رأي الناس

مدينة رفاعة.. الروح والمكان (2 -2)

رفاعة.. هي مدينة السفر المستمر والديمومات العابرة.
فأبناؤها جبلوا على تركها بعد أن أصابتهم بعدواها في القلق والتطلع المستمر لما هو هناك.. كل الأجيال تفارقها لتنشر روحها في الآفاق والبحار.. روحها في الاختلاف ونشر سنة المغايرة.. أبناؤها أعلام في الخارج منسيون فيها. فمن منا لا يعرف الفنان العالمي الذي جعل من الخط العربي فناً يعرض في قاعات المدن الأوروبية ومتاحفها!! من منا لا يعرف الفنان عثمان وقيع الله. أبناؤها يغادرونها وفي نفسهم «حاجات إليها كما هيا».. إنها المدينة التي لا تستقر إلا في الترحال والعبور المستمر نحو الكمال العصي و«هيهات».. أفي رفاعة نحن نتجول أم في الإنسان؟
أفي الخضرة والماء أم في العينين اللتين تريان كل ذلك وتستشعرانه!! وهذا هو مربط الفلسفة.. ادخلها بقلبي، فيستقبلني الجميع بابتساماتهم الصافية، ابتسامات تستشعر منها بيض أقمارهم وليالي سمرهم وأحزانهم السرية.. أو أنسهم ويؤانسونني «محيي الدين بساطي وأستاذ الزبير ومليجي وعمر الريح» والقائمة أطول. وعلى مرأى نظرتين منا يمكث المبنى الجديد للمركز الثقافي الفرنسي.. هكذا يشتبك التاريخان «التأريخ الآني» و«التاريخ الطويل»، وفقاً لجاك كوكتور الفيلسوف الفرنسي.
تاريخ الأنفاس العابرة والأنفاس الخاطرة وتاريخ الأمم والمدن الطويل الذي تصوغه تلك الثواني العابرة.. والحبيبة ترمقنا، تظن أن الحديث شغلنا عنها.. وهي لو أنها تدري مقصد ذلك الحديث ونواياه.. مقصد لفهمها واستكناه معناها. تدوي النوبة في ساحتها الشعبية العتيقة، مستبشرة بقدوم المصطفى إلى الحياة الدنيا هادياً ومبشراً داعياً للطيبة والحسن والطيب الحسن للطيب الحسن.
تعلو التراتيل المتحرقة والمتشوقة في معبد العشق الإلهي، فتلبس رفاعة حلتها الخضراء المرقعة وتحمل إبريقها وعكازها هائمة في الفيافي قاصدة إهمال الجسد ونسيانه لأجل الحضور الإلهي وعرفانة إنها رفاعة.. بلدة للإيابات المستمرة والترحالات التي لا تهدأ.
الطيب عبد السلام