الملحق الثقافي

حكاية الغِراس والتأسيس

أحمد القاسمي يكرم فريق مقهى بوحمدة وفي الصورة يكرم أحمد الأنصاري (أرشيفية)

أحمد القاسمي يكرم فريق مقهى بوحمدة وفي الصورة يكرم أحمد الأنصاري (أرشيفية)

بعد ساعات قليلة من الانتهاء من المراسم حاولت أن أتجه إلى مقبرة الجبيل، وهي محطة مهمة في حياة البشر تتوقف عندها كل الأحلام وتصبح النهاية حقيقة لا مفرّ منها. الطريق إلى هناك مفتوح، لن تمسك بك إشارات مرور، ولا حتى موانع صنعها البشر. وأنا أراقب الجميع ومن بعيد رأيت علامات الأسى والحزن تعلو الوجوه، ووصلت لي لوعة الحسرة على راحل مهم لنا جميعاً. ولا راد لقضاء الله وقدره، وهو أمر نتقبله ونستعد له جميعاً.

راحلنا هو الشيخ أحمد بن محمد بن سلطان القاسمي، شخصية صنعت لنا كل التاريخ الثقافي، بل سطرت أغلى الحروف، وهي التي نسجت وفرشت كل الدروب، بل ومهدت أصعب المواقف، وبالغالي والنفيس لننعم بما ننعم به الآن. فالشيخ أحمد بن محمد القاسمي هو زارع البذور الذي أشعل وهج الثقافة والفنون والمسرح.
منذ أن فكرت بالكتابة عن هذا الكبير، وأنا أتجول في سكيك المريجة بعد أن يئست من الوصول إلى المكان الذي تنتهي عنده كل البدايات، ولا يبقى إلا العمل الصالح والذكرى الطيبة وما زرع المرء من البر والإحسان وما ترك من السيرة العطرة، وأنا شاهد على ذلك الشريط الإنساني الذي تركه لنا المسافر، والأيادي تتسابق لعلها تصل إليه وتخبره بأنه زرع ونحن حصدنا.
الشيخ أحمد مزروع فينا، في كل شبر ثقافي فني ومسرحي تشكيلي بالشارقة، ويكاد اسمه يغطي خشبات المسارح بالشارقة والعالم العربي والعالم. هو شريط طويل من الحكايات، القليل منها معلن وأكثرها غير معلن، لأنه إنسان لم يكن يبحث عن الإعلان والشهرة بقدر ما يبحث عن الزرع والنظر إلى المستقبل.
سأكتفي ببعض المشاهد التي عايشناها عن قرب باعتبار أن لديه الكثير من الأجنحة التي يطير بها بحثاً عن الثقافة والإبداع في كل مكان، فنراه متجولاً ما بين قاعة أفريقيا (دوار الحكومة بالشارقة) والنادي العربي بالقرب من بريد الشارقة المركزي، والنادي الثقافي العربي على بحيرة خالد، وقبل هذا وذاك يسجل حضوره اليومي في جمعية الإمارات للفنون التشكيلية كأول الواصلين إليها.

الشيخ أحمد و«التشكيليين»
جمعية الإمارات للفنون التشكيلية وجدرانها تنطق بالكثير من الروايات، ويكفي أنه كان همزة الوصل بيننا وبين صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، حفظه الله ورعاه، والزمن شاهد على ما تفضل به سموّه على صعيد الاهتمام بالتشكيليين، إذ أعطى أوامره السامية بتأجير مكان يراه مناسباً لجمعية الإمارات للفنون التشكيلية، وكان ذلك في شارع الخليج العربي بمنطقة الحزانة (فلل السيد سلطان بن أحمد بن خادم). وقبل إشهار الجمعية عام 1979 كان مقرها الأول في مكتبة مسرح الشارقة الوطني، وبعد الإشهار انتقلنا إلى مقرنا الجديد، والسبب في ذلك هو أنني كنت أشغل منصبين: مدير مسرح الشارقة الوطني ورئيس جمعية الإمارات للفنون التشكيلية منذ التأسيس.
وقد أمر سموه بتوفير كافة احتياجات الجمعية، وهو ما تولاه الشيخ أحمد، الذي أمد الجمعية بالكثير من الأجهزة والمعدات، ويكفي أن أذكر جهاز تصوير العضويات وكان مكلفاً في ذلك الوقت، فتم التعاون بين مسرح الشارقة الوطني وجمعية الإمارات للفنون التشكيلية والتي أفادتنا في إصدار الكثير من البطاقات الخاصة بالأعضاء، وكانت تلك بادرة تحدث لأول مرة في تاريخ الجمعيات ذات النفع العام بالدولة، وكان ذلك - بالطبع - تنفيذا للأوامر السامية من صاحب السمو الحاكم بالاهتمام بالجمعيات ذات النفع العام بالشارقة، وتبني الصرف عليها باعتبارها رافدا حيويا للوعي الثقافي والإبداعي.
وفي ذاك الوقت تحملت الشارقة هذا الكم الهائل من الجمعيات ذات النفع العام بعد إشهارها ودعمها مادياً ومعنوياً للإيمان الكامل بأهمية التوجه الثقافي الذي نراه الآن يتحقق في مسيرة الشارقة الثقافية والمسرحية والفنية والاجتماعية، ولتأكيد الحرص على التفاعل معها وتوجيهها بناء على النهج السليم بما يخدم الإمارات والمجتمع الإماراتي، وفي كل هذا كان الشيخ أحمد هو من يقوم بهذا الدور، بشكل عام، ويعنى في شكل خاص بمسرح الشارقة الوطني وجمعية الإمارات للفنون التشكيلية التي شهدت معه كل البدايات.
ولم يكتف الراحل بذلك، فكان يصارع الزمن لعرض أعمالنا الفنية الخاصة بأعضاء الجمعية وما هي أيام إلا ويعطينا الإشارة بتبني معرض الجمعية السنوي في إكسبو القديم (بالقرب من جامع الملك فيصل حالياً) ومعه تشهد الإمارات عامة والشارقة خاصة انطلاقة أكبر المعارض الفنية التشكيلية والتي يحرص عليها الجميع ليصل إلى تلك الخيام الكبيرة وهي تحتضن كل المبدعين من الإمارات والعرب والمقيمين ومن أتاها من خارج الإمارات، وكل هذا وشيخنا الراحل يستقبل المبدعين وابتساماته المعروفة ليرسل للآخرين رسالة مفادها أن الشارقة مكان خصب للمبدعين.

لماذا إكسبو؟
المعرض الأول للجمعية بالشارقة أقيم في مدخل قاعة أفريقيا، حيث المركز الثقافي التابع للإدارة الثقافية بالشارقة آنذاك، قبل تحويلها لوزارة الثقافة والإعلام، وكان المكان صغيراً وصادف اجتماع اتحاد التشكيلين العرب بالشارقة وأيضا بدعم ورعاية صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان القاسمي، والشيخ أحمد القاسمي، لنبدأ مع هذا المعرض التاريخ العريض لجمعية الإمارات للفنون التشكيلية ومعارضها. في كل مكان نزرع اللوحة والعمل الفني، ونشجع المواهب ونكتشف العديد منها وهم الآن أسماء لامعة في تاريخ الفن التشكيلي بالإمارات، ولم يكن هذا سوى ثمرة من ثمرات عناية الشارقة ومن خلفها الشيخ أحمد بن محمد القاسمي الذي وجه بضرورة التوسع بالعمل الفني والمعارض.
وبالقرب من الشيخ أحمد بن محمد القاسمي كنت شخصياً شاهداً على جبل التواضع صاحب الأثر العميق ومخزون البساطة، وأنا أرافقه في معرض الفنون الوطني الأول بالشارقة كما إكسبو القديم الذي شهد واحتضن العديد من المعارض والمناسبات، في تلك الخيام التي أقيمت فيها الكثير من المعارض التجارية التي اشتهرت بها الشارقة خاصة، وكان كشاف إكسبو الكبير الذي يضرب بنوره سماء الشارقة وهو المؤشر الذي يترقبه الناس لأنه إعلان صريح عن حدث تجاري أو ثقافي بالإمارة الباسمة، ومرة أخرى، كان وراء هذا النور الراحل أحمد بن محمد القاسمي باعتبار أن عدسات هذا الكشاف الدائري الكبير مكلفة مادياً، لكن كان هناك هدف مرسوم لإتاحة الفرصة للناس بالاطلاع على هذه المعارض ومن ضمنها الفنون التشكيلية.

مهرجان الفنون الوطني الأول
قصة نجاح غير عادية في الإمارات والشارقة بالذات، وهو المهرجان الذي انطلقت منه وفيه كل المعارض التخصصية التي تجذَّرت في وقتنا الحالي؛ معارض جمعية الإمارات للفنون التشكيلية والتي جمعت ولوقت طويل التخصصات التالية: الفنون التشكيلية والخط العربي والتصوير الضوئي ورسم الكاريكاتير وأعمال النحت، وفيما استقر مسمى الجمعية الحالي، انفصل الخط ليصبح جمعية الإمارات لفن الخط العربي والزخرفة الإسلامية، وانفصل التصوير ليصبح جمعية الإمارات للتصوير الضوئي، واستمر الكاريكاتير في الجمعية وكان من إصداراته «ديرة الكاريكاتير»، ونفخر بأن يكون عضو الجمعية الفنان القدير حيدر محمد منتج شعبية الكرتون أحد رواد هذا الفن الضاحك. إلى جانب ذلك جمع المهرجان معرضا للطوابع التذكارية وأيضا للعملات والنقود، ومعها عقدت اهم الدورات والورش الفنية والندوات. ويكفي بأن يكون في إكسبو القديم الفنان العالمي الراحل ناجي العلي والفنان البحريني القدير عبد الله المحرقي.
وتحت هذه الخيم اشتهر العديد من الفنانين وهم في بداياتهم ليصبحوا من الأسماء والمشاهير في النشاط التشكيلي كل هذا يحدث بالقرب من الشيخ الراحل أحمد.
ولن أنسى ما حدث بينما كنت أحضر لتركيب المعارض، وإذا بالشيخ أحمد وقد شمّر عن ساعدية ورفع كندورته ليحمل وينقل معنا الأعمال الفنية من سيارات النقل وقد تخلى عن (الغترة والعقال واكتفى بالقحفية).
لن أنسى تلك الأيام مع الشيخ أحمد، ولن يغيب هذا الدرس عن ذاكرتي، فالشيخ أحمد سليل العائلة الكريمة الذي كان يرأس كل مدراء إكسبو ويرأس الدائرة الثقافية في الشارقة لقننا بسلوكه هذا درساً كبيراً في التواضع. وهذا ما أوصي به أصدقائي وأولادي بضرورة التمسك بالأخلاق، والتواضع، وعدم التعالي والتباهي. وفي ذاكرتي، مواقف كثيرة لن تمحى وستبقى محفورة،
عن شيخ الهمة والتشجيع والدفع إلى الأحسن والمثابرة والمتابعة وغير ذلك كثير.

الشيخ أحمد والمسرح
في مسرح الشارقة الوطني عاش الشيخ أحمد معنا أجمل الأيام واللحظات الإنسانية والتي ستبقى أيضاً دروسا في الالتزام، وما النجاحات والتواجد المحلي والخليجي والعربي والعالمي للمسرح إلا تباشير مستمرة لنا في عالم المسرح، ولم لا؟ ومسرح الشارقة الوطني يقف شامخا على قمة المسارح المحلية والخليجية. بنيانه الشامخ بناه الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، الحاكم المثقف، الذي يؤمن برسالة المسرح، وتاريخه سطره الشيخ أحمد الذي ترجم تلك التوجيهات غلى أفعال على خشبة المسرح حتى غدت الشارقة ضوءاً عالياً يصل إلى كل مكان.
مآثره كثيره لا تكفي المساحة لحصرها مهما اتسعت، ولكن يكفي أن يعلمنا التواضع ليس فقط على الأرض وإنما في الفضاء، حيث رفض أن يجلس في الدرجة الأولى وأصر على أن يكون معنا في الدرجة السياحية، متمسكاً ومصراً على بساطته كإنسان لا تهمه المظاهر ولا بريقها. كانت رحلتنا إلى تونس للمشاركة في مهرجان قرطاج المسرحي، ورفض أن يكون رئيساً للوفد حتى يبتعد عن الرسميات التي تفرض على الشخصيات الكبيرة، كما هو شيخنا الكبير الراحل أحمد القاسمي.
وفي رحلة مسرحية مقهى بوحمدة لم يفارقه التواضع أيضاً، وحرص على التواجد وأخذ الفريق على حسابه الخاص إلى معسكر فني شهير في تونس. والمسرحية، التي أخرجها المسرحي القدير الدكتور جواد الأسدي، خرجت أسماء كبيرة في عالم الإخراج المسرحي المحلي، وهي أيضاً من لبنات الشيخ الراحل الذي كان مؤمناً بأن المسرح يجب أن يكون فاعلاً، وممنهجاً، وبعيدا عن الإسفاف، وبفعله هذا، كان يعوض الكثير من الافتقار إلى الأكاديمية التي كان المسرح المحلي بحاجة إليها في ذلك الزمان. لقد تعودنا أن تكون هناك معسكرات رياضية طويلة المدى لبعض المنتخبات.. لكن المسرح اقتحم هذه المساحة أيضاً بجهود ودعم الشيخ الراحل ومع مسرح الشارقة الوطني الذي لم يتأخر عنه ولو لحظة واحدة.
ولن ننسى الدور الكبير الذي لعبه الشيخ أحمد في مسرح الشارقة الوطني حين أعطى الإشارة الأولى للبداية بالاهتمام بالمطبوع المسرحي الشهير مجلة «الرولة»، تلك المجلة التي بدأت بالنشرات العادية وسرعان ما تحولت إلى مجلة فصلية ملونة انتشرت في الوطن العربي، وقد ساهم في الكتابة بها العديد من الكتاب المحليين والعرب، ومعها أيضاً برزت جهود الراحل محمد عبد الله وعبد الواحد الانبابي، والدكتور عبد الإله عبد القادر، وغيرهم.
لقد أعطى الشيخ أحمد الكثير من جهده لإدارة المسرح فنياً، ووصل بمجلة الرولة إلى أقصى ما يكون حتى أصبحت مرجعاً فنياً للكثير من التحليلات المسرحية، ناهيك عن كونها باتت مصدراً من مصادر الباحثين في المسرح، فضلاً عن الاستفادة منها في رسائل الماجستير والدكتوراه.
ومن مآثر الشيخ الراحل حرصه على توثيق وتسجيل الأنشطة الفنية، ومن هنا فإن مكتبة الفيديو الضخمة التي نملكها في مسرح الشارقة الوطني هي أثر من آثاره الباقية، إذ تبنى مسرح الشارقة الوطني وقبل الدائرة الثقافية بالشارقة توثيق الكثير والعديد من المحاضرات والندوات التي كانت تحتضنها قاعة أفريقيا وأيضاً مقر الفرقة وأنشطة النادي الثقافي العربي، واتحاد كتاب وأدباء الإمارات، وبعض المناسبات الفنية، وكان الراحل يشد على أيدي المساهمين بعملية التوثيق هذه، حتى أصبحت هي الأخرى مصدراً للباحثين والأدباء والشعراء والأعمال المسرحية التي قدمت في الشارقة، خاصة الشخصيات السياسية وكبار نجوم المسرح العربي. أسماء ومشاهير في عهدة الشارقة التي كرمتهم، وكان شيخنا الراحل يصر على الحضور وتكريمهم.
هذا غيض من فيض عن شيخ الثقافة الراحل، الذي ترجل تاركاً إرثاً ثقافياً وفنياً، يجب علينا أن نحافظ عليه، ونكون حراساً له، وأن نكمل المسيرة الرشيدة تحت قيادة شيخنا المثقف، صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، الحاكم والراعي والمربي لشارقة الثقافة والعلم والتراث.
رحل الشيخ أحمد القاسمي، لكنه سيظل شمساً ثقافية لا تغيب.

جسور مع السوفييت
شهد الشيخ أحمد الكثير من الأحداث الفنية والتشكيلية، أذكر منها على سبيل المثال لا الحصر، أول اتفاقية رسمية تشكيلية بين جمعية الإمارات للفنون التشكيلية واتحاد الفنانين في الاتحاد السوفييتي قبل تفكيكه، وقد تشرفت بالتوقيع على هذه الاتفاقية مع السيد طاهر سلاخوف رئيس فناني الجمعية السوفييتية في مكتبه بشارع البنوك. وكان من ثمار الاتفاقية إقامة عرض فني تشكيلي للفنانين السوفييت في «إكسبو».. كما قدمنا معرضين فنيين منفصلين في موسكو وفي مدينة ليننغراد، وكان الغرض من هذه الاتفاقية مد جسور التعاون، ووصول فناني الإمارات إلى الطرف الآخر.

......................................................
* أستاذ مساعد كلية الفنون الجميلة، جامعة الشارقة.