استطالات وامتدادات تشكيلية تمتاز في مجملها كذلك بالمبالغة والجموح الكبيرين المساهمين بطريقة أو بأخرى في إحداث ما قد ينجم من آثار تنتقل بالتبعية من جوف العمل الفني إلى عين المشاهد بحسب ما يجتهد الفنان في إقامته وتفعيل وجوده.
والخيول تبدو في أعمال حسن على هيئتها تلك متحفزة دوماً للمضي من حيث تقف إلى نحو ما تبتغي الوصول إليه، وهو ما يؤدي بالفنان للتعبير عن تلك الحركة المأمول في حدوثها من خلال إشارات رمزية خفيفة تظهر غالباً وعلى سبيل المثال في ذلك الارتفاع البادي واليسير عن مستوى الأرض لإحدى أقدام الخيل المرسومة، كما تتبدى في ذلك الانثناء الحادث في قدم أخرى لأحد الخيول التي يميل محور جسدها بالكيفية التي تؤشر ضمنياً بالقيام بفعل الركض أو التوثب الحركي المتجه من مقام إلى آخر.
أما التباين الشكلي في حجوم ومعالجات هيئة وصفات وكنه الخيول الواردة ضمن منجز الفنان في معرضه (خيول الصحراء)، فهو أحد السبل التي يتبعها لإضفاء فيض من التنوع البصري على ما تم طرحه من أعمال لاذت في معظمها بصبغات الأبيض والأسود الأكريليكية الملتصقة بسطوح الأخشاب والقماش المعالج، مع ميل يسير لبعض أعمال أخرى محدودة وقليلة العدد تصطبغ بالألوان الترابية، إلى جانب تلون البعض منها بالأحمر الناري، عبر طرح يحمل من الإدهاش والدلالات ما يؤكد على ضرورة متابعة الفنان لملحمته السحرية تلك، بكل ما يجول في محيطها من خيول متوثبة تشبه أصحابها وتقودهم لمصائرهم المبتغاة.