الإمارات

الخليج العربي أكثر من مجرد جسم مائي... نظام معيشة نحتاج إلى الحفاظ عليه

يعتبر الخليج العربي بالنسبة لسكان أبوظبي أكثر من مجرد جسم مائي. فمع شريط ساحلي يبلغ طوله نحو 700 كم يغمره البحر، يستحضر الخليج العربي تاريخاً من المشقة والأمل، حيث كان صيد الأسماك واللؤلؤ المصدر الرئيسي للدخل وتحصيل الرزق من التجارة القديمة، وتبادل البضائع بين الشرق والغرب، بالإضافة إلى مكانته البيئية المهمة.
يعد الخليج العربي في الوقت الراهن أكثر انشغالاً من أي وقت مضى. فالحركة البحرية بازدهار مستمر. في عام 2014، استقبلت إمارة أبوظبي نحو 35.000 سفينة تجارية وما يقرب من 100 سفينة سياحية. كما أن 20 في المئة من تجارة النفط المتداولة في جميع أنحاء العالم تمر عبر ناقلات النفط من مضيق هرمز. وعلاوة على ذلك، تسعى أبوظبي لتصبح مركزاً إقليمياً «للرحلات البحرية الحلال». وتعمل هيئة أبوظبي للسياحة والثقافة على مبادرات جديدة لتشجيع خطوط الرحلات البحرية لتلبية احتياجات المسافرين المسلمين، وتتوقع أن يتجاوز معدل النمو السنوي أكثر من عشرة في المئة. ومن أجل استيعاب حركة المرور البحرية الحالية والمستقبلية، تقوم شركة موانئ أبوظبي بتعميق وإنشاء قنوات وبناء موانئ جديدة.
وفي حين أن الشحن وأعمال الجرف هما عنصران أساسيان في التنمية الاقتصادية في أبوظبي، ولكن بالتأكيد لهما تأثير بيئي. قد تقوم السفن بتفريغ المياه العادمة والزيوت والشحوم وزيوت وقود السفن والمواد الكيماوية المستخدمة لطلاء السفن (والتي تمنع الكائنات البحرية كالطحالب والرخويات من التصاق بهياكل السفن)، ومياه التوازن (التي توفر عامل التوازن والمناورة للسفن) في المياه البحرية. وهذه التصريفات ليست المصدر الوحيد للتلوث الذي يؤثر على نوعية المياه البحرية، بل هناك أيضاً الأنواع الدخيلة التي تدخل مع السفن من خلال تصريف مياه التوازن في المياه البحرية والتي قد تصبح أنواعاً غازية ومنافسة للأنواع المحلية الطبيعية على الموئل والغذاء وتسبب له التزاحم في بيئاته الطبيعية، الأمر الذي يؤدي إلى تناقص أعدادها. وتضع أعمال الجرف ضغوطاً إضافية على نوعية المياه البحرية. ويمكن لعمليات الحفر أن تقلل من درجة نقاوة المياه عن طريق تحريك الرواسب من القاع. وإذا استمر تعكر صفو المياه لعدة أشهر، فإنه يمكن أن يتسبب بنفوق الأعشاب البحرية والشعاب المرجانية التي تحتاج إلى ضوء الشمس لتنمو وتزدهر.
وللحد من الضغوط على مياهنا البحرية، نحتاج إلى زيادة الوعي بالمشاكل المرتبطة بالشحن وأعمال الجرف وتنفيذ اللوائح التي تتماشى مع الاتفاقية الدولية لمراقبة وإدارة مياه التوازن ورواسب السفن، والتي صادقت عليها دولة الإمارات العربية المتحدة في يونيو 2017، ودخلت حيز التنفيذ في سبتمبر 2017.
كما تأثرت نوعية المياه البحرية في أبوظبي بالنمو السكاني السريع. فزيادة عدد السكان يعني المزيد من الطلب على الغذاء والطاقة والمياه. وتعتمد أبوظبي على محطات التحلية لإنتاج المياه العذبة. ولدى الإمارة سبع محطات رئيسية لتحلية المياه تنتج نحو 3.2 مليار لتر من المياه يومياً. ويؤثر التصريف من هذه المحطات على مستوى الملوحة في مياه البحر ودرجة حرارتها مما يؤثر بشكل سلبي على الحياة البحرية.
كما تؤدي الزيادة السكانية إلى زيادة مياه الصرف الصحي المعالجة من المناطق السكنية والصناعية التي يتم تصريفها في مياه الخليج العربي مما يزيد من تركيز المغذيات في مياه البحر، وتتسبب بظاهرة الإثراء الغذائي. ويمكن أن يؤدي الإثراء الغذائي إلى ازدهار الطحالب الضارة، وبالتالي انخفاض تركيز الأكسجين المذاب في المياه ونفوق الكائنات البحرية. كما يمكن أن يؤثر ازدهار الطحالب الضارة على أنشطة تحلية المياه، حيث إن الطحالب يمكن أن تسد أنابيب السحب والمرشحات الغشائية لمحطات تحلية المياه. وتعتبر نوعية المياه البحرية في أبوظبي جيدة وآمنة للاستخدام العام، بما في ذلك السباحة، حيث لا يشكل الإثراء الغذائي خطراً صحياً مباشراً على مستخدمي المياه للأغراض الترفيهية ولا يوجد تلوث بكتيري يمكن أن يشكل خطراً على الصحة العامة.ويعتبر ضمان جودة المياه البحرية والتأكد من سلامتها للإنسان والنبات الحيوان، واحدة من الأولويات الرئيسية لهيئة البيئة - أبوظبي.في عام 2006، بدأت الهيئة في تنفيذ برنامج لمراقبة جودة المياه البحرية من خلال شبكة من محطات الرصد نقوم من خلالها بجمع العينات وقياس معايير محددة للتأكد من جودة المياه وتحليل مستوى المغذيات، والعناصر العضوية، والميكروبات، والمعادن الثقيلة في مياه البحر. كما طورنا نظاماً آلياً للإنذار المبكر يساعد على التنبؤ بحالات تكاثر الطحالب الضار. ويعتمد النظام على عوامات آلية مزودة بأجهزة استشعار تجمع بيانات متعلقة بخصائص المياه المحيطة بها في كل ساعة على مدار الأسبوع، ويتم تقييم هذه البيانات من قبل موظفينا لضمان جودة المياه البحرية. ونحن نستخدم هذه المعلومات لوضع وإنفاذ سياسات ولوائح للتخفيف من آثار الأنشطة البشرية على البيئة البحرية لحماية الصحة العامة والتنوع البيولوجي والاقتصاد.
كما تلعب الهيئة دوراً مهماً في تنظيم ومراقبة القطاع الصناعي للحد من تلوث المياه البحرية، نظراً لأن تصريف النفايات السائلة من المنشآت الصناعية يعتبر من المصادر الرئيسية للمغذيات والرواسب والمعادن الثقيلة والملوثات الأخرى التي يتم تصريفها في المياه البحرية. ويتم هذا التحكم بإصدار تصاريح بيئية للمرافق والمشاريع الصناعية. كما نقدم توصيات بشأن إجراءات الحد من الآثار البيئية. ولا ينتهي دورنا عند هذا الحد، بل يمتد إلى مرحلتي الإنشاء والتشغيل، حيث تراجع الهيئة تقارير المتابعة ربع السنوية للمنشآت والمشاريع ذات الصلة المسموح بها وتفتيش المرافق لضمان امتثالها لشروط التصريح البيئي.
وفي عام 2012، أنشئت «اللجنة العليا لتحسين جودة المياه البحرية» برئاسة معالي محمد أحمد البواردي، العضو المنتدب في الهيئة، وتضم القيادات العليا من كافة الجهات الحكومية في أبوظبي. ويتمثل دور اللجنة في متابعة تنفيذ جميع المشاريع والمبادرات في الخطة التنفيذية لتحسين نوعية المياه البحرية، وضمان التنسيق بين الجهات المعنية للتصدي للتحديات ووضع الحلول المناسبة لحماية الصحة العامة والبيئة البحرية.
وتقوم اللجنة العليا بوضع والإشراف على تصميم وتنفيذ المبادرات والمشاريع المشتركة بين الجهات الحكومية المعنية لحماية نوعية المياه البحرية. وقد تم الانتهاء من تنفيذ 37 مشروعاً في حين يجرى العمل على تنفيذ 26 مشروعاً آخر.وقال صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة : «إن المياه تشكل أهمية كبرى تفوق أهمية النفط». وهذا يشمل المياه البحرية في بلد كان الماضي والحاضر والمستقبل مرتبطاً ارتباطاً وثيقاً بالخليج العربي، وهو نظام حي نحتاج إلى الحفاظ عليه».

* أمين عام هيئة البيئة – أبوظبي