تقارير

أمهر الأفارقة.. إلى أميركا!

قال الرئيس الأميركي يوم الخميس مستنكراً، إن الولايات المتحدة لا تستقبل عدداً كافياً من المهاجرين من النرويج، وتستقبل أعداداً أكبر مما ينبغي من هايتي والسلفادور وأفريقيا. وقد أثار كلامه رد فعل عاطفياً قوياً، لكنني أودّ أن أتوقف هنا وقفة هادئة لرؤية ما تخبرنا به المعطيات في الواقع مع التركيز على أفريقيا والنرويج.
من الحقائق المذهلة التي يجهلها كثيرون، بمن فيهم المدافعون عن الهجرة، المستوى التعليمي العالي للأفارقة القادمين إلى أميركا. ذلك أن 47.7? من الفئة العمرية 25 عاماً فأكثر الذين وُلدوا في أفريقيا ويعيشون في أميركا لديهم البكالوريوس أو شهادة أعلى، وفق بيانات 2009. وبالمقابل، تبلغ نسبة الأميركيين المولودين في الولايات المتحدة الذين لديهم البكالوريوس أو أكثر 28.1? فقط، بينما تبلغ نسبة الكبار المولودين في الخارج بشكل عام ممن لديهم شهادة جامعية 26.8?، وكلاهما دون المعدل الأفريقي.
ماذا عن شهادات التعليم الثانوي؟ نحو ثلث المهاجرين بشكل عام يفتقرون إلى هذا المؤهل. وبالمقابل، فإن 11.7? من المهاجرين المولودين في أفريقيا ليس لديهم شهادة التعليم الثانوي، وهو رقم قريب من معدل الأميركيين المولودين في الولايات المتحدة: 11.4?. وهذا يعني أننا نحن الأميركيين يمكننا استقبال عدد أكبر من المهاجرين الأفارقة بما يعود على الجانبين بالفائدة. وفضلاً عن ذلك، وانطلاقاً من تجربتي الشخصية الخاصة، أودّ أن ألفت أيضاً إلى أن أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى هي المنطقة التي ألقى فيها أقل المشاعر معاداة لأميركا، وهو ما ينسجم بشكل عام مع أرقام استطلاعات الرأي.
«إنهم لا يرسلون إلينا أفضل الأشخاص»، ادعاء ٌأسمعه من ترامب في خطاباته ومؤتمراته الصحافية، والحال أن ذلك مخالف للحقيقة في ما يتعلق بأفريقيا.
لكن ماذا عن النرويجيين؟ خلال عصر الهجرة الجماعية في أميركا بدءاً من أواخر القرن التاسع عشر، استقبلت أميركا الكثير من النرويجيين. كان هؤلاء ينحدرون في معظمهم من خلفيات منخفضة المهارات، وكانت لديهم مشاكل في الاندماج، وقد عاد نحو 70? منهم إلى بلدهم الأصلي. وإذا قارنا بين المجموعات المهاجرة الكبرى الـ16 خلال تلك الفترة التي لدينا معطيات عنها، فإن النرويجيين والبرتغاليين كانوا الأسوأ من حيث الفروق في الأجور.
والواقع أنني أعتقد أن هذه التجربة مع الهجرة النرويجية كانت ناجحة عموما، إذ يملك الأميركيون النرويجيون اليوم معدلات دخل تفوق المتوسط، كما أنهم مندمجون في المجتمع بشكل جيد جدا. لكن هذه القصة تنطوي على بعض الدروس، إذ تشير إلى أن المجموعات التي قد يعتقد المرء أنها ستنجح بشكل فوري كثيراً ما تواجه صعوبات كبيرة. وتُظهر الرواية الشهيرة «عمالقة في الأرض»، التي ألفها الروائي النرويجي الأميركي «أولي إدفارت رولفاغ» في عشرينيات القرن الماضي، حول الهجرة النرويجية الولايات المتحدة في سبعينيات القرن التاسع عشر، أن العملية كانت تنطوي على قلق وتوتر كبيرين وأن الهجرة كانت تمثل مشكلة حقيقية.
بيد أنه سيكون من الخطأ تأمل هذه المقارنات واستنتاج أن الأفارقة هم أكثر تفوقاً بشكل ما على النرويجيين. والواقع أن ثمة نوعاً من النظريات الاقتصادية البسيطة هنا. ذلك أنه كلما صعب الانتقال من بلد إلى آخر، كلما اختارت عملية الهجرة أشخاصاً يتميزون بالطموح وسعة الحيلة.
عالم الاقتصاد «إدوارد لازير» يقترح تجربة بسيطة في هذا الصدد: لنتأمل مهاجرين إلى الولايات المتحدة من أحد البلدان الأفريقية وإسرائيل واليابان، ولنرتّبهم من أكثرهم تعلماً إلى أقلهم تعلماً. الجواب الصحيح: البلد الأفريقي، فإسرائيل، ثم اليابان. قد يكون هذا مخالفاً لما قد يذهب إليه تخمين المرء في الوهلة الأولى، إلا أنه من السهل فهم تفسير ذلك؛ إذ أنك إذا كنت أفريقياً ومتعلماً، أو تتطلع إلى أن تكون متعلماً، فإن فرصك في بلدك الأفريقي ضئيلة نسبياً، في حين أن شخصاً متعلماً وموهوبا في اليابان أو إسرائيل يستطيع أن يكون بحال جيدة أيضاً إنْ بقي في بلده. هذا النوع من الاعتبارات يفسّر نحو 73? من التنوع في النتائج التعليمية للمهاجرين.
وبعبارة أخرى، فإن ترامب لم يكن مهيناً للأفارقة (وغيرهم) فحسب، وإنما كان مخطئاً كذلك.

*أستاذ العلوم الاقتصادية بجامعة جورج مايسون في فرجينيا
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»