الملحق الثقافي

الشعر الذي يهزّ القلب...

شغل أبو الطيب المتنبي بشِعره وحكاياته جميع معاصريه، وحتى الذين جاؤوا بعده بدءاً من عام وصوله إلى سيف الدولة الحمداني حتى اليوم.. لم يبق دارسٌ للشعر العربي على مر العصور إلا وتوقف عند هذا العملاق وقفة تأمل وإعجاب.. حتى أولئك الذين حسدوه وكرهوه وجدوا أنفسهم أمام حقيقة جلية واضحة.. كان أبو الطيب عبقرياً تتلهف الأسماع إلى الاستمتاع بنتاجه الشعري والاهتزاز طرباً لدى كل بيت من أبيات شعره.

كان رثاء المتنبي لأم سيف الدولة ولأخته مثار إعجاب واسع بين الناس.. وتوقع أبو الفضل بن العميد عندما ماتت أخته أن يعزيه أبو الطيب برثائية يتطرق من خلالها إلى مدحه.. ولكن أبو الطيب لم يفعل. فلا مجاملات لديه فيما ينظم من الشعر. الشعر لدى أبي الطيب تسجيل لشعور صادق.. وهو لا يقول إلا ما يشعر به حقيقة.
ودخل بعض أصدقاء أبي الفضل عليه بعد وفاة أخته فوجدوه واجماً.
? مالك واجم يا أبا الفضل؟ أحزين على الفقيدة؟ إنه قضاء الله وقدره.
? ? لست واجماً على موت أختي.. أنا إنسان مؤمن..
? إذن ما الذي جعلك حزيناً وشارد الفكر.
? ? أصارحك القول.. إنني أشعر بالغيظ..
? ممن؟
? ? من أبي الطيب المتنبي.
? لأنه لم يقم برثاء أختك؟
? ? إنه يتكبّر عليّ.. يجدني دون مديحه.. ويجد أختي دون رثائه..
? ما عليك منه يا أبا الفضل.. لقد وصلك كما عرفت نيّف وستون كتاب تعزية ومن مختلف بقاع الأرض.
? ? هذا صحيح.. ولكن.. جميع هذه الكتب التي وردت إليّ.. صُدِّرت بما قاله المتنبي في رثاء أخت سيف الدولة:
طـوى الجزيرةَ حتى جاءني خبرٌ
فزعــتُ فيه بآمـالي إلى الكــذبِ
حتى إذا لم يدعْ لي صدقهُ أملاً
شرقتُ بالدمعِ حتى كاد يشرق بي

خيبة أمل
وإذا كان المتنبي قد ولد في عام 302 هجرية فإنه عندما رحل إلى الشام في عام 321 هجرية كان في الثامنة عشرة من عمره، أما مصر فقد رحل إليها سنة 346 هجرية ومكث فيها أربع سنوات ونصف سنة.. ورحل عنها في عام 350 هجرية.
في مصر ارتبط المتنبي بعلاقة صداقة قوية مع أبي شجاع فاتك الملقب بالمجنون.. وقد كان رومياً وأُسر ورُبِّي في فلسطين ثم اغتصبه كافور الإخشيدي من سيده في الرملة بلا ثمن. والتحق أبو شجاع فاتك بكافور فأقام في الفيوم ومدحه المتنبي بالقصيدة المعروفة التي مطلعها:
لا خَــيلَ عندـَكَ تُهديهــا ولا مالُ
فليسعدِ النطقُ إن لَمْ يسعدِ الحالُ

وفي هذه القصيدة التي يرجع تاريخها إلى عام 348 هجرية تعريض بكافور الذي وعد المتنبي بإعطائه ضيعة أو ولاية ولم يف بوعده؛ لأنه كان خائفاً من المتنبي حين أدرك علو نفسه ولمسَ بُعد أمانيه وعلم ما حفل به ماضيه من حبس وادعاء النبوة.
وجد المتنبي في أبي شجاع فاتك عزاء وسلوى.. وقد أحب أبو شجاع أبا الطيب وأكرمه، ولكن القدر لم يمهله فتوفي أبو شجاع في ذات يوم من عام 350 هجرية.. وعندها فكّر المتنبي في مغادرة مصر والعودة إلى العراق.
بعد شهرين فقط من وفاة صديقه فاتك قام أبو الطيب بالرحيل وبعد أن ألقى في ليلة عيد الأضحى قصيدته الحزينة الثائرة والتي خلدها تاريخ الشعر العربي وكان مطلعها:
عيدٌ بأيّة حـالٍ عُدتَ يا عيدُ لأمْرٍ مضى أم لأمرٍ فيكَ تجـديدُ
أما الأحبّةُ فالبيداءُ دونهمُ فليـتَ دونكَ بيداً دونهـا بيـدُ
وفي الوقت نفسه، قام أبو الطيب بهجاء كافور هجاء خالداً على مر العصور والأجيال..
وصل أبو الطيب بعد رحيله من مصر إلى مسقط رأسه الكوفة، وكانت العراق في ذلك الوقت في أيدي بني بويه حتى أن واحداً منهم، وهو أصغرهم أحمد، استولى على بغداد سنة 334 هجرية فمنحهم الخليفة العباسي المستكفي بالله الولاية على ما بأيديهم وبقي ملك بني بويه على العراق حتى سنة 447 هجرية حين استولى عليه السلاجقة. مكث أبو الطيب في العراق ثلاث سنوات، حيث زار بغداد وخراسان مستقراً في الكوفة. في عام 353 هجرية قام بهجاء ضُبَّة بن يزيد العيني بقصيدة مقذعة في الشتم واستخدام الألفاظ النابية.. وحسب شرح ابن جني، فإن أبا الطيب أنكر نظمه وإنشاده لتلك القصيدة والتي نرى أنها لا تنسجم مع ما عهدناه في أبي الطيب المتنبي من الألفاظ الراقية والمعاني السامية والنبيلة.
ولقد كانت تلك القصيدة سبباً في مصرع الشاعر، حيث خرج عليه فاتك بن جهل الأسدي خال ضُبَّة بن يزيد في أكثر من ثلاثين فارساً مدججين بالسيوف والرماح والنبال، بينما كان مع ابنه محمد وغلمانه في الطريق إلى بغداد.. وعلى بعد ستة عشر فرسخاً منها.. ولقد قاتل الشاعر الشجاع حتى قتل مع ابنه وغلمانه.
ومن استعراض سيرة وحياة أبي الطيب المتنبي، نجد أن قمة الإبداع لديه كانت تلك الفترة التي قضاها مع سيف الدولة الحمداني. ورغم الخطأ الذي ارتكبه برحيله إلى مصر، وترك الأمير سيف الدولة إلا أنه ظل يشعر بالحنين لتلك الأيام، وكان يتمنى العودة إلى جوار صديقه الفارس العظيم سيف الدولة. ولما علم سيف الدولة بخروج أبي الطيب من مصر خالي الوفاض محبط المشاعر بسبب إعراض كافور عنه، وعدم وفائه بعهوده له كاتبه، طالباً منه الرجوع إليه وأرسل له الهدايا الكثيرة والمتعاقبة.
وجدت رسائل سيف الدولة إلى المتنبي طريقها إلى قلبه فأثارت شوقه وحنينه ورد بقصيدته المعروفة:
ما لنا كـلُّنا جـوى يا رسـولُ أنا أهـوى وقلبُـكَ المتبـولُ
وما كاد المتنبي يسمع بخبر وفاة أخت سيف الدولة سنة 352 هجرية حتى فاضت مشاعره بقصيدة عصماء خالدة.. مطلع القصيدة:
يا أختُ خيرَ أخٍ يا بنتُ خيرَ أبٍ كنايةً بهما عَنْ أشرفِ النسبِ

وكان لهذا الرثاء أبلغ الوقع في قلب سيف الدولة، فأرسل له هدية ومالاً وكتاب أمان خطه سيف الدولة بيده، كما أرفق بهذا كله كتاباً يستدعيه للحضور إلى حلب.. وذلك سنة 353 هجرية، فرد المتنبي بقصيدته التي مطلعها:
فهمتُ الكتابَ أبرّ الكتبْ فسمعاَ لأمرِ أمير العَربْ

طموح حدّ الموت
كان واضحاً أن أبا الطيب يشعر بالحنين إلى صديقه الأول والأخير سيف الدولة.. فمعه عاش مجد الدولة الحمدانية.. ومعه أبدع ما جعله ماجداً على مر الأيام والعصور. وبدأ المتنبي يعد العدة للعودة المنتصرة إلى صديق عمره بعد أن جال وصال في مختلف أنحاء الأرض مجرباً وعاملاً على تحقيق طموحه والوصول إلى أعلى ذرى الجاه والغنى. ولكن جرت الرياح بما لم تشتهِ سفن المتنبي.. وقتل لسبب تافه وعلى يد قاطع طريق.. وذلك في يوم الأربعاء الثامن والعشرين من رمضان سنة 354 هجرية.
تزلزلت القلوب وشعر العرب بمدى الخسارة التي مني بها الشعر العربي بوفاة ذلك العملاق.. وأول من رثاه كان الشعراء الذين عاصروه وعرفوه. فهذا أبو الفتح عثمان بن جني في قصيدة يقول في مطلعها:
غاضَ القريضُ وأودت نضرة الأدبِ
وصـوَّحتْ بعـد ريٍّ دوحـةُ الكتبِ

وهذا أبو القاسم المظفر علي الطبسي يقول:
لا رعى الله سربَ هذا الزمانِ
إذ دهانا في مثلِ ذاك اللسانِ
وإذا كنا قد أوجزنا سيرة حياة هذا الشاعر العظيم الذي اقتدى بما قاله امرؤ القيس:
بكى صاحبي لما رأى الدرب دونَهُ
وأيقــنَ أنّا لاحقـانِ بقيصــرا
فقلت له لا تبك عينك إنّما
نحاولُ مُلْكاً أو نموتُ فنعذرا

فإننا نقول: حاول المتنبي وحارب وكافح حياته كلها ليصل إلى المجد في حياته فلم يصل إليه إلا بعد وفاته. ولكن جميع المراجع حتى التي أبدى أصحابها روح البغض للمتنبي اتفقت على أن الرجل كان صادق القول صريحه.. لم يكذب قط.. وكان متعالياً عن شعراء عصره عزوفاً عن مسايرتهم في اللهو والمجون ومعاقرة الخمر.. كما كان عفيفاً طاهراً وأصدق ما حمل هذه الصفة بالتحديد ما قاله هو:
عواذلُ ذاتِ الخــالِ فيَّ حواســدُ
وإنَّ ضـجيجَ الخودِ مِنّي لَمـــاجدُ
يَدُدُّ يداً عن ثوبها وهو قادرٌ
ويعصى الهوى في طيفها وهو راقدُ

وكان المتنبي وفياً لأصدقائه محباً لهم متأسياً لفراقهم، جازعاً لموتهم.. فهو دغم شعوره بالإحباط من صديقه سيف الدولة ورغم هجره له والالتحاق بكافور الإخشيدي في مصر، إلا أنه لم يسئ إليه بكلمة ولم ينكر فضله وهو ينتقل إلى غيره.
والقصيدة التي اخترناها اليوم هي أصدق مثال على عمق محبته لسيف الدولة.. الذي اضطر إلى مفارقته بقلب موجوع لا يوافق على الفراق.. ولكنه مضطر.. قال أبو الطيب هذه القصيدة وهو يبدأ حياته الجديدة في رحاب كافور الإخشيدي في مصر.. ليشرح قبل البدء بمديح كافور حقيقة مشاعره ومدى صعوبة إخراج سيف الدولة صديقه بل وحبيبه من قلبه.. وهي من أشهر قصائد المتنبي:

كفى بكَ داءً أنْ ترَى الموْتَ شافِيَا
وَحَسْبُ المَنَايَا أنْ يكُنّ أمانِيَا
تَمَنّيْتَهَا لمّا تَمَنّيْتَ أنْ تَرَى
صَديقاً فأعْيَا أوْ عَدُواً مُداجِيَا
إذا كنتَ تَرْضَى أنْ تَعيشَ بذِلّةٍ
فَلا تَسْتَعِدّنّ الحُسامَ اليَمَانِيَا
وَلا تَستَطيلَنّ الرّماحَ لِغَارَةٍ
وَلا تَستَجيدَنّ العِتاقَ المَذاكِيَا
فما يَنفَعُ الأُسْدَ الحَياءُ من الطَّوَى
وَلا تُتّقَى حتى تكونَ ضَوَارِيَا
حَبَبْتُكَ قَلْبي قَبلَ حُبّكَ من نأى
وَقد كانَ غَدّاراً فكُنْ أنتَ وَافِيَا
وَأعْلَمُ أنّ البَينَ يُشكيكَ بَعْدَهُ
فَلَسْتَ فُؤادي إنْ رَأيْتُكَ شَاكِيَا
فإنّ دُمُوعَ العَينِ غُدْرٌ بِرَبّهَا
إذا كُنّ إثْرَ الغَادِرِين جَوَارِيَا
إذا الجُودُ لم يُرْزَقْ خَلاصاً من الأذَى
فَلا الحَمدُ مكسوباً وَلا المالُ باقِيَا
وَللنّفْسِ أخْلاقٌ تَدُلّ على الفَتى
أكانَ سَخاءً ما أتَى أمْ تَسَاخِيَا
أقِلَّ اشتِياقاً أيّهَا القَلْبُ رُبّمَا
رَأيْتُكَ تُصْفي الوُدّ من ليسَ صافيَا
خُلِقْتُ ألُوفاً لَوْ رَجعتُ إلى الصّبَا
لَفارَقتُ شَيبي مُوجَعَ القلبِ باكِيَا