الملحق الثقافي

جنون «مستر هيتش»

ألفريد هيتشكوك في عوالمه الخاصة

ألفريد هيتشكوك في عوالمه الخاصة

اختصر اسم ألفريد جوزيف هيتشكوك بصفة (مخرج الإثارة والرعب). وإذا كان الاسم المختصر الآخر لهذا المخرج العبقري أي (مستر هتش)، يكفي لاختصار كل عوالمه السينمائية الطاغية، لكن لا بد من التذكير بأن الإثارة التي «صنعها» هيتشكوك لم تكن أبداً مبتذلة. إنها الإثارة التي تحمل في طياتها تلك الأسئلة الفلسفية المدوّخة، التي ترافق الإنسان وهو يواجه هواجسه الداخلية أو الخارجية..

«إن ذكر حادثة في جريدة لن يكون لها أبداً الأثر القوي مثل الفيلم، فالكوارث تحدث فقط لأناس آخرين.. أناس لا يعرفهم أحد، لكن الشاشة تعرض لك مباشرة القاتل، أو ضحيته، وأنت تخشى على الضحية، لأنها قد أصبحت شخصاً تعرفه، وهناك الآلاف من حوادث السيارات كل يوم، ولكن إذا حدثت واحدة لأخيك، فعندئذ يبدأ اهتمامك.. فيجب على بطل الشاشة أن يصبح أخيك، أو خصمك ذلك إن كان الفيلم جيداً».
هذه هي وجهة نظر مستر هيتش، أو أشهر مخرج في تاريخ السينما ألفريد جوزيف هيتشكوك (1899 ـ 1980)، وكان جوابه الكاشف عن المدخل الصحيح لصناعة فيلم تشويقي مؤثر، رداً على سؤال المخرج الفرنسي الشهير فرانسوا تروفو عقب تصوير فيلمه قبل الأخير «جنون» (1972) Frenzy، الذي استعاد به عافيته الفنية، بعدما فشل في فيلمين سابقين في إبهار الجمهور والنقّاد على غير العادة.
في فيلمه هذا يعود هيتشكوك بعد عقدين كاملين الى مدينته الأولى (لندن)، التي عاش فيها طفولته وشبابه، بعدما أعجب برواية «مع السلامة بيكاديللي ـ وداعاً ميدان ليسيستر» Goodbye Piccadilly, Farewell Leicester Square، خاصة مشاهد سوق كوفنت جاردن، التي أعادت بداخله الحنين، عندما كان والده بائعاً للخضراوات في هذا السوق المعروف، ليشرع بعدها في تصوير فيلم «جنون» المستمد منها، بطاقم بريطاني كامل، ولمدة 13 أسبوعا، بعد أن حدد رؤيته البصرية للمصور البريطاني ج. تايلور، بأن يكون نسيج الفيلم الضوئي كالكابوس الواقعي، وليس كمطرقة رعب تدق على مشاعر المشاهدين..
يفتتح الفيلم بمقدمة بديعة حيث تتحرك الكاميرا طائرةً فوق نهر التايمز، وتستمر في توغلها مع موسيقى تصويرية أوركسترالية فخمة، كأنما يحتفل فيها هيتشكوك بعظمة مدينته الأم، حتى نصل إلى جمع من الناس على ضفاف النهر يستمعون في هدوء يكلله سرب حمام وديع يطير حولهم، إلى خطبة من محافظ المدينة أمام المبنى الكلاسيكي، فتتحول الموسيقى الى لحن ناعم شجي من الوتريات، فيدخلنا الفيلم في حالة استرخاء نفسي مقصود، وبلهجة متفائلة يعد المحافظ بمحاربة تلوث النهر، ويتجاوب الحضور مع كلماته باسمين، ثم يقطع هيتشكوك هذا الاسترخاء الخادع، فور رؤيتهم جثة امرأة فوق صفحة النهر، تقترب بهدوء تجاه الشط، وحول رقبتها رابطة عنق.. ونعرف أن في المدينة سفاح نساء معقد نفسياً يقتل ضحاياه برابطة عنقه بعد اغتصابهن، لنضع يدنا على مفتاح الفيلم، وفلسفة صانعه في كل أفلامه، حيث أن هدوء المدينة، وسلامها الظاهري يكمن بداخله شرور كثيرة، تتم داخل دروبها، أو فوق مياهها الناعمة، فليست الحياة هي ما نرى على سطحها، بل ما يجري في أعماقها…

صوت وصورة
نتابع جرائم القاتل (رَسْك) في الفيلم، في حين نرى صديقه البريء (بلاني) المتعثر مالياً، يتورط في اتهامه بقتل طليقته، ومشهد القتل يذكرنا ـ نوعاً ما ـ بمشهد قتل البطلة في فيلم «سايكو» (1960)، لكن هنا يبدأ المشهد بعد مرور 25 دقيقة من فيلمنا ـ مدته 116 دقيقة ـ بحوار متبادل بين المجرم، والضحية (طليقة صديقه) في مكتبها، ثم تتصاعد حدّة الحوار الدرامية، حتى يبدأ القاتل المهندم في الهجوم عليها لاغتصابها، ثم يخلع رابطة عنقه، ويخنقها ببشاعة، فيقدم لنا (هيتشكوك) هذا الحدث وحده في حوالي (80) لقطة كلها لقطات مكبّرة، ومكبّرة جداً، لأن بطبيعة هذه اللقطات تؤدي إلى التعاطف مع الضحية، والنفور من المجرم، ويزيد هذا القطع الكثيف، وتفتيت المشهد لكل هذه اللقطات من نبض الإيقاع الداخلي، فتلهث معه أنفاس المتفرج، إذ لم يترك خيال هذا المبدع الغزير تفصيلة في جسد ووجه الضحية وهي تقاوم، وجعل الكاميرا من عدة زوايا ترصد تباين مشاعرها من الرجاء، إلى الخوف المشوب ببعض المقاومة، إلى الاستسلام مرة أخرى، في مقابل وجه المجرم الذي تكسوه ملامح مقززة، وهو يحبك الخناق حول رقبة ضحيته بعد أن اغتصبها.
وهنا يهمنا أن نلفت النظر لأهم أدوات هيتشكوك، وهو شريط الصوت، الذي طالما تلاعب به ببراعة، ليوصل الإيحاءات، الذي يود بثها في وجدان المتفرج، إذ أنه منذ بداية المشهد، كان شريط الصوت خال من أي موسيقى تصويرية، ولا يوجد أي صوت أيضاً لخلفية المكان، سوى آهات وتوسلات الضحية لربها، وصوت المجرم، وهو يزوم، ليفرج عن انفعالاته النفسية المركبة، ثم سرعان ما ينطلق صوت رنّات التليفون بالمكتب، إذ يستغلها هيتشكوك لزيادة التوتر الدرامي، ولشد كل تركيز المتفرج في ثنايا المشهد، ثم يمنع أي صوت من جديد، ونحن نراقب القاتل، وهو يمسح عرقه، ثم فجأة تنطلق الموسيقى التصويرية لتصدر نفيراً صارخاً، يلتحم مع لقطة مرعبة للضحية، وهي تفتح عينيها، ويتدلى لسانها من فمها، فنصل لذروة مأساة الحدث، وهكذا ينتهي المشهد في حوالي (140) لقطة لمدة 10 دقائق.
تعمّد المخرج أن تكون إضاءة المشهد النهارية محايدة وغير حادة، وكذلك الإحساس اللوني العام للديكور والملابس جاء هادئاً، وهنا يكمن سرّ تفرّد المخرج عن بقية المخرجين العاديين، عندما نجد جريمة قتل مفزعة تتم دون موسيقى مستهلكة، أو مؤثرات صوتية إلا في لحظات محدودة جداً، وفي وسط لوني مستوحى من ألوان الرسام الهولندي يوهانس فيرمير غير الساخنة..

الصمت المدهش
أيضاً هناك عنصر الصمت المشحون بالدراما الذي يلعب دوراً خلاقاً بعد هذا المشهد، عندما نرى (سكرتيرة الضحية) تدخل مبنى المكتب من الخارج، فلا تتبعها الكاميرا، لنرى رد فعلها عند اكتشافها الجثة، لكن هيتشكوك يثبت الكاميرا على بعد أمام باب المبنى الخارجي، وبعد مدة نسمع أصوات خفيفة لأقدام سيدتين تمران أمام باب المبنى دون أن تتحرك الكاميرا قيد أنملة، ثم فجأة تداهم أسماعنا من أعلى صرخة السكرتيرة، فتشرخ الصمت الدرامي الذي استغرق 30 ثانية ثقيلة.. وبعدها يهرب البطل البريء من الشرطة بعد اتهامه بقتل طليقته في مكتبها، فينتهز القاتل هروب صديقه الحميم البريء لينفرد بصديقته، ويصحبها إلى شقته، ويقتلها بنفس الطريقة، ثم يضع جثتها في جوال، ويضعها في عربة نقل مملوءة بأجولة البطاطس، لنرى مشهداً رائعاً من إمضاء مستر هيتش، حيث يعود القاتل ليقفز داخل العربة بعد اكتشافه أن دبوس رابطة العنق الخاص به (أول حرف من اسمه)، قد نزعته الضحية بيدها، وهي تحاول مقاومته، فيدخل تحت غطاء السيارة الخلفي ليلاً، وفي إضاءة خافتة يبحث عن الجوال الذي فيه الجثة وسط باقي الأجولة المتكومة، ويظل يفتش في عدة لقطات (مكبّرة جداً)، ونتفاعل معه لدرجة التماهي، كما ألمح الناقد الأميركي روجر إلبرت في رصده النقدي للفيلم، ويستغل هيتشكوك ضربات أنوار السيارات المنطلقة في الطريق الطويل المظلم، فينبعث منها جواً من الإثارة، مع اختباء القاتل داخلها، وهو يجاهد للبحث عن الجثة داخل الجوال، حتى يجدها، فينشأ صراع سينمائي خالص بين القاتل والمقتولة، يزداد عند انتزاع الدبوس من أصابع يدها المضمومة.
ويوظف هيتشكوك مرة جديدة المؤثر الصوتي لصوت طرقعة الأصابع، فيقوى الإحساس بأنسنة الجثة الميتة، كما جعل المخرج حبات البطاطس المتحركة شخصية حية خاصة مع صوتها عندما تتدحرج، فكأنها تشارك في الحدث، وتشهد عليه. ويستمر المشهد دون موسيقى تصويرية أيضاً، ولا نشعر بمرور حوالي (100) لقطة تسودها اللقطة المكبرة بالطبع، وننتهي لمشهد صغير لاحق للجثة العارية ملقاة في وسط الطريق المعتم. ثم يتابع الفيلم البطل البريء بعدها، حتى يهرب من السجن، ليثبت براءته، ويصل لبيت صديقه القاتل الغادر، ليكتشف مع وصول المحقق، وجود جثة أخرى جديدة، وعلى رقبتها رابطة عنق السفاح المريض (رَسْك)، فينتهي الفيلم بجملة المحقق للمجرم: أنت لاترتدي رابطة عنقك، يا سيد رَسك!!.

صياغة مشهدية
تتبلور القيمة الفنية لهذا الفيلم المتميز، وفي لغته السينمائية التي تنطبع في الذاكرة، وأبرز نماذجها ـ بالإضافة لما سبق ـ ذلك المشهد الذي حاز إعجاب أهم نقّاد ومخرجي السينما، إذ يصطحب القاتل رفيقة صديقه البريء الهارب عازماً على خنقها، في وسط حركة العمل المتقنة بسوق كوفنت جاردن في الخلفية وحولهما، وحيث تكون جملته الأساسية لها قبل مغادرتهما السوق، لقتلها: لقد ملكتي الحياة كلها أمامك.
ولا يرينا هيتشكوك جريمة القتل، ولكن يعبّر عنها ـ في هذا المشهد ـ بحركة طويلة ومدهشة للكاميرا، تنسحب للوراء في نعومة ماكرة، بعيداً عن باب الشقة بعد إغلاقه في الطابق الأول، وقد بدت حركة الكاميرا كأنها تمت في استمرارية كلقطة (واحدة) لمدة دقيقة وربع، بعدما أخفى هيتشكوك (القطع Cut) بحرفية شديدة فور خروج الكاميرا من داخل مبنى القاتل ـ تم تصويره في الأستوديو ـ فكان الصمت أبلغ تعبير عن وقوع الجريمة التي يتخيلها المتفرج، مما يكاد يحفّز شعوره للصراخ، آملاً في إنقاذ الضحية من قبَل أي من هؤلاء المارة، وعمال السوق، الذين يمرّون أسفل المبنى في الشارع اللندني الشهير الصاخب، لكن الكاميرا تكمل حركتها للوراء بنفس الإيقاع والصمت المقلق، ثم تدب أصوات الحياة الطبيعية في الشارع تدريجياً، في حين تدور الجريمة فوق الرؤوس دون أن يشعر بها أحد.
المشهد يصعب التعبير عنه بالكلمات، لأنه باختصار: سينما في سينما!! وهكذا رسم الطفل العجوز هيتش عوالم الخوف داخل النفس، ودوافعه، وظواهره، متبنياً المذهب الأرسطي في التطهير عن طريق إثارة غريزة الخوف لدى المشاهد، ولأنه مر في طفولته في نفس المدينة بحادثة صغيرة، أودت به إلى قسم الشرطة، فظل خائفاً حتى آخر حياته من الشرطة ـ كما ذكر بنفسه ـ فأراد أن يعالج هواجسه، عبر أفلامه، بالكشف عن مكامن الخوف بأشكاله المختلفة، فأمتعنا، وأضاف لوعينا الكثير عن خبايا عالمنا المُعاش بأسلوبه المميز، وبصمته السينمائية.

سيّد التشويق
منح المخرج ألفريد هيتشكوك لقب «سير» قبل وفاته، وهو رتبة فائقة الامتياز ضمن الإمبراطورية البريطانية، وذلك تقديراً لإنجازاته غير المسبوقة في السينما، خصوصا ريادته في العديد من التقنيات والتشويق والإثارة النفسية.
اشتهر هيتشكوك في بلده بريطانيا مبكراً، لكنه انتقل إلى هوليوود عام 1939، وأصبح مواطناً أميركياً في عام 1955.
كان هيتشكوك من الرواد في استخدام الكاميرا المتحركة بطريقة تحاكي نظرات الشخصية في الفيلم. قصصه تتضمن غالباً أشخاصاً هاربين من العدالة برفقة شخصيات نسائية.
يركز هيتشكوك على تصوير العنف والقتل والجريمة، ويستخدم الخدع البصرية أو ما يسمى بـ«MacGuffins» لكي تخدم موضوع الفيلم والحالة النفسية للشخصيات، تقتبس أفلام هيتشكوك أيضاً العديد من محاور التحليل النفسي.
وقد ظهر هيتشكوك في مشاهد قصيرة من بعض أفلامه. وقدم أكثر من خمسين فيلما. وهو جاء في المرتبة الأولى في استطلاع لنقاد السينما نشر عام 2007.
بدأ هيتشكوك حياته المهنية عام 1919 بكتابة العناوين الفرعية للأفلام الصامتة في استوديو لاسكي بلندن. وهناك تعلم المونتاج وكتابة السيناريو وصار مساعد مخرج عام 1922. وعام 1925 قدم أول أفلامه «حديقة المسرات». كان أول فيلم يشتهر به هو «النزيل» (1927)، وفيه قدم طابعه المميز: البريء الذي يتهم بالقتل ويحاول الفرار وإثبات براءته.