الملحق الثقافي

لن أشارك في جنازتي

نقل أحمد خالد توفيق أجواء الخيال العلمي إلى قاعدة عريضة من القرّاء العرب

نقل أحمد خالد توفيق أجواء الخيال العلمي إلى قاعدة عريضة من القرّاء العرب

هو العرّاب. هكذا يسميه محبّوه. هو ظاهرة، هكذا ينظر إليه النقّاد. أحمد خالد توفيق، هو التعريف للظاهرة الأدبية، في مرحلتين: عندما كان ينتج بغزارة لافتة، فيتابع كتبه الآلاف، خصوصاً من أجيال الشباب. وعندما توقف قلبه وتوقف معه قلمه، فشيّعه الآلاف أيضاً، ممن تفتّح وعيهم على فتوحات خياله.
لم يكن أحمد خالد توفيق (10 يونيو 1962 ـ 2 أبريل 2018) خليفة لأحد. اقتحم عالم الإبداع الروائي من باب غير مطروق في الرواية. تجنّب الأبواب الأخرى: الكلاسيكية، والرومانسية، والبوليسية، والسيرية، والتاريخية، والتجريبية، إلخ.. اتجه تواً نحو المستقبل. اقتفى آثار أجيال من الكتّاب الغربيين، أمثال جيل فيرن، وهربرت جورج ويلز، الذين وفروا بأعمالهم السردية الخيالية كشوفات استفاد منها العلماء مثلما استمتع بها القرّاء.
لم يكن أحمد خالد توفيق وحيداً بين العرب الذي كتب في مجال أدب الرعب والفانتازيا والخيال العلمي، لكنه كان الأشهر بينهم. ترك مكتبة مترامية: أكثر من 200 كتاب، في موضوعات مختلفة، أهمها الأعمال الروائية، فضلاً عن مئات المقالات والترجمات. تعثّر في خطوته الأولى بسبب طبيعة كتابته. فقد قدم روايته الأولى «أسطورة مصاص الدماء» للمؤسسة العربية الحديثة، التي رفضتها. ثم عرضتها على لجنة قراءة فرفضتها أيضاً، إلى أن أقرّت لجنة قراءة ثانية بتميزها. بعدها كرّت سبحة أعماله. وأشهرها رواية «يوتوبيا» عام 2008 والتي ترجمت إلى عدة لغات، وكذلك «السنجة» التي صدرت عام 2012، و«مثل إيكاروس» عام 2015، ثم «في ممر الفئران» التي صدرت عام 2016 بالإضافة إلى مؤلفات أخرى مثل: «قصاصات قابلة للحرق»، و«عقل بلا جسد»، و«الآن نفتح الصندوق». يقول أحمد خالد توفيق عن نفسه: «أنا أعتبر نفسي ـ بلا أي تواضع ـ شخصاً مملاً إلى حد يثير الغيظ.. بالتأكيد لم أشارك في اغتيال (لنكولن)، ولم أضع خطة هزيمة المغول في (عين جالوت).. لا أحتفظ بجثة في القبو أحاول تحريكها بالقوى الذهنية ولم ألتهم طفلاً منذ زمن بعيد.. ولطالما تساءلت عن تلك المعجزة التي تجعل إنساناً ما يشعر بالفخر أو الغرور.. ما الذي يعرفه هذا العبقري عن قوانين الميراث الشرعية؟ هل يمكنه أن يعيد دون خطأ واحد تجربة قطرة الزيت لميليكان؟ هل يمكنه أن يركب دائرة كهربية على التوازي؟ كم جزءاً يحفظ من القرآن؟ ما معلوماته عن قيادة الغواصات؟ هل يستطيع إعراب (قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل)؟ هل يمكنه أن يكسر ثمرة جوز هند بين ساعده وعضده؟ كم من الوقت يمكنه أن يظل تحت الماء؟ الخلاصة أننا محظوظون لأننا لم نمت خجلاً من زمن من فرط جهلنا وضعفنا».

* يجب أن أعترف لك أنني أهوى أفلام الرعب جداً. لسبب ما أرى أنها مغامرات استكشافية لمخاوفنا في اللاوعي. نحن نعيش من جديد مخاوف أجدادنا.

* كان فيلم «لالا لاند» يعرض في دار قريبة، لكن الموت بدا لي أسهل وأهون من أن أشاهد فيلماً اسمه هكذا. لم أعد أتحمل الأفلام الرومانسية ولا الغنائية ولا أفلام الأكشن ولا الجاسوسية.. لربما أحببت الأفلام الحربية، لكنهم لم يعودوا يصنعونها.

* القبو هو مكان حيّ.. لا ندرك هذا إلا في منتصف القصة، عندما ندرك أنه يبتلع الناس في شراهة.. من ينزلوا ليلاً تكن نهايتهم جسيمة.. القبو يخفي آثارهم لكن المتحمسين قد يجدون عظمة هنا أو هناك.
ـ من «أيام مع جيسون»، رواية لم تكتمل

* ثعلب أو بنت آوى.. لا أدري.. لكن من المستحيل أن يسرق مالي. الحيوانات أذكى من أن تهتم بأوراق كريهة المذاق مثلنا معشر البشر.

* كنت أنتظر نحو مئة عام حتى يتجاسر أحدهم ويدخل هنا. لقد سئمت الحياة أو بمعنى أصح سئمت الموت.. أن تطاردك لعنة أبدية تحرمك الراحة إلى يوم الدين. تقتات بالجيران الذين تجدهم في القبور وتسرقهم من الأنفاق.. كانت الشياطين تلعب مع الفانين لعبة مضاعفة المال، وخطر لي أن أحدهم سيستبد به الفضول ويدخل هاهنا. أنت أول من تجاسر ودخل، وقد حقت لي الراحة.. حق لي أن أتحلل. انتهت حياتي كغول وبدأت حياتك!
ـ من رواية «تلك المقبرة»

* الحياة تعسة بما يكفي فلا يمكن أن نضم لها الرائحة العطنة التي بدأت تنتشر.
ـ من رواية «خذوها أنتم»

* أدرك أن حياتنا كمصريين لا تستقيم من دون لافتات.. لافتات مبايعة.. لافتات تأييد.. لافتات تأييد للمؤيدين.. لافتات شتيمة في غير المؤيدين الذين لا يؤيدون.. شعب يعيش حياته باللافتات، هو شعب صمم على أن يجعل الخطاطين أثرياء.

* هناك قصة طريفة عن مواطن بريطاني من ويلز كان يحتفظ بلافتة واحدة كتب عليها (يا للعار!).. وكان يرى أنها تصلح لكل المناسبات باعتبار أن هناك دائماً عاراً ما لابد من الاحتجاج عليه، ويقال إنه وجد نفسه في مشكلة حينما خرجت البلدة ترحب بعمدتها الجديد!.. هذه هي المرة الأولى التي لم يجد فيها لافتة صالحة.
ـ من مقال بعنوان «عروس للولد»

* منذ بدأت الكتابة، وأنا لا أكف عن الشكوى وانتقاد أوضاع لا تروق لي، وفي كل مرة لا شيء يتغير أبداً.. أنت تتكلم في اتجاه والحكومات تمشي في اتجاه آخر. أنت تنذر.. تشكو.. تتهم.. تحذر.. تتوقع.. لكن ليس هناك من يهتم بما تقول. أنت تكتب لتسلّي نفسك أو لتخرج البخار الغاضب لا أكثر.
ـ من مقال بعنوان «النغمات الخمس»
* هل يعني هذا أن الروح حبيسة هذا الرأس؟ لماذا لم تغادر الجسد لحظة قطع الرأس؟ وكيف يمكن أن تغادر هذا الرأس يوماً؟ لا يمكن لشيء من لحم ودم أن يكون خالداً.
ـ من «سيمفونية المقصلة»

* هناك أناس تجد لذة فاحشة حقيقية في الكذب. والنقطة الأهم هي أنهم لا يخجلون عند افتضاحهم. هذه من مواهب الكذب المهمة أن تكون أقوى من الافتضاح وألا ينكسف طبعك. بعض الكذب غبي جداً يذكرنا بالقاعدة القديمة (على الكذوب أن يكون ذكوراً)، أي على الكذاب أن يتذكر ما قاله من قبل حتى لا يقع في تناقضات لا تنتهي كلما حكى القصة. وهي طريقة يعرفها محققو الشرطة جيداً. لو حكى القصة عشر مرات لغيّر شيئاً في كل مرة.
ـ من مقال بعنوان «موهبة الكذب»

* كان يخشى أن يجرب صوته فتسمعه.. فضّل الصمت وإصدار صوت خرير.. لا يضمن ما سيحدث لو اكتشفت أنه صار قادراً على نطق الحروف. لكن هل هو قادر فعلاً؟ لا يدري.
ـ من «علاقات زوجية»

* شعور غريب هو أن تمارس مشاعر المريض في العناية المركزة.. اعتدت كطبيب أن تكون أنت المخرج على المسرح ولربما صرت الممثلين، لكنك لم تجرّب قط أن تمارس دور المتفرج، وأن تشاهد الدنيا في وضع أفقي، مع شعور غامر بالأمان لأنك لن ترتكب أي خطأ.. كيف ترتكب أي خطأ وأنت المريض لا المعالج؟ اترك نفسك قليلاً مع التيار وكف عن التوتر الذي التهم عمرك.. فلتذهب إلى حيث يشاء القدر أن يحملك، إلى أن تقرر الحكومة أنه يجب إحضار مخبر يجلس فوقك، وينام فوق جثتك في القبر مع جعلك تدفع ضريبة رقاد كاملة.
ـ من «صلوات هامسة»
* عندما أشم رائحة الضأن القوية تنبعث من الخراف المربوطة أمام دكان الجزار المجاور، فإنني أعرف أن عيد الأضحى قادم قبل أن يستوعب ذهني المعلومة. نوع من الارتباط الشرطي.
ـ من مقال بعنوان «حديث عن العيد»

* ليتنا أنا وأنت جئنا العالم قبل اختراع التلفزيون والسينما لنعرف هل هذا حب حقاً أم أننا نتقمص ما نراه؟
* انتهت صداقتنا ليس بمشاجرة أو موقف عنيف، وإنما هي حالة من القرف والملل التدريجي.. ما ينتهي ببطء لا يعود بسرعة.. لا يعود أبداً..
* اتركوا لي ما تبقى مني!
* الثقة بالنفس كلام فارغ.. سوف يدهشك كم الأشياء التي لا تعرفها أو لا تجيدها.. المهم أن تثق بقدرتك على أن تكون أفضل.
* الأعوام تغيّر الكثير.. إنها تبدّل تضاريس الجبال.. فكيف لا تبدل شخصيتك؟
* لا يكفيك أن تنساها.. يجب كذلك أن تنسى أنك نسيتها!
* اعمل الخير وارمه في البحر.. بشرط أن يراك أحدهم وأنت تفعل ذلك.. عندها سيخبر الآخرين أنك لا تفعل الخير فقط، بل وترميه في البحر أيضاً!
* قال لي: أريد أن أسافر إلى أميركا.. إلى بلد يعرف قدري.. قلت له: لماذا تريد أن تسافر لبلد يعرف قدرك؟ لماذا تريد هذه الفضيحة؟ في بلد طيب متسامح مثل مصر يمكن للحمار أن يظل مستوراً، وأن يأمل في وجبة العشاء.. لكن هناك سيفتضح أمرك خلال ربع ساعة... نصيحتي هي.. ابق هنا!
* هذه فلسفة ممتازة يجب أن يتذكرها الطغاة والأوغاد عامة.. يجب أن تُبقي لضحاياك شيئاً يخافون أن يفقدوه.. لا تكن غبياً وتأخذ منهم كل شيء.. عندما يقيّدون سجينا ويجرّدونه من ثيابه ويصعقونه بالكهرباء، فإنهم بهذا يكسبون خصماً عنيداً شرساً.. لقد صارت حياته كلها تنقسم إلى ما قبل الكهرباء وما بعدها.. ما قبل الكهرباء كانت حياته كلها خوفاً من الكهرباء.. بعدها لم يعد يخاف شيئاً.
* تعريف التفاؤل؟.. إذا قال القائد لجنوده إن العملية خطرة، وإنه يتوقع أن يموت 99 من مائة منهم. فإن التفاؤل يجعل كل واحد ينظر لرفاقه دامعاً ويقول لنفسه: يحزنني فقد الرفاق!
* غريب هو ذلك العالم المتشابك الكامن تحت فروة رأسي.. أبداً لن أتمكن من فهم ذلك الكائن الذي هو أنا.
* نحن مُجرد نمل يحيا فوق برتقالة فاسدة، نتصارع.. ونحقد.. بينما الكون يردد لحنه الأعظم.. فلا نصغي.
* ستكون مشاهد جنازتي جميلة ومؤثرة لكني لن أراها للأسف برغم إنني سأحضرها بالتأكيد.
* فكرة الموت بدت لي رهيبة، أنام الآن ثم لا أصحو أبداً، أن تكون هذه آخر علاقتي بضوء الشمس والجريدة وطعام الإفطار.
* معظم الناس لا يحبون المنطوي، ولا يستريحون له بشكل عام، إنهم يفهمون أن تكون وقحاً، أو أن تكون صاخباً، أما أن تكون منطوياً مُهذباً غامضاً فهم يظنون بك الظنون.
* تكفير الآخرين أمتع شيء في العالم.. يضعك في منصة القاضي وليس بأي قاضٍ؛ إنه القاضي المتصل مباشرة بالسماء.. بعدما كُنت شخصية باهتة مُسطحة صارت كلمتك قاطعة كسيف ولا أحد يجرؤ على الاعتراض.. ترمق الناس بنظرات الشك والاتهام طيلة الوقت.. هل توجد لذة أقوى من هذه؟
* قالوا إن الضحك يحرك عضلتن بينما الغضب يحرك عشرين عضلة.. فلماذا تتعب نفسك إذن؟.. ذا صحح.. لكن الغضب يحافظ على اتزانك النفسي ويخرج طاقتك العدوانية بدلاً من أن تآكلك من الداخل كالحمض.
* لماذا كان قياصرة روما وعامة الشعب يحبون رؤية العبيد، وهم يقطعون بعضهم بعضاً؟ لماذا لم يمنح الفقر الفقراء بعض الرحمة؟ على قدر علمي فإن مزاج الأباطرة يختلف تماماً عن مزاج العامة… فلماذا اتفق المزاجان على شيء واحد: القسوة؟
ـ من «قصاصات قابلة للحرق»

* عندما تشم الحريق ولا تنذر من حولك.. فأنت بشكل ما ساهمت في إشعال الحريق.
* الخروف الذي يفكر، يصير خطراً على نفسه وعلى الآخرين.
* عندما تخترق آخر حدود التعقل تشعر بأن العقل يتمدد ليضم لنفسه حدوداً أخرى يسيطر عليها الاعتياد والملل والرتابة.
* يتوقف الأمر على قيمة ما يدافع المرء عنه بالنسبة له وليس بشكل مطلق.
* من أنا؟ دعنا من الأسماء.. ما قيمة الأسماء عندما لا تختلف عن أي واحد آخر؟
* أفضل الغشاشين طراً هو من يغش المخدرات… هذا الرجل قديس يعمل لمصلحة الناس؟ في رأيي إنه مصلح اجتماعي ينعم بالمال!
* أغلب الناس يحبون أن يروا الأغنياء المتغطرسين يفقدون كرامتهم، السبب أن معظم الناس في الحقيقة فقراء.
* الطبقة الوسطى التي تلعب في أي مجتمع دور قضبان الجرافيت في المفاعلات الذرية.. إنها تبطئ التفاعل ولولاها لانفجر المفاعل.. مجتمع بلا طبقة وسطى هو مجتمع قابل للانفجار.
* إنها أخلاقيات الزحام.. ضع ست دجاجات في عشة ضيقة وراقب كم تصير مُهذبة.. لو أن دجاجة واحدة لم تفقأ عين جارتها أو تلتهم أحشاءها فأنا مخطئ.
* لماذا كان أباطرة روما وعامة الشعب يحبّون مشاهدة العبيد يمزقون بعضهم؟ لماذا لم يكسب الفقر الفقراء رحمة؟
* الأخلاق تتآكل في الفقر كما يتآكل المعدن الذي يقطر فوقه الماء.
* هناك خلل اجتماعي أدى إلى ما نحن فيه، لكنه خلل يجب أن يستمر.. كل من يحاول الإصلاح يجازف بأن نفقد كل شيء.
* هذه مزية أن تهتم بأمور لم تعد تهم أحداً.. على الأقل لن يسرقك الآخرون.
* لقد تحول هؤلاء القوم إلى مخلوقات أبعد ما تكون عن البشر.. قشرة مخ لم تعد تؤدي أي دور معهم.. فقط يتحركون للجنس أو للعنف.. الاغتصاب يمنح الشيئين معاً.
* ها أنتم أولاء يا كلاب قد انحدر بكم الحال حتى صرتم تأكلون الكلاب!.. لقد أنذرتكم ألف مرة.. حكيت لكم نظريات مالتوس وجمال حمدان ونبوءات أورويل وهـ.ج. ويلز.. لكنكم في كل مرة تنتشون بالحشيش والخمر الرخيصة وتنامون.
الآن أنا أتأرجح بين الحزن على حالكم الذي هو حالي، وبين الشماتة فيكم لأنكم الآن فقط تعرفون.. غضبتي عليكم كغضبة أنبياء العهد القديم على قومهم، فمنهم من راح يهلل ويغني عندما حاصر البابليون مدينته.. لقد شعر بأن اعتباره قد تم استرداده أخيراً حتى لو كانت هذه آخر نشوة له.. إنني ألعنكم يا بلهاء ألعنكم لكن ما أثار رعبي أنهم لا يبالون على الإطلاق.. لا يهتمون البتة..
إنهم يبحثون عن المرأة التالية ولفافة التبغ التالية والوجبة التالية ولا يشعرون بما وصلوا إليه.
ـ من رواية «يوتوبيا»