تقارير

«كيم يونج أون»... والخطاب غير التقليدي

دونالد كيرك
لندن


أبدى زعيم كوريا الشمالية، كيم يونج أون، رغبته في تحسين العلاقات مع كوريا الجنوبية وذلك خلال كلمته بمناسبة السنة الجديدة التي اعتبرها المسؤولون في الجنوب محاولة غير كافية للظهور بمظهر المتصالح.
فبعد يوم على خطاب الزعيم الشمالي الذي أكد فيه الحاجة إلى تسوية الخلاف بين بلاده والجنوب، رد وزير الخارجية في سيؤول، كيم سونج-هوان، يوم الأربعاء الماضي بتوجيه دعوة إلى كوريا الشمالية بالتحلي بـ«الحكمة واتخاذ القرارات الصائبة» والتنسيق مع الدول المجاورة.
لكن مع ذلك، يبقى خطاب «كيم» مثيراً للانتباه بالنظر إلى غياب نبرة الاتهام التي كانت تطغى على لغة كوريا الشمالية في وصف جارتها الجنوبية، هذا بالإضافة إلى المرة الأولى التي يلقي فيها «كيم» خطاباً علنياً أمام الملأ، هذا ويكتسي الخطاب الذي بثه التلفزيون والإذاعة الرسميين، أهمية بالنظر إلى أن والد «كيم يونج أون»، الذي توفي في ديسمبر عام 2011 لم يلقِ أبداً خطاباً بمناسبة حلول السنة الميلادية الجديدة، كما أن جده، «الزعيم العظيم»، مثلما يسمى في كوريا الشمالية، ألقى خطابه الأخير قبل وفاته بمناسبة السنة الجديدة في عام 1994.
وفي تحليل مضامين الخطاب فوجئ المراقبون بالنبرة المعتدلة والتصالحية التي حملتها كلمات «كيم يونج أون» وإلقائه الخطاب بنفسه بدل كتابته وبثه عبر وكالة الأنباء الرسمية، كما أن اللافت هو خروج الكلمة عن سياق التصعيد بين الطرفين الذي طغى على الساحة في الفترة الأخيرة.
وعن هذا الموضوع، يقول «مارك فيتزباتريك»، مدير برنامج نزع السلاح النووي في المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية بلندن: «كانت لغة الخطاب معتدلة وتجنبت أسلوب الدعاية الفجة السائد في كوريا الشمالية».
ودعا «كيم» في خطابه الذي ركز فيه أيضاً على القضايا الاقتصادية ما سماه بـ«القوى المناهضة للوحدة» في الجنوب «بالتخلي عن سياستها العدائية ضد مواطنيها، والسعي إلى تحقيق المصالحة الوطنية والوحدة».
وفيما تشكل تلك العبارات ثوابت راسخة في السياسة الكورية الشمالية تكاد تتكرر في جميع المناسبات، إلا أنها هذه المرة خلت من أي إشارة إلى الرئيس المنتهية ولايته، «لي ميونج باك»، أو الرئيسة الجديدة، بارك جون-هاي، وكانت كوريا الشمالية دائمة الانتقاد للرئيس «لي» بلغة لاذعة، بالإضافة إلى الهجوم على خلفه لمطالبتهم بتخلي بيونج يانج عن برنامجها النووي كشرط لاستئناف المساعدات الإنسانية، لا سيما الغذاء والأسمدة التي كان يرسلها الجنوب خلال عقود ما كان يعرف بسياسة الشمس المشرقة بين عامي 1998 و2008.
وألمح «كيم يوج أون» إلى ضرورة العودة إلى تلك الفترة من خلال إشارته في الخطاب إلى التفاهمات المشتركة الموقعة بين رؤساء كوريا الجنوبية خلال القمم التي جمعتهم مع «كيم يونج إيل» في بيونج يانج بين يونيو عام 2000 وأكتوبر عام 2007.
ويُذكر أن رئيس كوريا الجنوبية الراحل «كيم داي-جونج» انتهج سياسة الشمس المشرقة عندما كان رئيساً بين عامي 1998 و2003، ليأتي بعده روه مو-هيون، الذي واصل السياسة نفسها من عام 2003 وحتى عام 2008، إلى أن جاء الرئيس المحافظ «لي» الذي قطع مع تلك السياسة عقب انتصاره الساحق على أحد منافسيه الليبراليين.
ويبدو أن خطاب «كيم يونج أون»، ربما يعكس رغبة كوريا الشمالية في الاستفادة مجدداً من المساعدات الجنوبية واستعدادها لتقديم تنازلات في سبيل ذلك مثل تجنب اللغة القاسية ضد الجنوب وسحب التهديدات بالهجوم على مصالح الجنوب في البحر الأصفر الذي شهد في السابق حوادث مؤسفة، بالإضافة إلى المناوشات العسكرية في المنطقة منزوعة السلاح، التي تفصل الكوريتين منذ التوقيع على اتفاق الهدنة في عام 1953.
لكن رغم هذه اللغة المهادنة لم يبدُ على مسؤولي كوريا الجنوبية التجاوب الفوري، حيث وصف وزير الوحدة في الجنوب، «يو وو-إيك» الخطاب بأنه «باهت ولا ينطوي على مقترحات ملموسة»، كما أن «فيتزباتريك» حذر من التعامل مع كلمة الزعيم الشمالي على أنها تحول في سياسة كوريا الشمالية، قائلاً: «لا أقرأ خطاب «كيم» على أنه غصن زيتون، بل اعتبره رغبة القائد الشاب في الظهور بمظهر رجل الدولة وهو يدشن عامه الثاني في السلطة».
ومن المتوقع أن تتوتر لغة الخطاب بين البلدين بعد تولي كوريا الجنوبية خلال الشهر الجاري مقعدها المؤقت في مجلس الأمن الدولي كدولة غير عضو على امتداد السنتين المقبلتين، حيث دعت سيؤول إلى تشديد العقوبات ضد الشمال لعقابه على إطلاق صاروخ بعيد المدى في الشهر الماضي ووضع قمراً صناعياً في المدار حول الأرض، وكان مجلس الأمن قد فرض عقوبات سابقة على بيونج يانج بسبب التجربة النووية التي أجرتها تحت الأرض في مايو عام 2009، إلا أن الشمال واصل مع ذلك استفادته من المساعدات الغذائية والوقود من الصين.
ويحذر «فيتزباتريك» من أن سياسة العقوبات المستمرة قد تأتي بنتائج عكسية، مشيراً إلى احتمال إقدام الشمال على تجربة نووية ثالثة بعد استكمال الاستعدادات في هذا الاتجاه، لكن مع ذلك يرى الخبير الدولي بمجال نزع السلاح النووي أن خطاب «كيم يونج أون» يندرج في إطار رغبته في لجم قوة المؤسسة العسكرية، قائلا «لقد تحدث الزعيم في خطابه ثلاث مرات عن ضرورة الالتفاف حول حزب العمال، وهو ما ينسجم مع الحاجة إلى إقامة التوازن الدقيق بين أجنحة السلطة في كوريا الشمالية، والمقصود المضمر في الكلمة هو ضرورة الائتمار بأوامر الحزب».

ينشر بترتيب خاص مع خدمة
«كريستيان ساينس مونيتور»