صحيفة الاتحاد

ثقافة

المشاءة خرساء بألمٍ فصيح

لا يكاد أحد يذكر العنوان الكامل لدرة السرد الإنساني (ألف ليلة وليلة) كما جاء على غلاف طبعة كلكوتا (الهند) سنة 1842، وهو: «أسمار الليالي للعرب مما يتضمن الفكاهة ويورث الطرب». من هذا العنوان، استلهمت عنوان روايتي (سمر الليالي - 2000). وتيمناً بهذا العنوان بدت لي الروايات التي تقدمها الكاتبات السوريات منذ زلزلت سوريا زلزالها عام 2011، أسماراً للّيالي الشامية، لكأن راويات هذه الليالي بناتٍ لشهرزاد، وهنّ، في حدود علمي: مها حسن: روايتا (طبول الحب) و(مترو حلب)، ابتسام التريسي: روايتا (مدن اليمام) و(لعنة الكادميوم)، سمر يزبك: (المشّاءة)، شهلا العجيلي (سماء قريبة من بيتنا)، سوسن جميل حسن: روايتا (قميص الليل) و(خانات الريح)، لينا هويان الحسن (الذئاب لا تنسى)، نجاة عبد الصمد (بلاد المنافي)، روزا ياسين حسن (الذين مسهم السحر)، سميرة المسالمة (نفق الذل)، عتاب أحمد شبيب (موسم سقوط الفراشات)، جهينة العوام (تحت سرة القمر)، ريما صلاح الدين الجرف (يوماً ما)، دينا نسريني (أمل)، ابتسام شاكوش (قشرة البيضة)، سندس برهوم (عتبة الباب)، وديمة ونوس (الخائفون).

بين الكاتبات سبع قدمت كل منهن الرواية الأولى، وهن: سميرة المسالمة &ndash عتاب أحمد شبيب &ndash جهينة العوام &ndash ريما صلاح الدين الجرف &ndash دينا نسرين &ndash سندس برهوم &ndash ديمة ونوس. ومنهن من لها من الأسمار سوى الرواية، سردية ما، مثل سمر يزبك في كتابيها (تقاطع نيران) و(بوابات أرض العدم) ونجاة عبد الصمد في كتابها الذي يخاطب عنوانه لوحة بيكاسو الشهيرة (الغورنيكا)، والكتاب هو: (غورنيكات سورية). ولأنه الزلزال، ولأنهن بنات شهرزاد بامتياز غالباً، فقد كتبت عن الكثير من هذه المدونة، وهذا ما أتابعه هنا في رواية سمر يزبك (المشاءة).

حكايات الحصار

بعد سنوات من الانقطاع، هي سنوات الزلزال السوري، عادت سمر يزبك إلى الرواية، حيث كان قد بات لها في زمن قصير موقع مميز. ولئن كانت في سنوات الانقطاع قد كتبت سرديتها للزلزال في الكتابين المذكورين آنفاً، كما حققت حضوراً إعلامياً استثنائياً كناشطة سورية، فها هي تعود إلى فنها الأثير. وقد اختارت أن تحكي رواية (المشاءة) حكايات الحصار &ndash وبعض ذلك كان في رواية ابتسام التريسي: لعنة الكادميوم &ndash والسلاح الكيماوي، وذلك على لسان راوية الرواية وبطلتها الخرساء التي يكتفي اسمها بالظهور مرة: ريما، ومثله اسم أخيها: سعد. والراوية التي اختارت منذ طفولتها الخرس، فعقلت عضلة لسانها، تخاطب القارئ من مبتدأ الرواية إلى نهايتها. وفي هذه النهاية التي تعلن فيها أن حكاياتها لم تنته، تعيد تنضيد الحكايات، بالأحرى تقديم كروكي للعمارة الروائية، وهي حكاية المقاتل الذي عشقته (حسن)، وحكايات أمها وأخيها والفتاة الصلعاء التي عرفتها في المشفى/&rlm&rlm&rlm المعتقل، والكلب والطفلين ممن عرفت في القبو. وأخيراً: الراوية نفسها، فهي أيضاً حكاية، وهي ستختفي كما اختفى الآخرون وسواهم ممن صادفت هذه التي صارت شهرزاد الخرساء المسكونة بالمشي منذ ولدت، ترى الطريق بلا نهاية ولا تستطيع التوقف، حتى ظُنَّ بعقلها خلل. وعلى الرغم من أن الأطباء أكدوا سلامتها العقلية، فقد كانت أمها تصفها بالجنون، وكانت تقيدها من معصمها في البيت أو في غرفة المكتبة في المدرسة، حيث تعمل الأم مستخدمة. وفي المكتبة تولت الست سعاد تعليم الخرساء القراءة، فالتهمت المكتبة، وكتبت القصص ورسمت، وسكنها بخاصة كتاب (الأمير الصغير) وكتاب (آليس في بلاد العجائب) اللذين ستشركهما في لعبة الرواية.

تلبية لدعوة الست سعاد المقيمة في وسط دمشق، والعازمة على الهجرة، تمضي ريما وأمها من سكناهما في أطراف المدينة. ومن حاجز إلى حاجز مما قطّع أوصال المدينة، تصف الراوية المعاناة: في الحاجز الأول أوقف شاب وتحول إلى كرة تحت أقدام المسلحين، وفي حاجز مخابرات البدلات الأنيقة والوجوه النظيفة الملتحية، يؤمر شاب: (انزل يا حيوان) لأنه من حي جوبر الطرفي الذي لا يزال عصياً على الدولة حتى الآن. وقد تبولت الخرساء خوفاً، وفي رعب وبلبلة النزول من الباص يتحرر معصمها من قيد - حبل أمها، وتنطلق حرة بينما الأوامر بالتوقف تلاحقها حتى تخترق كتفها رصاصة وتختفي الأم.

تلك هي الحكاية الأولى التي تخللتها، كما سيلي لسواها، حكايات فرعية. وفي الحكاية التالية تصحو الخرساء على الفتاة الصلعاء المقيدة مثلها بسوار حديدي إلى السرير، وهي إذن في مشفى/&rlm&rlm&rlm معتقل للناشطين الجرحى، حيث الممرضة تصدح: هذا جزاء الخونة ومن يتظاهر ضد سيادة الرئيس. وهو إذن الخوف الذي تبدع الرواية في رسمه: يبني لك أفخاخاً في جسدك، دائري الشكل، بلا بداية ولا نهاية.... وفي حكاية الصلعاء كما تروي للخرساء أنها حلقت شعرها إثر تساقطه في السجن، وإنها كانت في فرع فلسطين &ndash من المراكز الأمنية &ndash وهي تحسب الخرساء معتقلة مثلها، وتوصيها بألا تدعهم يحقنونها بالإبر، لأنها لن تعرف ما يفعلون بها وهي نائمة. وتروي الصلعاء أنها كانت تتظاهر، وكانت تنقل الأدوية إلى الجرحى، وأنهم تنصتوا على مكالماتها، و: «أظن أنني سأموت».

يتسلم سعد شقيقته في المشفى/&rlm&rlm&rlm المعتقل ويمضي بها إلى الغوطة وإلى الحصار. وسعد طالب جامعي من الناشطين ضد النظام، بينما أمه تردعه خوفاً عليه. وبعد اختفائها يترك الجامعة ويلتحق بالمقاتلين، وينقل أخته إلى زملكا من سوار العاصمة، حيث كان عليها أن ترتدي الثياب السود. والمكان شبيه بالعالم الذي دخلته أليس في بلاد العجائب: القصف والموت والفتاة التي يقرر أبوها تحجيبها، والحامل التي تخشى أن تضع بنتاً والعازمة على الفرار من زوجها، والزوج المقاتل الذي يبث الرعب فيها وفي النساء...

في الحصار كانت القذائف تحول الناس إلى كرات مدورة حول بعضهم. وثمة، علّمت ريما الأطفال حولها الرسم، ورتلت وغنت القرآن كما علمتها أمها، وحكت للقارئ الذي تخاطبه من بداية الرواية إلى منتهاها حكاية أم سعيد التي مات زوجها في (سجن) الرئيس، والتحق أبناؤها بالكتائب المقاتلة ضد النظام. كما حكت ريما حكاية الطفل عامر وأمه المعتقلة في (سجون) الرئيس &ndash هكذا ورد: مرة سجن، ومرة سجون- وأبيه المقاتل في الجيش الحر، وأخيه المعتقل لدى كتائب من الجيش الحر. وعلى الحكاية تعلق ريما بأنها لم تفهم هذه الدوّيخة عن عامر واختفاء عائلته «وعن كل تلك الجيوش التي ظهرت أسماؤها فجأة».

وفي الحصار ترى ريما الناس ونفسها مثل قطيع من الثيران يتدافعون في الركض والعيش، ولا يعرفون ما يحصل: «كانوا مثل فئران لكن بحجم ثيران، وأنا كنت مثلهم، ننتظر كل يوم أن تسقط القذائف فوقنا». وقد أبدعت في وصف الغارة التي تقضي فيها أم سعيد وعامر وآخرون، وتنجو ريما وأخوها الذي ينقلها إلى دوما، ومع صديقه المصور حسن الذي سيعهد له بشقيقته. ومن مشهدية الغارة إلى مشهدية الفقاعات ذات الرائحة الكريهة وأضواء وألوان وانفجارات قنابل الكيماوي، والعالم كله يتحول إلى غبار.

يختفي سعد كما اختفت أمه وصارت ريما أمانة (الغالي) عند حسن. وفي مشفى (عربين) تصحو ريما على حرقة في العينين ووخز في الصدر، وحسن يرش الماء عليها، ورجل ينهاه «حرام عليك. استرْ ع الحرمة». لكن حسن يصرخ بالرجل مشيراً إلى النساء: «أنت السبب في موتهن»، فالغازات تتغلغل في الثياب، والمصاب يجب أن يخلعها، لكن الذكورية المحافظة المستبدة تركت المصابات بثيابهن، فقضين، بينما حسن يصفع ريما كي لا تنام، فالنوم يسلم المصابة للموت.

عذاب القبو

إلى قبو المطبعة ينقلها حسن، ويقيدها كعهدها بقيد الأم والأخ، ويتفقدها كلما استطاع، وينظفها قبل أن يختفي، بينما تبدأ هي بالاهتراء في الوحدة والجوع والتوحش. وتبلغ الرواية ذروة الإبداع المريع في المشهد الذي يرسم ريما ترقب من النافذة كلباً ينبش كفاً في الدمار الذي خلفه القصف، وترى ريما أصابع الكف، والكلب قابض عليها وهو يفرّ، ثم ترى طفلين ينبشان أيضاً بحثاً عن الأعشاب، إذ لم يبق الحصار ولا القصف ما يؤكل. وحين يلمحها الطفلان يفران مذعورين: (فيه وحش جوّا).

يندرج المروي له عند بعضهم تحت مسمى القارئ المفترض، ومهما يكن، هي ذي الراوية تخاطبه بخشيتها من أن يكون ممن يقرؤون وينتظرون الكلمات الجاهزة الواضحة والمباشرة، ولا يحبون ألعاب الحكايات. ولعل في هذه المخاطبة لساناً ممدوداً للذين سيأخذون على الرواية عنايتها بنفسها، أي بما هي فن &ndash لعب، وعلى تنكبها سبيل الفضائيات والبيان والهتاف.. لكن الأهم هو ما أنجزت الرواية ابتداءً بلعبة المروي له، أو بلعبة فقدان الراوية للنطق منذ ضيعت أمها، أو بلعبة الكواكب السرية، ومن هذه أن مكتبة المدرسة كانت كوكب ريما الخاص الذي يشبه كوكب الأمير الصغير، كما صار القبو كوكبها السري الواقعي والأخير، وكان لها كوكب الطين المتخيل... أما لعبة الميتاسرد فهي لعبة الرواية الكبرى، حيث يتجلى وعي الرواية لذاتها، وتفكرها بنفسها حدّ التنظير.

تبكر الراوية على المروي له بالنهي عن أن يظن أنه يقرأ فيما تكتبه رواية، لأن ما تكتبه هو (الواقع)، وهي تكتبه لمحاولة فهم ما حدث. ومن البداية التي تسجل فيها أنها لا تعرف من سيكون هذا القارئ، تنهاه عن التذمر من استطراداتها الكثيرة. وبعد لأي تحدثه عن (نظريتها) السردية، فيما تسميه الحكايات الدائرية المتقاطعة المركز، والتي لا تكتمل إلا بالإعادة والتفاصيل. وفي ذلك ما يذكّر بالحكاية الإطار والحكايات المتوالدة تحتها وفيها، مما يسلب من نظرية الراوية فتوحها.

في موقع آخر تشبه الراوية طريقتها في السرد باللعب بالكرة الجنية: كرة كما لو أن في داخلها نتفاً صغيرة من مرايا مكسورة، وهي ملأى بالسائل الأزرق. وبوسع ريما أن تروي الحوادث كما يحصل داخل الكرة الجنية، دون أن ينتبه القارئ إلى أنها تلعب وتقتل الوقت بانتظار عودة معشوقها حسن. وفي موقع ثالث توالي التنظير عبر وعي الذات: «يبدو وأنا أروي لك الحكايات الصغيرة هذه أنني أدور في دوائر متداخلة، وكل دائرة أدخل معها دائرة جديدة وأفقد دائرتي السابقة». ويتصل بذلك حديثها عن ولعها بالشطط الذي ليس غير الاستطراد، وعن خطة قديمة لها بأن ترسم رواية طويلة وتكتبها، والآن: ها هي تكتبها، فهي ما نقرأ، وهي &ndash ريما &ndash تتأسف لأنها تكتب بلا ألوان ولا رسوم، وتفكر في أنه سيأتي الوقت المناسب لتحول الكلمات إلى رسوم.

لكي يصح لريما هذا الوعي النقدي، احتشدت الرواية بالمؤهبات، ابتداءً من مخاطبة الست سعاد لها عندما قرأت قصصها: «أنت عبقرية يا بنتي». غير أن ذلك لم يصنها من زلل، كأن ينفي عامر (8 سنوات) أن تكون مجنونة معللاً نفيه: «لأنه ما فيه مجنون بيعرف يرسم هيك»، أو كأن تسأل المروي له عما إنْ كان يعرف ما هي الثورة، ثم تنقل تعريف أمها (إنها الحرب) وأخيها (ليست حرباً) وتعريف عامر: «هي السبب الذي يجعل الطائرات تقصفنا بالبراميل» وهذا ليس إلا من إنطاق الراوية للطفل بلسانها هي. وربما كان أيضاً استحضار (فقه اللغة) للثعالبي والانبهار بحديثه عن الألوان، قد ظل ناتئاً يفقد الاندغام في النسيج الروائي... ومهما يكن، فهذه الرواية التي قد تلوّح بعنوانها لحامل اللقب الأول: أرسطو المشّاء، ولتلامذته المشائين وأتباعهم من العرب والمسلمين (ابن سينا والفارابي والطوسي وابن رشد...) هي علامة فارقة في روايات الزلزال السوري، وتفتح لسمر يزبك صفحة جديدة في سجلها الروائي.

فورة روائية

في الفورة الروائية المعارضة المتعلقة بالزلزال السوري، بلغ نصيب بنات شهرزاد قرابة نصف المدوّنة. وفي هذه الفورة، شكت روايات عديدة من علّة تغليب السياسي على الفني. وقد تجلى ذلك في محاولة الرواية أن تنافس أو تحل محل الصورة و/&rlm&rlm&rlmأو الوثيقة، وفي محاولة الكاتبة/&rlm&rlm&rlm الكاتب الحلول محل مراسل القناة الفضائية أو المفكر السياسي أو المقاتل. ومن الندرة في السنوات الأولى إلى الغلبة من بعد، تحققت الغلبة للفني، أو موازنته مع السياسي، في روايات شتى، وهذا هو التحدي القديم الجديد المتعنون بالكتابة في المعمعة.

ومن اللافت أن الصوت المعارض هو ما يترجّع في جميع الروايات المذكورة هنا في البداية، والتي صدرت جميعاً في الخارج، سواء أكانت الكاتبة مقيمة في الداخل (خمس من خمس عشرة) أم في الخارج. وأختم بالإشارة إلى أصغر بنات شهرزاد: رشا الحسين ذات الأربعة عشر عاماً، والتي لجأت مع أسرتها إلى هولندا عام 2013، وتعلمت الهولندية وكتبت بها سمراً آخر من أسمار الليالي الشامية، ليالي الزلزال التي كموج البحر أرخت سدولها، وطالت حتى قلت: لا، لن تنقضي.

نحن ألعاب صغيرة

«لكلّ كوكب من كواكبي السرّية أهميته، لكن كوكب الطين، له أهمية استثنائية. هذا الكوكب لن يختفي حتى أختفي. هذا جيّد. لوني مثل لون الطين، وإنْ كان بدرجات متفاوتة. لكنّ أصله طين، وهو أحد ألواني المفضلة. نحن ألعاب من طين، ألعاب صغيرة سريعة الكسر والتفتت، إذ يكفي خدش بسيط في أجسادنا لنتحوّل إلى غبار».

مقتطف من الرواية

أثر وجوائز

ليس أمين معلوف وحده من تأثر عميقاً بكتابة سمر يزبك.

حازت سمر يزبك جائزة توخولسكي السويدية.

وجائزة هارون بنتر العالمية مع الشاعرة البريطانية كارول آن.

ورشحت لجائزة ميديسي العالمية.

وترجمت روايتها إلى لغات عديدة.