الملحق الثقافي

الأحكام المسبقة.. أعطاب فكريَّة

ينبغي غضّ الطرف عن ما لا نحبّه في الآخر لأنّ فينا ما لا يحبه الآخر أيضاً مما يسمح بالتفاهم مع الآخر (الاتحاد)

ينبغي غضّ الطرف عن ما لا نحبّه في الآخر لأنّ فينا ما لا يحبه الآخر أيضاً مما يسمح بالتفاهم مع الآخر (الاتحاد)

تمنعنا أحكامنا المسبقة من خير كثير، فقد تمنعنا من قراءة كتاب، أو اكتشاف ثقافة، أو سفر إلى مكان، أو تعرّف على إنسان. إنّها تمنعنا من فهم الآخر وتفهمّه، ومن ثمّ فهي تحرمنا من الوعي بالذات والرقيّ بها في مسالك الفهم والأنسنة والتعايش والسعادة.

نادراً ما ينتبه المرء، في زحمة الحياة، إلى أنّ كثيراً ممّا يصدره من أحكام على غيره هي أحكام غير مؤسّسة، تكتسي وجودها وشرعيّتها، في الغالب، من سلطة الجماعة وثقافتها التي تقدّمها إليه حقيقة جاهزة. وإذا حصل أن انتبه إلى غلوّ رأيه، تجده يسرع إلى البحث عن مسوّغات تبرّر إمعانه في حكمه. بل إنّه قد لا ينتبه إلى وجود هذه الظاهرة البشريّة أصلا، إلا عندما يكون موضوعا لها، إذ يدرك أنّ الأمر يتعلّق بآراء خاطئة، وغير مسنودة، يطلقها عليه الآخر بغير وجه حقّ. آنذاك فقط يحسّ بثقل الموضوع وخطورته؛ فإمّا أنّه يتعلّم الدرس بالتجربة الحيّة، فيعيد النظر في بعض مواقفه وتمثّلاته المسبقة، أو يتّخذ، موقفا أكثر تطرّفا، حسب استعداده ومزاجه النفسيّ والثقافيّ والظروف المحيطة به وبالجماعة التي يعيش في كنفها. فما طبيعة هذه الأحكام، وهل من سبيل إلى التحرّر منها أو التخفيف منها على الأقلّ.

ماهيّتها
يعني فعل «حكم»، في لسان العرب، قضى وفصل في أمور تخصّ الفرد أو غيره. والمسبق يعني، ببساطة، أنّ الحكم وليد انطباع أوّليّ أو تكرار لحكم عامّ موجود سلفا وغير مؤسّس. وعليه، فالأحكام المسبقة تنبني، بالأساس، على الجهل بالموضوع، جزئيّاً أو كليّاً، وعلى تعميم غير مشروع للجزء على الكلّ. بل إنّها قد تتضمّن نوعاً من التحامل (العنصريّ أو الجنسيّ أو الدينيّ أو غيره) والتنقيص من الآخر. غير أنّ الحكم المسبق قد يكون إيجابيّا أيضا، وقد يحمل على الذات كما على الآخر. وقد يكون نفعيّا، كما قد يكون فرديّاً أو جماعياً، بريئاً أو عدائيّاً، رمزيّاً أو ماديّاً. وأكثر من ذلك، فقد يكون غير منظّم، كما قد يكون منظّما في إطار أعراف وقوانين؛ وفي الحالة الأخيرة يكون أخطر لمكان ما تمنحه له المؤسّسة من قوّة على التنفيذ والانتشار، وما توفّره له من حماية.
ولا أحد يمكنه أن يزعم أنّه بمنأى عن هذه الأحكام! فهي تشكّل عند عامّة الناس عنصرا حيويّا، مثل الهواء والماء، وتتّخذ عند المثقّفين والسياسيّين أشكالا شتّى، تضفى عليها صبغة شرعيّة مثل «الرأي العامّ» والإجماع والتقاليد وغير ذلك. ولعلّ أهمّها ما قد يصدر عن مفكّرين وفلاسفة، رغم أنّهم أكثر حرصا أو ادّعاء أنّهم كذلك: فابن رشد الأندلسيّ في سياق التمثيل للبغض يقول، على سبيل المثال: «البربر يبغضوننا ونبغضهم»، ويصف إيمانويل كانت Kant الإنجليز بأسوأ النعوت؛ وكذلك يفعل بعض المستشرقين بالإنسان الشرقيّ وبعض الشرقيّين بالإنسان الغربيّ أو الإفريقيّ أو غيره. فالأحكام الجاهزة والانطباعات المزاجيّة والاجتماعيّة والثقافيّة والانفعالات السريعة هي العائق الأوّل في كلّ معرفة تروم الموضوعيّة. فليس بمقدور المرء، مهما ارتقى في المعرفة العلميّة، أن يتحرّر من جميع أحكامه المسبقة، الثقافيّة منها والمعرفيّة، فبعضها مغروس وثابت في طبعه، ومن ثمّ فإنّه يحتاج إلى بذل مجهود أكبر من أجل التخلّص منها؛ ولا يكفي العلم، بل يحتاج إلى خبرة وسفر ومعايشة الناس في محطّات وأمكنة وثقافات ولغات مختلفة.
فمهما ارتقى المرء، أو توهّم أنّه يرتقي، في مدارج العلم وتجربة الحياة، يظلّ مثقلاً بحقائقه الشعوريّة الفرديّة والجمعيّة «المطلقة»؛ وذلك لسبب بسيط هو أنّه لا يضعها، أو بعضها على الأقلّ، موضع فحص أو شكّ أصلاً. والأمثلة كثيرة وقريبة من أنوفنا؛ يكفي أن ينتبه أحدنا إلى أحكامه اليوميّة على الآخرين، فيجد كمّا هائلاً منها. فكم من أحكام خاطئة نصدرها، في بادئ الرأي، محكومين بخبراتنا «الصغيرة» وأمزجتنا «الكبيرة» و«حقائق» أهلنا وجماعتنا.

ضد العلم
تزداد الأحكام المسبقة على الآخرين عموميّة كلّما تباعدت الجغرافيات وتباينت الألسن والثقافات. فتجد بعض «العقلاء» منّا لا يتردّد في ذكر أسماء دول أو هويات بالاسم في سياق تقرير حقيقة من تلك الحقائق الشعوريّة الجمعيّة المطلقة؛ والبعض الآخر يتسرّع إلى القدح في الآخر المختلف بتهمة التعصّب والعنصريّة، دون أدنى تردّد أو حرص، متناسياً أنّ تلك الصفات نفسها هي التي تدفعه، هو الآخر، إلى تبنّي ذلك الموقف واعتماد ذلك الرأي، بعيداً عن أيّ قيمة أخلاقيّة أو دينيّة أو حجّة عقليّة أو حذر علميّ. ومن، يا ترى، يمارس الحذر العلميّ في حياته اليوميّة؟
يمارس الناس، في حياتهم الاجتماعيّة، كلّ أنواع الحذر، إلا الحذر العلميّ. والأمر قد ينطبق على العلماء أيضاً. ومن يتعجّب من ازدواجية خطابهم وسلوكهم، يتناسى، أوّلا، أنّ المجالين مختلفان؛ وثانياً، أنّ الأحكام المسبقة حاضرة في مجالات تخصّصهم أيضاً. وهذه قد يكون تأثيرها أخطر عندما تبتعد عن التحليل الموضوعيّ والموقف السليم؛ قد تؤدّي إلى آفات اجتماعيّة وصراعات قد تأتي على الأخضر واليابس.
غير أنّ كثيراً من الأحكام المسبقة تبقى أحكاماً عادية لا ضرر فيها، بل قد تتسامى أحيانا فتقدّم في شكل نكت؛ إذ يلاحظ في كلّ المجتمعات المتجاورة تبادل نكات تنقص فيها كلّ جماعة من الأخرى في نوع من حرب النكت، إلى درجة أنّ النكتة الواحدة قد تحكى بصيغتين مختلفتين أو أكثر لصالح هذه الجماعة أو تلك. ووراء كلّ هذا سبب واحد هو الجهل المزدوج بالذات والآخر من جهة، وتجاهل المشترك الإنسانيّ، والتركيز على الاختلافات التي يؤوّلها كلّ طرف لصالحه من جهة ثانية. فهل، يا ترى، هي ظاهرة طبيعيّة أم ثقافيّة؟
إنّنا، بالأحرى، أمام ظاهرة تجمع بين الطبيعة والثقافة في آنٍ واحد. فهي، أوّلاً، ظاهرة لا يخلو منها مجتمع، وتشمل مختلف فئاته وأفراده؛ وهي، ثانياً، تقوم على وهم عامّ، جمعيّ في الغالب، مكرَّس بوصفه حقيقة. والأمر لا يختلف فيه الإنسان العادي والمثقّف والعالم.

الوهم المشترك
وهي غير الظنّ، وإن كانت تشترك مع الظنّ في الوهم، لأنّ الظنّ قد لا يكون مسبقا، لكنّهما لا يختلفان فيما عدا ذلك. ومن المؤكّد أنّها ليست معرفة عقليّة، لكن المشكلة أنّ هذه الأخيرة نفسها تقوم على الظنّ، حسّاً كان أو خيالاً. فمن الحسّ والخيال يستقي العقل مادّته، ولا يتعامل مع الخارج في غياب حساسية مسبقة أبداً. وبعبارة أخرى، لا حكم من دون «فكرة» مسبقة!
ليست المسألة بسيطة إذاً، إنّ تاريخ نظرية المعرفة والمنطق كلّه ما هو إلا سعي إلى حلّ هذه المشكلة: كيف يمكن أن يكوّن الإنسان معرفة عقليّة موضوعيّة بالعالم حوله دون تأثير مسبق لحساسيته الإدراكيّة؟ ولأنّ هذه الأخيرة مشروطة بالطبيعة والثقافة معا، فإنّها تحول بينه ومسعاه إلى إدراك الأشياء حوله، كما هي في ذاتها لا كما تتبدّى له. فماذا يفعل الفلاسفة في كلّ مسارهم الفلسفيّ غير هذا!؟ ولعلّ أشهر مثال فلسفيّ على تعليق الحكم هو «شكّ» ديكارت Descartes وإيبوخي Epoché وهوسرل Husserl.

ثنائية الجهل والعلم
إنّها ثنائية الجهل والعلم. كلّما ارتقى الإنسان في العلم كبر شعوره بالجهل، وكلّما ارتقى في الجهل كبر فيه وهم العلم على نحو رفيع من التناسب. وهذه هي المعادلة الصعبة؛ فالعلماء أكثر الناس شكّاً وترّدداً في أحكامهم، بينما الجهّال أكثر الناس قطعيّة وتقريريّة في أوهامهم. فهل من طريق وسط بين طرفي النقيض، بين أقصى ما يمكن أن يصله العالم في علمه، وأقصى ما يمكن أن يبلغه الجاهل في جهله؟ أليست حكمة الحياة تقتضي من المرء أن يعرف كيف يتعايش مع جهله، فيضفي عليه بعض توابل العلم، كما يتعايش العالِم مع شكّه وحيرته، فيضفي عليه/‏‏ها بعض توابل الإيمان؟
ولعلّ قدر الإنسان أن يعيش بأحكامه المسبقة ويتعايش معها، يحمل صخرتها نحو الجبل، وحتّى إذا ما كاد أن يصل إلى القمّة، تهوي إلى أسفل السفح. والمهمّ أن يحاول رفعها إلى الجبل من جديد. فهي ملازمة له ولنظرته إلى الأشياء والناس من حوله؛ لا يخلو منها مجتمع إنسانيّ، بل لا يخلو منها ذهن إنسان. إنّها جزء من طريقة رؤيتنا للعالم ومن توابل حياتنا الاجتماعيّة. صحيح، أنّها معرفة ظنّية، لكنّها ثقافيّة جمعيّة، إن صحّ التعبير.
صحيح أيضا أنّ انتشار المعرفة وإمكانات السفر ووسائل التواصل ساهمت كلّها في كسر كثير من الحواجز الثقافيّة بين الناس. غير أنّ بعض الأحكام المسبقة، اليوم، صارت صناعة، وحرفة موجّهة. فبقدر مساهمة وسائل التواصل والتنقّل وانتشار المعرفة في التخفيف من الأحكام المسبقة، صارت تستعمل هذه الوسائل ذاتها في توجيه الرأي العامّ وعولمة أحكام جاهزة محلّية والتفنّن في نشرها على نطاق واسع؛ بل وتقديم تأويلات معيّنة لأحداث وحالات وتعميمها على جماعات ومناطق شاسعة في العالم.
وفي الجملة، «كُلّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ». إنّه شرط إنسانيّ قاهر أن تكون كلّ جماعة بما لديها فخورة وبما عند غيرها منتقصة! وهي القاعدة وعكسها استثناء. فاحترام الثقافات والنظرة العادلة إلى الآخرين وثقافتهم ولغاتهم أمر غير طبيعيّ؛ بل إنّ ذلك يقتضي تطوير القوانين وسنّ سياسات عامّة تمتح من هذه القيّم وتكرّسها محليّاً ووطنيّاً ودوليّاً. ولعلّ ذلك يحتاج، بالأحرى، إلى تربية وقيم أنتروبولوجيّة نكتسبها إمّا بالعلم والتدرّج في مراتبه، أو بالسفر والاحتكاك المباشر مع الآخرين.
فالسفر والقراءة الحيّة يمكن أن تساهم بقوّة في رفعنا من قاع أحكامنا المسبقة، وتحريرنا من شرطيّتنا الطبيعيّة والاجتماعيّة، إلى حدّ ما؛ لا برفضهما طبعاً، بل بفهمهما، ومن ثمّ فهم علاقتنا الأخويّة بالآخر وتفهّمه من جهة ما هو إنسان، يشبهنا في أصل الإنسانيّة ويختلف عنّا في فروع الطبيعة والثقافة. ولابدّ من غضّ الطرف عن الجانب الذي قد لا نحبّه فيه، لأنّ فينا بدورنا جوانب مماثلة، قد لا يحبّها فينا غيرنا أيضا؛ وهو الأمر الوحيد الذي يمكن أن يسمح بالتفاهم مع الآخر، وإلا فيكون الجهل والتجاهل والمنازعة. وقديما قال أفلاطون على لسان سقراط: «العلم فضيلة والجهل رذيلة».

حماية
الحكم المسبق قد يكون إيجابيّاً أيضاً، وقد يُحمل على الذات كما على الآخر. وقد يكون نفعيّاً، كما قد يكون فرديّاً أو جماعياً، بريئاً أو عدائيّاً، رمزيّاً أو ماديّاً. وأكثر من ذلك، فقد يكون غير منظّم، كما قد يكون منظّماً في إطار أعراف وقوانين، وفي الحالة الأخيرة يكون أخطر لما تمنحه له المؤسّسة من قوّة على التنفيذ والانتشار، وما توفّره له من حماية.

عقول جاهزة
الأحكام الجاهزة والانطباعات المزاجيّة والاجتماعيّة والثقافيّة والانفعالات السريعة هي العائق الأوّل في كلّ معرفة تروم الموضوعيّة. فليس بمقدور المرء، مهما ارتقى في المعرفة العلميّة، أن يتحرّر من جميع أحكامه المسبقة، الثقافيّة منها والمعرفيّة، فبعضها مغروس وثابت في طبعه، ومن ثمّ فإنّه يحتاج إلى بذل مجهود أكبر من أجل التخلّص منها، ولا يكفي العلم، بل يحتاج إلى خبرة وسفر ومعايشة الناس في محطّات وأمكنة وثقافات ولغات مختلفة.

من توابل الحياة
لعلّ قدر الإنسان أن يعيش بأحكامه المسبقة ويتعايش معها، يحمل صخرتها نحو الجبل، وحتّى إذا ما كاد أن يصل إلى القمّة، تهوي إلى أسفل السفح. والمهمّ أن يحاول رفعها إلى الجبل من جديد. فهي ملازمة له ولنظرته إلى الأشياء والناس من حوله، لا يخلو منها مجتمع إنسانيّ، بل لا يخلو منها ذهن إنسان. إنّها جزء من طريقة رؤيتنا للعالم ومن توابل حياتنا الاجتماعيّة. صحيح، أنّها معرفة ظنّية، لكنّها ثقافيّة جمعيّة، إن صحّ التعبير.