دنيا

أساليب تأهيلية ترتقي بمهارات التوحديين

الأنشطة الجماعية تعزز التواصل الاجتماعي لدى التوحديين (الصور من المصدر)

الأنشطة الجماعية تعزز التواصل الاجتماعي لدى التوحديين (الصور من المصدر)

أحمد السعداوي (أبوظبي)

في ظل احتفالات العالم بشهر التوحد، تثبت الإمارات أنها في طليعة الدول التي تعتمد الأساليب الحديثة في تأهيل المصابين بالاضطراب، ما يرتقي بقدراتهم، ويجعلهم أكثر فاعلية في المجتمع وقدرة على الاعتماد على أنفسهم، وتحقيق النجاح في مجالات متعددة، ومن أبرز هذه الأساليب استخدام الخيل والموسيقا والفن واللعب وغيرها من البرامج التعليمية الحديثة لمصابي التوحد، والتي تتنافس المؤسسات المتخصصة بالدولة على تقديمها.

تعريف وأعراض
وعن ماهية الاضطراب، تقول عائشة سيف المنصوري، مديرة مركز أبوظبي للتوحد التابع لمؤسسة زايد العليا للرعاية الإنسانية، إن التوحد اضطراب يصيب الجهاز التطوري للطفل، ويظهر خلال السنوات الثلاث الأولى من عمر الطفل ويلازمه مدى الحياة، ويؤثر على النمو الطبيعي للمخ فيما يتعلق بالحياة الاجتماعية ومهارات التواصل مع المجتمع الذي يعيش فيه، ما يتطلب فريقاً علاجياً متكاملاً، وخططاً يتم تنفيذها من خلال مؤسسات متخصصة تعرف كيفية التعاطي مع هذا الاضطراب الذي تعتبر أسباب الإصابة به مجهولة إلى حد كبير حتى الآن.
وفيما يتعلق بالكيفية التي يمكن من خلالها للوالدين أن يعرفا أن ابنهما مصاب بالتوحد، توضح أن الأعراض تبدأ في البروز من سن 18 شهراً حتى 3 سنوات، حيث تلاحظ الأسرة أن الطفل لم يعد يكرر الكلمات التي تعلمها أو المهارات التي اكتسبها قبل 18 شهراً، ويكون الطفل كثير البكاء والصراخ لأنه لا يستطيع التعبير عن حاجاته حتى لو كانت مشبعة، وأيضاً يكون غير اجتماعي منعزلاً عن الأسرة ويتوتر ويخاف من أشياء طبيعية. هنا يجب أخذ الطفل إلى اختصاصي أطفال لتحديد إصابته بالتوحد أو غيره من الأمراض التي قد تؤدي إلى تلك الأعراض، لافتة إلى أن نسبة حدوث اضطراب التوحد أعلى لدى الذكور من الإناث، ولا يتأثر حدوث اضطراب التوحد بأية خصائص ثقافية أو عرقية أو اجتماعية، أو بمستوى الدخل الأسري، أو المستوى التعليمي أو نمط الحياة.
وتلفت إلى أنه من الضروري في هذه المرحلة أن تتوجه أسرة الطفل إلى المؤسسات العاملة بهذا المجال ومنها مؤسسة زايد لعمل التقييم الشامل للحالة من خلال القسم المختص بالمؤسّسة، ومن ثم يجري إلحاقة بمركز أبوظبي للتوحد أو أحد مراكز الرعاية والتأهيل التابعة للمؤسسة والمنتشرة على مستوى إمارة أبوظبي، ووضع خطة علاجية متكاملة واختيار البرامج المناسبة له.

تعدد الأساليب
وعن الأساليب التأهيلية الحديثة، تشير إلى أهمية استخدام أنشطة السباحة والجري والتتابع ورمي الكرة، وغيرها من الرياضات المناسبة لفئة اضطراب التوحد، وكذلك الفن الذي يساعد الطالب في التعبير عن انفعالاته من خلال استخدام الألوان والمواد المختلفة والموسيقا التي تساعد الطلبة في الاسترخاء، كما تمثل فرصة لتعليم الأصوات المختلفة والآلات الموسيقية.
كما أن العلاج بركوب الخيل يساعد الطلبة في التواصل مع الخيول والاهتمام بها من خلال جلسة العناية والتعرف إلى الخيول وامتطائها، ما يساعد جميع الطلبة المؤهلين لاستخدام الخيول في الاسترخاء وزيادة التركيز والإدراك والانتباه أثناء استخدام الخيول.
وتؤكد المنصوري أن الهدف من هذه التطبيقات، دمج أطفال التوحد وضمان حقوقهم في المجتمع ومساعدة الأسر عن طريق الإرشاد الأسري والزيارات المنزلية لتدريبهم على التعامل مع أطفالهم وتثقيف وتوعية المجتمع باضطراب التوحد، بالإضافة إلى إعداد الكوادر التربوية وفق أحدث البرامج العالمية من خلال الدورات التدريبية والمحاضرات وإعداد الخطط التربوية «الفردية» بما يتناسب مع قدرات الطلبة.
وتوضح المنصوري أن تأهيل التوحديين يتضمن عديداً من الخدمات ومنها التقييم والتشخيص، والتدخل المبكر، والرعاية الصحية والعلاجية، وخدمة العلاج بالخيول والدمج والأنشطة المساندة للبرنامج التعليمي والتأهيلي للطلبة، موضحة أن البرنامج التعليمي يقوم على وضع الخطة الفردية التعليمية للطالب بناء على نقاط القوة والضعف لدى الطفل، بحيث يعمل البرنامج على تعزيز القوة وتنمية ورفع قدراته ومهاراته حسب نقاط الضعف لديه. وتلفت إلى أن جميع البرامج العالمية تطبق في المركز مثل برنامج «تيتش»، الذي يعمل على تنظيم البيئة المكانية لطلبة التوحد، وبرنامج «بيكس» وهو برنامج للتواصل مع التوحديين من خلال الصور، موضحة أن المركز يستخدم حالياً التكنولوجيا في وضع الصورة في جمل وقراءتها بحيث يسهل على الطلبة التواصل مع الآخرين.
حول مدى الاستفادة من البرامج والنشاطات التأهيلية، يقول الدكتور محمد جمال فودة، اختصاصي التأهيل في مركز تنمية القدرات في أبوظبي، إن نجاح أي برنامج تأهيلي يكمن في تحقيق أهدافه في المدة المحددة لتطبيق البرنامج وتأثيره على تفعيل السلوكات الجيدة ومحو السلبية، مع وجود دعم مادي ومعنوي واجتماعي من المحيطين لضمان استمرار فاعليته.

العلاج باللعب
وتشرح هبة حسن، اختصاصية التأهيل بأحد مراكز التأهيل بأبوظبي، أهمية العلاج باللعب لدى الأطفال التوحديين، ومنها اللعب مع الخيول وامتطاؤها، باعتباره أحسن طريقة لإقامة علاقة علاجية بين الطفل والمعالج، فالألعاب لا تشكل عاملاً مهدداً لاختراق عالم الطفل التوحدي، فهو في جلسات العلاج باللعب يبدأ التواصل مع الألعاب ويكتشفها ويتحسسها ويتعرف عليها، ومن هنا يكون الطفل قد خرج من قوقعته وبدأ ينظر إلى العالم المليء بالمثيرات التي تؤدي إلى إمتاعه ولا تؤدي إلى أذيته. ومن خلال أنشطة اللعب يتفاعل الطفل مع مواد اللعب ثم الأشخاص المحيطين، ويصبح قادراً على إخراج انفعالاته المختلفة مثل الخوف، والقلق، والتوتر ما يجعله هادئاً ومستعداً لتلقي أي مدخلات أثناء اللعب.
وتلفت إلى أن إشراك الأطفال التوحديين مع أقرانهم الأسوياء في أنشطة مثل ركوب الخيل، يكسبهم الخبرة المفيدة لحياتهم العملية، علماً بأن التواصل والتفاعل معهم قد يتطلب وساطة من الأسرة والمعالجين وبذل الجهد لإعدادهم لفترات المشاركة في اللعب الجماعي.
وتؤكد حسن أن اللعب يستخدم في تأهيل الأطفال التوحديين، حيث يستغل لإخراج الانفعالات التي توتر الأطفال، كما يستغل في تنمية التواصل اللغوي والاجتماعي لديهم. وفيما يخص برنامج التأهيل بالموسيقا، تورد أنه من أكثر الأنشطة التي يستجيب لها الأطفال التوحديون، فمن خلالها يشعرون بالأمان والسعادة والتوافق مع العالم المحيط، حيث تعد الموسيقا من أكثر قنوات الاتصال اتساعاً للتواصل مع الأطفال التوحديين. وعن برنامج العلاج بالفن، تؤكد أن الفن يلعب دوراً مؤثراً في إثراء عملية الاتصال لدى الأطفال الذين يعانون اضطراب التوحد، مشيرة إلى أنهم ينفسون به عن انفعالاتهم ومشاعرهم.

ملامح التحسن
تؤكد والدة الطفل التوحدي يزن وسام مصلح (9 سنوات) أنها لم تتعرض طوال فترة الحمل لأي مرض أو حادث، وكانت عملية الولادة طبيعية من دون مشاكل وتحت إشراف طبي، وكان وزن ابنها عند الميلاد طبيعياً، ولم يكن يعاني أية أمراض، علماً أنه لا يوجد أحد في العائلة أو الأقارب يعاني اضطرابا أو إعاقة، مشيرة إلى أن الأعراض بدأت تظهر عليه عند سن خمسة شهور.
وتقول: «التحق يزن بمركز للتأهيل في عمر أربع سنوات، وكان يعاني تأخراً شديداً بمهارات التواصل اللغوي ومهارات الحياة اليومية، ولم يكن قادراً على إنهاء أي مهمة بسيطة، فضلاً عن غلبة صفة العشوائية على سلوكاته». وتتابع: «مع المتابعة المستمرة في البيت والمركز، تغيرت مهارات يزن للأفضل من خلال خطة تربوية استهدفت كل نواحي حياته، ما ساعد على دمجه في الحياة الأكاديمية بشكل جيد، وممارسة العملية التعلمية بشكل طبيعي إلى حد كبير». من جهتها، تقول والدة عمر أشرف عبد الفتاح (13 سنة) إنها اكتشفت إصابة ابنها بالتوحد مع ظهور مشاكل في التواصل اللفظي، وضعف الانتباه والتركيز، وضعف التفاعل الاجتماعي، ومشكلات سلوكية مثل العناد، وكثرة الصراخ، مشيرة إلى أنه مع الخضوع للبرامج التدريبية، ظهر فرق واضح في تدريب ابنها على الكلام، وأصبح أكثر قدرة على التواصل اللفظي مع الآخرين ما شجعه على التواصل الاجتماعي واللعب مع أقرانه.
وتورد: «اكتسب ابني مهارات لغوية أهلته للتواصل مع الآخرين، وساعدته في النجاح الأكاديمي حتى وصل إلى الصف السادس الابتدائي»، مؤكدة أنها سعيدة بنتيجة مجهودها مع ابنها الذي ستواصله حتى تساعده أن يكون معتمداً على نفسه، خاصة أن مراكز التأهيل في الدولة توفر أرقى الإمكانات التي تساعد في إخراج وتوظيف قدرات ابنها.

تحسين المهارات
تؤكد هبة حسن، اختصاصية التأهيل بأحد مراكز أصحاب الهمم في أبوظبي، أنه ليست هناك طريقة لعلاج اضطراب طيف التوحد، بل هناك طرق لتحسين مهارات التوحدي اللغوية والاجتماعية، والإدراكية، والسلوكية. وعادةً ما يستمر الأطفال المرضى باضطراب طيف التوحد في التعلم وتعويض المشكلات التي تواجههم طوال الحياة، ما يتطلب الحصول على مستوى معين من الدعم.

برامج عالمية
يورد الدكتور محمد جمال فودة، اختصاصي التأهيل في مركز تنمية القدرات في أبوظبي، عدداً من البرامج العالمية التي تساعد في تطوير طلاب التوحد وأهمها:
1 - برنامج تيتش: يدخل عالم الطفل التوحدي ويستغل نقاط القوة فيه مثل اهتمامه بالتفاصيل الدقيقة وحبه للروتين.
2- برنامج المحاولات المنفصلة (المتقطعة): يركز على إكساب الطفل المهارة المطلوبة عبر التحكم في تسلسل الأحداث السابقة واللاحقة للسلوك.
3- برنامج التواصل: بهدف إيصال مصاب التوحد إلى مرحلة جيدة من القدرة على التواصل والتعبير اللفظي وبناء اللغة وتعديل الأخطاء اللغوية بحيث يستطيع الطفل استخدامها بشكل سليم.
4- برنامج تحليل السلوك التطبيقي: ويقوم على التحكم بالسلوك بدراسة البيئة التي يحدث بها والتحكم في العوامل المثيرة لهذا السلوك.
5- التدريب على التكامل السمعي: تعتمد آراء مؤيدي هذه الطريقة على أن التوحديين مصابون بحساسية في السمع فهم إما مفرطين في الحساسية أو عندهم نقص في الحساسية السمعية ولذلك فإن طرق العلاج تقوم على تحسين قدرة السمع.

8 نصائح
يقول الدكتور محمد جمال فودة، اختصاصي التأهيل في مركز تنمية القدرات في أبوظبي، إن تربية طفل يعاني اضطراب التوحد تسبب الإجهاد البدني والاقتصادي والنفسي للعائلة، مقدماً النصائح التالية لها:
1- البحث عن فريق مهني متخصص ذي ثقة وخبرة في مجال الاضطراب.
2- تنظيم الوقت بين الأولاد ومتطلبات البيت.
3- البحث عن أسر لديها أطفال مصابون بالاضطراب فهم خير من يقدمون النصائح والمساندة.
4- القراءة عن الاضطراب ما يسهل التواصل مع الطفل المصاب.
5- التدخل المبكر هو المفتاح الأهم لنجاح تأهيل المصابين.
6- تقبل الطفل وحبه كما هو، مع التركيز على ما يجعله سعيداً بالاحتفال بنجاحاته الصغيرة.
7- عدم المقارنة بين الطفل المتوحد والآخرين بل مقارنته بنفسه سابقاً ولاحقاً.
8- التحلي بالصبر والتفاؤل.