أخبار اليمن

ميليشيا الحوثي تُجيش الأطفال قسراً من المحافظات الأشد فقراً

رعد الريمي (عدن)

ثلاثة أعوام من الحرب لم يعايش أطفال محافظتي حجة والمحويت أهوالها فحسب، بل أُجبر كثير منهم على حمل السلاح مثل الكبار، وزج بهم الحوثيون إلى محارق الحرب في حين صار الأهالي يخشون على أبنائهم من الوقوع في شباك الموت الحوثية.
ولا تكاد تخلو قرية في محافظتي حجة والمحويت إلا وفيها طفل قتيل سقط أو جريح أصيب خلال المعارك المشتعلة في الجبهة الحدودية بحرض وميدي حيث يذهب بهم الحوثيون إلى محرقة الحرب ليعودوا جثثاً متفحمة وأشلاء ممزقة.
واحتلت محافظة حجة شمال البلاد المرتبة الأولى من حيث تجنيد الأطفال الذين يلقون حتفهم في مختلف جبهات القتال تلتها عمران وذمار بحسب تقرير لمؤسسة وثاق للتوجه المدني قدم على هامش انعقاد الدورة الرابعة والثلاثين لمجلس حقوق الإنسان في جنيف في مارس الماضي.

واقع مخيف
بالتزامن مع اليوم العالمي للطفولة، كشف ائتلاف المنظمات الحقوقية والإنسانية بمحافظة حجة إن مسلحي جماعة الحوثي ارتكبوا 3392 انتهاكاً ضد الطفولة، بمحافظة حجة (شمال غربي اليمن) منذ بداية الحرب.
وذكر هادي وردان، رئيس الائتلاف على صفحته بموقع «فيسبوك» أن الحوثيين جندوا 2150 طفلاً، وإن منهم 430 طفلاً قتلوا وأُصيب 683 آخرون في معارك ضد القوات الحكومية في عدد من المحافظات. وأضاف بأن 43 طفلاً من المجندين أُسروا في المعارك، وإن 19 طفلاً آخرين لايزالوا في عداد المفقودين، ولم تعط جماعة الحوثي أي بيانات لأهاليهم، سواء كانوا أحياء أو متوفين.
ورصدت منظمتا حقوق الإنسان وراصد بمحافظة المحويت في سبتمبر الماضي قيام الحوثيين بتجنيد أكثر من 234 طفلاً قتل منهم 105 بعد أن زجَّت بهم الجماعة في جبهات القتال المختلفة.
وحذرت منظمات دولية من تفاقم ظاهرة تجنيد الأطفال في اليمن، خمسة أضعاف عما كانت عليه في العام 2014م حيث تشير أصابع الاتهام إلى الجماعات الحوثية التي كرست لتلك الظاهرة التي تعد اعتداءً صارخاً على حقوق الطفل الأساسية.
وطالب التحالف اليمني لرصد انتهاكات حقوق الإنسان أمام «مجلس حقوق الإنسان» الذي عقد في جنيف مؤخراً المجتمع الدولي بحماية أطفال اليمن وتفعيل مبدأ العدالة والمساءلة وإخضاع القادة الحوثيين للمحاسبة الجنائية لاستغلالهم الأطفال بأبشع الطرق في الحرب والزج بهم في المعارك في انتهاك صارخ للمواثيق الدولية.

تجنيد إجباري
ويعمد الحوثيون في محافظتي حجة والمحويت على إرغام الأسر على تجنيد أطفالها وإجبار المشايخ والأعيان الموالين لهم لتسجيل الأطفال والدفع بهم إلى جبهات القتال لتغطية النقص الفادح في صفوف مقاتليهم الذين سقط عدد كبير منهم في جبهات القتال المختلفة.
وهددوا الأسر التي ترفض تسجيل أبنائها بدفع مبلغ مالي يقدر بمائة ألف ريال إضافة إلى ترهيب أولياء الأمور بسجن من لايسمحون بتسجيل أبنائهم واستخدامهم للوجاهات الاجتماعية المحلية الموالية لهم، في الضغط على أسر الأطفال لتجنيدهم.
وفي مديريات كحلان الشرف والمحابشة والشاهل بمحافظة حجة والتي تعتبر مناطق حاضنة للحوثيين تمارس الجماعة الضغط على الأهالي للزج بأبنائهم في القتال في صفوفها تعويضاً للنقص الكبير الذي تشهده صفوفها جراء المعارك المستمرة في جبهة حرض وميدي الحدوديتين مع السعودية.
وفي شهر سبتمبر الماضي، شرع الحوثيون في تنفيذ حملة تجنيد إجبارية تستهدف أطفال محافظة المحويت شمال اليمن، وسط مخاوف كبيرة تجتاح الأهالي من إرغام أبنائهم بالقوة على الذهاب للقتال في صفوف الجماعة. وبحسب مركز المحويت الإعلامي، إن الحوثيين عقدوا مطلع الشهر ذاته اجتماعاً للجنة المركزية للتجنيد بالمحافظة وتضم قيادات موالية للحوثي لفرض التجنيد على المواطنين، والتي تتكون من مدير مديرية الجبل علي الطياري، والأمين العام للمجلس المحلي يحيى خديف، والقياديين الحوثيين عبدالجليل العسيري وعلي البحر.
وأقر الاجتماع تحديد نصاب محدد من المجندين على كل مديرية، وإلزام المشايخ الموالين لهم بالقيام بمهامهم في دفع المواطنين للالتحاق بالجبهات وإنْ استدعى فرض التجنيد الإجباري في المديريات. وفرضت لجنة التجنيد بالمحافظة على كل مديرية تجنيد الأفراد وفق النصاب التالي: مديرية ملحان 220، مديرية الرجم 300، الخبت 170، بني سعد 200، جبل المحويت 170، حفاش 150، الطويلة 170، شبام 150، مدينة المحويت 70 مجنداً، و استمارات احتياطية عدد 500 مجند . ونقل المركز عن أهالي مديرية جبل المحويت أن الحوثيين انتشروا في المديرية ومعهم كشوفات تدعو للتسجيل للقتال، وحينما وجدت رفض وامتناع من الأهالي، وجهت تهديدات للمواطنين الذين يخشون من عملية تجنيد إجباري تجري بالقوة في محافظة المحويت الواقعة تحت سيطرة الجماعة.

تردي الأوضاع المعيشية
ودفع تردي الأوضاع المعيشية، وانقطاع المرتبات منذ أكثر من عام الكثير من الأسر في المحافظتين الفقيرتين بالرضوخ إلى الضغوط التي تفرضها مليشيا الحوثي عدا ما تفرضه المليشيا على الأطفال للتجنيد قسراً بغير رضا أولياء أمورهم، ضماناً لقوتهم اليومي.
ويركز الحوثيون على تجنيد الأطفال واليافعين بشكل خاص في المحافظتين اللتين تكتنزان مخزوناً بشرياً هائلاً لتمويل جبهات القتال لسهولة السيطرة الفكرية عليهم.
وفي التاسع من نوفمبر الحالي قتل الطفل علي واجد فتيني هنومي مشطا (14 عاماً) من قرية المقايط بمديرية عبس شمال محافظة حجة برفقة ما يقارب عشرة أطفال آخرين من محافظتي المحويت والحديدة في جبهة ميدي الحدودية أثناء مشاركتهم في القتال مع الحوثيين.
والطفل فتيني الذي تداول ناشطون صوره على نطاق واسع أحد ضحايا تجنيد الأطفال المغرر بهم بعد أن دفع به الفقر وضيق الحال إلى ترك مدرسته والانضمام للقتال في صفوف الجماعة على أمل أن تحصل أسرته على مردود مادي يعينهم على تكاليف الحياة وشظف العيش.
وفي مديريات المحابشة وكحلان الشرف والشاهل بمحافظة حجة ، يتحدث الأهالي عن عشرات الأطفال الضحايا الذين ذهبوا للقتال مع الحوثيين في جبهة الحدود وعادوا جثثاً هامدة في توابيت تزينها صورهم. وفي مايو الماضي، تحدثت مريم الصعدي البالغة 65 سنة من محافظة حجة لوسائل إعلام محلية، عن خطف الحوثيين لثلاثة من أبنائها من دون علمها والزج بهم في الجبهات قبل أن يبلغوها بوفاتهم، ثم هروبها مع من تبقى من عائلتها صوب العاصمة صنعاء لتواجه شبح الفقر والمجاعة.

ترغيب وترهيب
وصعدت جماعة الحوثي عمليات التجنيد القسري للأطفال في محافظتي حجة والمحويت من خلال رشوة المشايخ وتوزيع الأرقام الوظيفية عليهم والمبالغ النقدية لتسهيل استدراج الأطفال لجبهات القتال من دون معرفة أهاليهم.
واستغل الحوثيون الحالة المعيشية المتدهورة للمواطنين في المحافظتين اللتين يعيش أكثر من نصف سكانهما تحت خط الفقر إضافة إلى نقص الوعي خصوصاً في المناطق الريفية بتقديم وعود كاذبة لدفع البسطاء بأطفالهم إلى معاركها التي لا تنتهي. وأغرت جماعة الحوثي أسر الأطفال المقاتلين بالمال وتقديم وعود بصرف رواتب شهرية للذين يلتحقون في صفوف القتال في حين لا يتقاضى الأطفال المجندون مرتبات، لكنهم يحصلون على الطعام والشراب والقات.
وينشط الحوثيون في التجنيد في المحيط الاجتماعي الفقير وينجحون بشكل أكبر في تجنيد الأطفال صغار السن؛ الذين يعهدون إليهم في البداية بأعمال في نقاط التفتيش أو تقديم الخدمة والمساعدة في المهام غير العسكرية والقيام بخدمات أخرى كالمناوبة والإمداد، ونقل التغذية ثم يساقون لاحقاً إلى جبهات القتال.
وفي المديريات الجبلية بمحافظة حجة التي تعتبر حاضنة للحوثيين يعزف الحوثيون على وتر النخوة القبلية وغيرها من أساليب التعبئة، لتحفيز هذه القبائل والأسر على الدفع بأطفالهم لقتال من أسموهم أميركا وإسرائيل من منظور طائفي ديني وقبلي اجتماعي زائف.