الملحق الثقافي

حكاية الحطّاب وذيل الثعبان

بينما راح الحطّابُ الشاب يعمل بساعديه القويين في تقطيع شجرة، فوجئ بذيل ثعبان ضخم غليظ يتحرك مقترباً منه والدماء الطازجة تسيل من موضع بتره، ولسببٍ ما، رأى خلف ذلك البتر وجهاً مكتملاً لامرأة.
حتى هذه اللحظة، كان الحطّابُ الشاب، ومع كل ضربةٍ من فأسه القوية، يسمع دقةً نابضة من قلبه الخالي الذي يبحث عن الحب، ويفكِّر في الملامح المضببة لفتاة ينتظرها ولا تجيء.
منذ زمن والحطّاب الشاب مؤرق بالبحث عن فتاة أحلامه، خاصة أنه لم يعثر في المدينة كلها على فتاة تحتل قلبه. هذا رغم أن جميع فتيات مدينة الحوائط يتمنين نظرةً واحدة منه، فهو رجل فتي مفتول موفور القوة، وله ساعدان متينان تنفر منهما العروق، فضلاً عن وسامته التي لا ينكرها أحد.
لقد بنى كوخه بنفسه، رافضاً أن يعيش بين حوائط المدينة كالآخرين، على تخوم مدينة الحوائط، في الطبيعة المفتوحة التي لم تكن مع ذلك تكف عن التقلص مع زحف المدينة عليها. أثثه كأفضل ما يكون من خيرة أخشاب الشجرات المعمرة، أما السرير المخصص لرفيقة أيامه المُنتَظرة فقد صنعه من مزيج أخشاب نادرةٍ معطرة. كان الحطابُ الشاب واثقاً أن أي فتاة يتمناها تستحق أن تتنسم عبيراً خاصاً في المكان الذي سيشهد أحلام بقية حياتها.
استفاق الحطّاب على الذيل الذي ظهر ليخرجه من أحلام يقظته بدمٍ حقيقي، لزج وسُخن، وكان منظره باعثاً على التألُّم، رغم أن الحطاب الشاب كان يدرك - بخبرة العمل التي تفوق عمره الحقيقي وحكمة الأجداد التي يحفظها حتى أنه قادر على تلاوتها - أن كل ما يزحف على الأرض ينتمي لسلالة الشيطان، وأن الثعابين بالذات تزعجها رائحة الدم الإنساني فتسعى لتجفيفها بلدغاتٍ قاتلة. وكان الحطّابُ قد شطر بفأسه ثعابين عديدةً قبل ذلك رآها تزحف بين الحشائش باتجاه دمه.
واصل الحطَّابُ عمله مطمئنًّا، فطالما الرأس ليس موجودًا لن يستطيع الذيلُ إيذاءه. لكنه ارتعب حين بلغ مسامعَه صوتٌ قادم من تحت قدميه. مرتعبًا أنصت الحطّاب الشاب دون أن يجرؤ على خفض بصره ليرى، وسمع: «أتوسل إليك ألَّا تتجاهلني.. فقد جئتُ لأساعدك في تحقيق ما تريد مقابل أن تعينني على تحقيق ما أريد».
شملت رجفةٌ غريبة كيان الحطاب، حتى أنه شعر بجسده القوي يذوب مرتعشًا. طاف بعينيه ليمسح المكان، محاولًا إقناع نفسه أن ثمة شخصًا ما في المنطقة هو من يتحدث، لكنه لم يجد، وكان يعرف أنه لن يجد، لكنه لم يكن يريد أن يصدق أن الصوت قادمٌ من ذيل الثعبان الجريح.
أكمل الذيل، ولم يكن الحطّاب بعد تجرأ على النظر إليه: «إنني عاشقٌ شاب، تعرضتُ لسحر أسود ليلة زفافي إلى حبيبتي.. فتحولتُ أنا إلى ذيل ثعبان وهي إلى رأسه.. وهممنا نزحف على الأرض.. كلٌ منا تنز الدماءُ من جسده.. ولا بد أن نتَّحد من جديد قبل أن تجف الدماء لنعود إلى هيئتينا وإلا سنظل هكذا إلى الأبد».
لم يكن الحطاب الشاب قادراً على تصديق ما يسمع، ووجد نفسه لا إرادياً، هو الخائف المرتعد، ينزل مقرفصاً ليقترب من الذيل المبتور الذي سقى العشب بدمائه حتى شعر الحطاب أنه في حديقة دموية بينما يغالب الغثيان. بدأ الذيل يكمل: «عندما عرضتُ الأمر على ساحرة المدينة أخبرتني أن السحر الذي تعرضت له قام به شخصٌ آخر في مدينةٍ أخرى كان يحب فتاتي لذا لن تستطيع هي إبطاله.. وأنني لكي أعثر على نصفي الآخر لا بد لي من رفقة شخصٍ يبحث عن الحب».
بدا كلامُ الذيل غامضاً، لكن الحطاب الشاب، باندفاعٍ ولهفة، سأل وقد شعر أن الحكاية تقترب منه لتتقاطع مع حكايته: «لماذا؟»، فأجاب الذيل: «الساحرة أخبرتني إنني سأصل إلى حبيبتي عندما أوصِّل شخصاً يبحث عن الحب إلى حبيبته.. فعندما أصل خيطاً مقطوعاً بين حبيبين ينتظر كلٌ منهما الآخر سأصل خيطي المقطوع مع فتاتي المنتظرة.. فأنت سترى نصفي الآخر بعينيك، وأنا سأتشمم دماء قلب نصفك الآخر بدماء قلبي الساخنة التي ما زالت تسيل».
وأكمل الذيل، وقد اقترب منه الحطاب أكثر وأكثر حتى كاد أن يقعي بالكامل على بطنه: «لقد منحتني الساحرةُ المُعمِّرة اسمك أنت تحديداً.. وطلبت مني أن أبحث عنك.. قالت إنك الشخص الوحيد في المدينة الذي يحمل بين ضلوعه قلباً خالياً، كما أخبرتني أنك ستعثر على فتاة أحلامك في مدينةٍ أخرى وإنه لا بد لك من قطع رحلة بعيدة إن أنت أردت تحقيق حلمك».
فكَّر الحطابُ في كلام الذيل، وبدا له مقنعاً على غرابته، كما شعر به يشبه وجعه الشخصي، فحسم أمره في قرارة نفسه، مقرراً خوض التجربة، ولكنه لم يُظهر نيّته لذيل الثعبان. قال الحطّابُ مخاطباً الذيل وقد نهض من جديد ليقف على قدميه مُظهراً التماسك: «ومن أدراني أن حكايتك صادقة وأنك لا تريد بي شراً أو أذى؟»، فأجاب الذيلُ دون ذرة تردد: «يمكنك أن تطلب مقابلة ساحرة مدينتكم التي تثقُ فيها بكل تأكيد.. ولا أظن أنها قد تُعرضك لأذى من أجل غريب ممسوخ ومبتور مثلي».
وجد الحطابُ كلام الذيل واثقاً فتأكَّد أنه لا يكذب، ولكنه استدرك: «حسناً.. لكني سأصحب فأسي معي.. ولو شعرتُ ببادرة غدرٍ منك سأُحوِّلك في لحظات إلى آلاف الأشلاء الصغيرة التي لن تستطيع أن تلتئم بعد ذلك». هنا قال الذيل: «كنت سأرجوك لتوي أن تصحب فأسك معنا.. لأن الساحرة قالت إنك لن تجد في المدينة الغريبة التي سنرتحل إليها معاً شيئاً تقدمه لحبيبتك كمهر سوى فأسك هذه، التي ستكون هديتك الثمينة لمن مال لها قلبك»!
أنعشت كلماتُ الذيل آمالَ الحطّاب، وغذَّته بالأمل الذي يبحث عنه منذ فترة طويلة والذي أخذ يخبو يوماً بعد الآخر مثل بقايا النور في عيني كفيف. هنا.. حمل الحطّابُ فأسه على الفور وقال لذيل الثعبان بحسم من اتخذ قراراً لا رجعة فيه: «هيا بنا».
بدأ الحطّابُ مسيره مع الذيل الذي راح يزحف إلى جوار قدميه، حاملاً فأسه، حتى غادرا حدود المدينة تماماً. كل بضع دقائق كان الذيل يسأل: «ألم تر نصفي الآخر بعد؟»، ويجيب الحطاب: «ليس بعد»، ثم يسأل الحطّابُ الذيل: «وأنت.. ألم تشعر بقرب عثوري على حبيبتي المنتظرة؟»، فيجيب الذيل: «لا.. ليس بعد.. فدمائي تتهادى وفور أن تشعر بقرب ظهورها ستصطخب وتغلي».
ظلّا على هذه الحال، عبرا مدناً وبلداتٍ عديدة حتى أن الحطّاب لم يعد يعرف كم مر من زمن، وهل استمرت الرحلة ساعات أم أياماً أم شهوراً أم سنينا، حتى علا صوتُ بكاء في لحظة، أدرك الحطّاب أنه بكاء الذيل، وكان يسمعه لأول مرة، مستعجباً، مثلما استغرب للمرة الأولى عندما سمع صوت كلماته الخارجة من لا مكان.
انحنى الحطّاب على الذيل وسأله: «ماذا بك؟ هل بدأ اليأسُ ينال منك»؟ أجاب الذيلُ بصوتٍ مشروخ مهزوم: «لا.. ولكني بدأتُ أشعر بدمائي تجف وهذا يعني أنني أقتربُ من التحوّل لجثةٍ هامدة.. ولم أعد أملك سوى أقل القليل من الوقت لأنجو». طفرت دموعٌ من عيني الحطّاب، أخفاها بسرعة، محاولاً طمأنة الذيل المغدور: «لا تخف.. إني أشعر بشكلٍ غامض بقرب انفراج الأزمة». كان الحطّابُ يكذب لكي يهدئ صاحبه، ولكنه فور أن نطق بعبارته، فوجئ بفتاةٍ جميلة تتمشى وحيدةً في الخلاء المحيط بهما، والذي جعل الحطّاب يشعر قبل لحظات أنه في اللحظة التي يصمت فيها العالم. خفق قلبُ الحطّاب، وقبل أن يُنبئ الذيلَ بما رأى وشعر، فوجئ به يقول: «إنني أشم رائحة دم حبيبتك التي طال انتظارُك لها.. إنها قريبة.. قريبةٌ جداً».
هنا انفرجت أساريرُ الحطّاب، ووجد نفسه يُسرع الخطى باتجاه الفتاة، ليفاجأ بها، وقد صار على بعد خطوةٍ منها، ترتمي في أحضانه دون مقدمات. سمع صوتها، هامساً غامضاً يسيلُ في أذنيه: «أخيراً عثرتُ عليك!».
تبادلا قبلةً طويلة، كانت قبلةُ الحطّاب الأولى لامرأة، كاد الحطّاب أن يغيب فيها، مندهشاً لاستسلامه للسحر بهذه السرعة، قبل أن يقطع صوتُ الذيل استغراقه ناصحاً ومنبهاً في الوقت ذاته: «هيا امنحها فأسك بسرعة.. ولا تنسى أنني ساعدتك في تحقيق حلمك وتبقّى أن تساعدني بدورك لأعثر على نصفي الآخر قبل أن تجف دماءُ جُرحي وأتيَبّس للأبد».
على الفور مدّ الحطّابُ ذراعه بالفأس لحبيبته. احتضنتها كأنه قدّم لها قطعةً ثمينة من الذهب الخالص، ومنحت الحطّابَ ابتسامةً ممتنة ذاب لها جسده.. وبينما غاب في نشوته من جديد معاوداً تقبيلها، فوجئ بها توجِّه له ضربةً قاتلةً عند خصره، بفأسه بالذات، شطرته في لحظة إلى نصفين. في اللحظة نفسها تحوّلت الفتاةُ إلى نصف ثعبان له رأسٌ مرعبة تنز الدماء من موضع بترها. اقترب النصفان ببطء حتى اكتمل جسدُ الثعبان من جديد، وغمرت ضحكةٌ قاسية أرجاء الخلاء.. بينما بدأ الثعبان يزحف من جديد وقد صار أشد قوة وبأساً.
...........................................
* مصر
* من الكتاب القصصي «مدينة ا
لحوائط اللانهائية»، صدر مؤخراً بالقاهرة.