دنيا

توريث الحرف التقليدية ضرورة وطنية

مريم النقبي حرفية في صبغ الملابس بالأعشاب (تصوير حسام الباز)

مريم النقبي حرفية في صبغ الملابس بالأعشاب (تصوير حسام الباز)

أحمد النجار (الشارقة)

تواجه الحرف التقليدية خطر الاندثار نتيجة تحديات جمة يعيشها الحرفيون، خاصة النساء اللواتي، يوصفن بأنهن «حاميات التراث» بالنظر إلى جهودهن في المحافظة على المهن القديمة، وتكبد عناء مزاولتها، أمام إغراءات العصر الراهن، حيث يثابرن بجد وتحدٍ، ويبدعن بصمت، وينجزن بحب وشغف، انطلاقاً من ارتباطهن العميق بماضيهن العريق.

الشاهد الأخير
وأكدت نورة نصيب، مسؤولة مركز الصناعات التراثية والحرفية في الاتحاد النسائي بأبوظبي، أنه رغم الدعم المعنوي والتمويل الكريم، الذي يحتضن حرفييها كونهم الشاهد الأخير على بقائها، والمبادرات التي تستهدف تعزيز إنتاجهم التراثي واستثمار حضورهم كمراجع بحثية ورواة في مناسبات وطنية ومهرجانات محلية وخارجية، إلا إن ذلك «لم يعد كافياً».
وأشارت في حديثها لـ «الاتحاد» خلال مشاركتها ضمن جناح الحرف، في أيام الشارقة التراثية الـ16، إلى تحديات تحول دون استمرارهن، وأبرزها غياب كوادر حرفية جديدة يمكن التعويل عليها وتوريثها، كذلك ضعف الإقبال على تعلمها، وعدم وجود مردود مادي مجزٍ مقابل المنتج التراثي المحلي، والذي يستغرق أسابيع لإنجاز قطعة واحدة منه، كما أنهن يتجشمن عناء التركيز وضعف البصر وإرهاق البدن والذهن في سبيل إحياء الحرفة.
وعن هموم الحرفيات بصفتها المسؤولة المباشرة على عملهن، قالت نورة إنهن يشكين بأن الحرف التي تعلمنها وورثنها من الأجداد، لا تجد فتيات يبدين استعدادهن لمزاولتها، وتصديرها إلى أجيال مقبلة، مشيرة إلى أنهن قد كبرن في السنّ، وبعضهن تجاوزت الـ 60 عاماً، مع ذلك لا يزال الكبرياء يسكنهن، وتحدي العطاء يشغل بالهن. وتساءلت نورة «ماذا سنقدم للجيل الصاعد بعد حاميات التراث؟ لاسيما أن بعضهن قد تقاعد لتقدمهن بالسن، أو إصابتهن بالعجز لأسباب صحية».

مشاريع استثمارية
وأكد باحثون ومهتمون بالتراث ضرورة دعم المنتجات التراثية وإيجاد سوق لها وتذليل الفرص أمام التصدير للخارج، وقال سويد البادي إن البداية تكمن بتشجيع الشباب على فتح مشاريع للاستثمار بالحرف الشعبية والمنتج التراثي المحلي، واستغلال حاميات التراث في تعليم الفتيات اللواتي لم يكملن دراستهن أو العاطلات عن العمل، وتوزيعهن على مراكز متخصصة لتعليم الحرف، ودعمهن للاستثمار والمواصلة وتحفيزهن بالتسهيلات اللازمة، وتمكينهن بتحقيق الإنجاز والإنتاج من منازلهن، واستغلال وسائل التواصل الاجتماعي لتسويق منتجاتهن، شرط أن يصاحب ذلك توفير سوق لبيعها للمؤسسات.
وتحرص حرفيات إماراتيات على المشاركة في فعاليات أيام الشارقة التراثية، ومنهن أم راشد، المتخصصة في حرفة «السقا»، والتي اقترحت تكاتف المؤسسات الحكومية والخاصة وأفراد المجتمع لدعم التراث من خلال إنشاء مراكز تدريب للحرف الشعبية والمشغولات اليدوية، وتشجيع الأهالي على إيفاد أبنائهم لتعلم التراث مع توفير المغريات، داعية إلى جعل تعلم الحرف واجبا وطنيا ضمن ساعات التطوع المعتمدة لطلبة المدارس والجامعات، حيث يمكن الاستفادة من أوقات الفراغ في تعلم حرفة تفيدهم وتعود بالنفع على أسرهم ومحيطهم الاجتماعي، كما يمكن فرض ساعات تطوع لحماية التراث واكتساب المهن والتي بدورها ستنعكس على انتعاش الاقتصاد المحلي خاصة مع فتح قنوات لتصدير المنتج التراثي، وصولاً إلى إيجاد تخصصات جديدة في الجامعات لإدخال تعلم المهن والحرف الشعبية ضمن المناهج التعليمية.

مظلة حاضنة
فاطمة راشد (56 سنة)، متخصصة في صناعة «السقا»، وتعمل به منذ كان عمرها 11 عاماً، و»السقا»، بحسبها، عبارة عن سلخ جلد الغنم بعد ذبحه، وإضافة الملح وتركه أسبوعا، بعده يتم نزع الشعر، وغسله وتجفيفه في الشمس 20 يوماً. وقالت فاطمة إن حماية التراث مهمة وطنية نبيلة، ورأت أن الحرف الشعبية، لا تزال حاضرة في المجتمع من خلال المناسبات التراثية، بفضل دعم المؤسسات الثقافية، ولكن المشكلة تكمن في عدم وجود سوق للمنتجات، أو مشاريع إنتاجية خاصة تحتضن الحرفيين تحت مظلتها، ليتشجع الشباب على مزاولتها وجعلها مصدر دخل مجز لهم.
وذكرت مريم أحمد النقبي، المتخصصة في صبغ الملابس بوساطة الأعشاب المطحونة، إن مهنة صبغ الملابس لم تعد رائجة في ظل معطيات العصر الحالي، لكنها تبقى شاهدة على زمن الأجداد وطريقة حياتهم وبساطتهم. واعتبرت أن ضرورة توريث الحرفة للجيل الجديد لا تكمن في جعلها مصدر رزق، بل في تعريفه إلى ثقافته وتاريخه.
من جهته، أكد الدكتور عبدالعزيز المسلم، مدير معهد الشارقة للتراث، أهمية دعم الحرفيين المحليين، بصفتهم حماة التراث المحلي، مشيراً إلى أنهم جزء من رسالة مهرجان أيام الشارقة التراثية إلى الزوار المحليين والعالم، إلى جانب المبادرات التي ينظمها المعهد، حيث يضع دائماً نصب عينيه الاهتمام بالتراث الشفاهي ودعم الحرفيين كونهم سراج الماضي الذي يضيء للأجيال طريق الحاضر والمستقبل. ولفت إلى أن من أبرز المبادرات التي أطلقها المعهد ضمن الدورة السادسة عشرة، جناح «أي تراث»، الذي يعرض التراث بتقنيات متطورة، مؤكدا أن التراث الشعبي ثروة كبيرة من الآداب والقيم والعادات والتقاليد والمعارف الشعبية والثقافة المادية والفنون التشكيلية والموسيقية، وهو علم يدرس في كثير من الجامعات والمعاهد الأجنبية والعربية.

سفيرات من نوع خاص
قالت فاطمة عبدالصمد، التي تعمل منذ 20 عاماً في حرفة «تيزيع الملابس»، وتركيب التلي على الثياب: «أتمنى تعليم الجيل الجديد من بنات الإمارات هذه المهنة، حيث لا يستغرق تعليمها سوى بضعة أيام»، مضيفة: «كانت لي تجارب كثيرة في تعليم طلاب المدارس، وبعض المهتمات واستطعت خلال ذلك توريث الحرفة لأكثر من 6 سيدات»، من دون أن يفوتها التأكيد على نجاحهن في تصدير الحرف الشعبية والتعريف بالمنتجات التراثية المحلية، لتنتزع مع زميلاتها لقب «سفيرات الحرف الشعبية» وحاملات التراث المحلي إلى العالم، عبر المهرجانات التي يشاركن فيها حول العالم.

حصص تراث
شاركت حامية حرفة «سبوق الطير» نادية الشامسي مع زميلاتها في فعاليات «إكسبو ميلانو»، ومهرجان «طان طان» المغربي ومهرجان الجنادرية بالسعودية.
وتقول: «سبق الطير عبارة عن خيوط توضع على قدم الطير مثل الصقور، لكي لا يهرب». وشددت نادية على ضرورة إدخال تعليم الحرف إلى المناهج المدرسية، آملة أن يتم إيفادها للمدارس لتعليم الحاميات الجدد وإدراج حصص متخصصة من الحرف في المناهج.

مراجع حية
قال خالد جميع، الباحث في التراث، وصاحب مبادرة لجمع وتدوين التراث في كتاب بعنوان «القواقع والأصداف في الموروث الشعبي الإماراتي»، إن المهرجانات التراثية، فرصة ثمينة للقاء الرواة من كبار السن والحرفيين لتزويده بالمعلومات والتفاصيل والمسميات، بصفتهم حماة التراث وحاملين راية الموروث الشفاهي، مشيراً إلى ضرورة احتوائهم ضمن مراكز تراثية ليكونوا مراجع حية لاستقاء موضوعات تراثية، وتدوينها في الكتب وأدوات التعبير المختلفة، لتبقى محفوظة في المكتبات للأجيال المقبلة.

حرفة «السدو»
تعمل خديجة عبيد في حرفة «السدو» منذ 20 عاماً، مؤكدة أنها لا تعدها مصدر رزق، بل مهمة من شأنها الحفاظ على التراث المحلي، حيث تسافر لتمثيل الدولة في مناسبات وفعاليات ومهرجانات في الثقافة والفنون والتراث تقام في دول مثل ألمانيا وفرنسا والمغرب وأوزبكستان. وأكدت خديجة أهمية توريث الحرف الشعبية للجيل الجديد، مؤكدة استعدادها التام لتدريب الراغبين خاصة الشغوفين بها، حيث يمكنهم إتقان حرفة صناعة «السدو» في عشرة أيام فقط.