الملحق الثقافي

الجزيرة الحمراء.. بهاء العزلة

زعاب .. بيوت تنشب في ذراع الماء، وتلثم الساحل بقبلات أحر من اللظى وأشف من الموجة، وأخف من جناح الطير .. تذهب هناك فيشاغبك المكان بالحنين، المكين الأمين، وبصدق المؤمنين بعظم الذاكرة، وما تختزنه من رصيد أزمنة كانت ثرية، ووثيرة، وأثيرة. والثرى مثير لمشاعر ومساعر، ومخابر، وخواطر، وأواصر، ومناظر، ومحاجر .. حجر الزاوية جبل الروح هذا البحر المؤدلج، بأنفاس الذين خاضوا وخضوا ورضوا ومضوا وأسهبوا في النداء واستوعبوا وشوشة الموجة وغناء الطير، وهدير المراكب القابضة على التشظي بلهف وتلف وكلف.
زعاب .. الجزيرة الواقفة عند خاصرة التاريخ، وترفع الأسئلة المبجلة وتتلو آيات الوله بقوة الإيمان والتمنان، وتدلف في فضاء الحاضر ببقايا قرطاس ووسواس يكاد يثقب الذاكرة بمسمار التهدج واللواعج المفعمة بالصهيل. لا أحد هنا والمكان يبدو وكأنه قماشة تاريخ أهملها التاريخ.. مكان للوعة فقط، مكان للتأمل في الفضاءات الموحشة، مكان للتأمل في جلباب أحلام أشبه بالأوهام، أقرب إلى رحلة عميقة في وجدان، تحترق فيه غابات الألفة وإلى غير رجعة، مكان أجمل ما فيه أنه لم يزل يكتم أسراره ويخفي أخباره متلفعاً بأسواره القديمة قدم الزمن الجميل.
زعاب .. جزيرة تخيط حرير التاريخ من نسيج الناس الذين طوقوا الحلم، بقلادة الأمل، واستساغوا المثول أمام الواقع بعيون لا تشخص ولا تتربص، واستطاب لهم المقام عند شفة زمن، رضابه يخفي حكاية ووشاية وغاية، الناس هم الذين جاشوا رغبة في النقش على التراب، ثم تولوا وأدبروا، ساروا وساوروا واستداروا محدقين باتجاه فضاءات أوسع تستشرق البحر ولا تحاذي موجاته العارمة، المتورمة، المنقبضة إلى حد الاكتئاب .. لماذا يا ترى تكون الموجة فجّة، واللهجة سمجة، ولماذا ينسلخ المكان من الزمان، وتشيخ الذاكرة المعتبرة، وتهدم الفكرة إلى حد التقاعس؟..

المنازل الأولى
هذه المنازل كواحل مهشمة، وموائل محطمة، وبقايا رائحة تبث عن شبابها الغائب وتغيب في السرد، كأنها الأرواح المغادرة وأشياء أخرى تغط في السبات العميق، تحيق بالوجدان كأنها السيوف الصقال القواطع، كأنها النوازع المحتدمة، كأنها القوارع المتفاقمة، كأنها الفواجع المتلاطمة، كأنها المواجع المؤلمة، كأنها الأسرار عديمة المعنى، غائبة في أتون غموضها .. هذه المنازل تسفر بوضوح عن ملحمة أوضح بكثير من ملحمة جلجامش، وأشد دهشة من إلياذة هوميروس.. هذه المنازل تخاتل وتماطل وتحايل وتجري على الأرض كأنها الفكرة الهاربة من بطش الاستيلاء، هذه المنازل لم تزل تحتفظ بخربشة الصغار على جدرانها وتتساءل هل كبر فعلاً أطفال الأمس..؟
هذه المنازل تقول:
بكــــت دار ومــن ولهٍ يشـــــق قميصـــه الدهـر
وأبـواب مغلقــــــــــة كـــــأن رفيقهـــا نكـــــر

وأخرى، تقول بتفجع:
نقل فؤادك حيث شئت من الهوى
ما الحب إلا للحبيب الأول

ومن أول الدهر إلى آخر السطر، إلى ما بين السفر والسهر تدور رحى أيام، وتمضي الأحلام بأقلام، وأقلام زمنية، عساها أن تفسر المعنى، وتسفر عن لغة تعض على الجملة، وتمسك بذمام الحرف، كي لا تهرب العبارة من طوق العناق الرهيب، يوم كانت الجزيرة، مساحة للوغي والهوى، ويوم حفر زين العابدين الصوفي قبره في أحشاء الأرض، وهاض وفاض وغاض وراض، وحض ومضّ، وفض، واستفاض حتى أنشدت الأرض «المالد» على لسان العاشقين المدنفين شوقاً للفرد الصمد، الواحد الأحد ..
ومن أول الدهر، إلى آخر العمر، إلى ما بين السحر والنحر، كانت الجملة المفيدة الأكيدة السديدة، الرشيدة العتيدة العنيدة، الوطيدة، وكان المريدون من تشوقوا للفيض وابتهالات الصوف المجيد، ونفحات الروح، عندما تتخلى الأرواح من عبث الجسد، والتوق وحبل المسد، وعندما تتوارى القلوب عند نافلة وتلاوة وعندما تحصد النفوس، القدرة الفائقة على التجلي، واستطلاع ما خلف المادة العقيم.
زعاب .. الرحاب والمحراب، والشهاب، وصولة الأحباب في غياهيب الدُجى وتحت اللظى وما بين الذهاب والإياب قلوب اعشوشبت بأوراق الأمل والبوح الجميل.
زعاب اليوم تتدفأ بالأشواق، وتفتح الأحداق باتجاه الآفاق، وتقول للآتين هذا هو الدهر الراق. هذا سديم الوقت، يحثو ترابه في وجوه المستذكرين، ويقول طوبى لزمن أثث الحلم بسجادة الأمل، وانبرى متوهجاً لاعجاً بحنين لا تمحوه السنون. تقول ببراعة العشاق إنني من جنس لا سلالة له غير هذا البحر، من ملحمة تتشرب الأجناس وتزهر الأنفاس وتثمر أشجار اللوز ويعرش الشريش، محتفيا بالأجنحة، متماهياً مع قدرة النجوم على الوميض.
زعاب .. النقطة الغارقة على جبين الأرض، اللقطة الغارقة في الأتون والمتون بجنون ومجون، وإن احترفت الدروب بأثر اللاهثين والعابثين تبقى الجدران المتداعية، واعية بما أجزلت به، حنايا رهبان الأرض، وطيور النورس وما رتلته من قصيد فريد، نضيد، وما جادت به قوارب الطلائع المباركة.
زعاب .. في العزلة، المزلزلة، المجللة، بسكون يحتل ويستل سيوف وحشته، ثم يمضي متمطقاً مهرطقاً متواطئاً مع الأفول الغريب .. تسرد الحكاية بعجالة، ثم تغيب في الوحدة تغيب في التقوقع، وحيدة تشخص البصر، وتطلق الفكر، تمني النفس بالسفر إلى غايات أبعد من مواقع النجوم، وأوسع من مدارات الغيوم، أشد حرقة من النار الضروم، وأقوى من قساوة الزمن الشؤوم.
هي اليوم، لا تحلم فحسب وإنما تعد حلقات الحلم، وتفشي الأسرار، وتفضح عن الأخبار، وتسري كما تسري الدماء في الجسد، بمخيال خصب رطب، يحطب من غابة التاريخ المترعة بالثراء وغنى الحفيظة .. هي اليوم تنعم على القادمين بأريج بهيج، نافذ كعطر النهار، المضمخ بالبهاء.

الجمل وما حمل
زعاب .. هي الجمل وما حمل، وبما تحمل وبما تجمل، هي الجوهر والمحور والأسور، والدّرر، هي المسافة ما بين العنق والنحر، هي السفر في التاريخ وحكايته التي لم تكتمل بفعل الرياح والأشباح، وبعض جراح، وبعض نواح وشيء من صباح غشته غيمة معتمة، واهمة بالمطر..
زعاب.. الجذر والخدر، والفجر والسكر، ونخب الرؤوس والنفوس، هي المدار والجدار، والحوار والأطوار، والمسار، والمنار، هي منبر المصدحين لأجل غد يغسل وجهه برقراق ذاكرة حفلت بالزخم والنعم، وجميل النغم، والبوح الأشم، هي واحة تستريح عند شاطئ ما مل من التغريد، يقرض القصيد بلسان عربي، أمين وينبئ القادمين باشتياقات وحنين وقول رصين، وفعل رزين يقول الله رب العالمين، يا الله كم هي الغربة وحشية، والعزلة فك أضراسه من حديد، وبطشه مشين.
زعاب .. جزيرة تخيم على الكون بظلال المفردات المبجلة، وتفرد شراع الانعتاق بأفانين الحرائر المستبسلة، وتمضي في الهوى عاشقة راسخة شامخة، مرتلة وتسرد الحكاية بلغة مبتهلة، وتقول.. ونقول عن الماضي وعن الحاضر الخجول نقول إنها كانت المكان المكون للكون، وأنها أصل الخيال ومربض الخيّال، وأنها المنال والموال، على الرغم من تغير الألوان، وتبدل الأحوال .. تقول إنها القامة القائمة المستقيمة، في قيامة الناس واستقامة الإحساس، تقول إنها الأساس في صناعة الفكرة وصياغة العبارة، وأنها أول من استنطق الطير وحاور النمل، وساور النحل كيف يبني أسواره من صلب الإرادة، وجَلَدْ العزيمة.
زعاب .. الجزيرة، الفجر المتدثر بقماشة الزمن، القابض على سرده القديم، المتدحرج باتجاه سفوح وصروح، هي العاتية الجاثية على رمل قديمها الحائرة في الأسئلة السائرة في سحيق الجملة، المجلجلة الفائدة في عتمة الإيضاحات المسترسلة المغادرة في خيوط الليل، والظلمة المبتذلة المسربلة بأصفاد الحلم المجاهرة بالحب على الرغم من النجوم الآفلة.
زعاب .. الجزيرة الحب والجب، والخصب والصخب، والحدب، والندب، والحطب، والذهب، والعتب، والغضب، والشجب، والجدب، والجذب، والسحب، والنُجُبُ، والشهب، والكتب، والطرب، والرحب، والركب، والمنكب والنحب، والرَّطب، والرِطب، والعشب، والنخب.
زعاب .. الجزيرة شاهد التاريخ يحدق، ويبحلق، ويحملق، ويصدق في ترتيب الحروف الهجائية للنجوم، ويعشق أن يكون الحبيب الأول والصوت والصيت، والعين المجردة، بلا غبش ولا رعش، عين الحالمين بعودة الطيور إلى أعشاشها لتزهر أوراق السدر، ويزهو البحر، برائحة الخشب، الحادب في أتون الموجة.
زعاب .. الجزيرة المخصبة بفكرة الوجود الأول، والبذرة الأولى في الخلق والخُلُق، وما شاب الأفق من قلق وما سور العنق من أرق وما حدق وتولى وذهب مختالاً لا يتمطى.
زعاب .. الجزيرة تسجل اليوم عدد أيام الغياب في الذهاب والإياب، وتحسب أعداد الذين لونوا التاريخ بلون العرق ورائحة أعشاب البحر، وطيب النوق الأصايل، هي اليوم ترصد بما تحصد من نفرة الحجيج، وما جسده الغياب، من ضباب، ويباب وعتاب، واستلاب، واقتضاب واكتئاب.