الملحق الثقافي

أيام أحمد القاسمي

الشيخ أحمد القاسمي

الشيخ أحمد القاسمي

في ربيع 1981، تولّى الشيخ أحمد بن محمد بن سلطان القاسمي، رئاسة دائرة الثقافة في الشارقة. وفي ربيع 2018 اختارت الإرادة التي لا راد لقضائها، أن يختم هذا الرجل الجليل حياته بسجل حافل بالإنجازات، التي سطّرها تحت عناية ورعاية وتوجيه صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى للاتحاد، حاكم الشارقة.
بين التاريخين، صاغت الشارقة مشروعها الثقافي الرائد، الذي لا يتوقف بين ضلوعها، ولا يكتفي بالمدى الرحب للإمارات العربية المتحدة، ولكنه يمتد إلى كل مدينة ودسكرة عربية، فضلاً عن المحافل الدولية الساطعة.
سيرة الراحل الشيخ أحمد بن محمد بن سلطان القاسمي، هي بالضبط مسيرة الشارقة في دروب الثقافة، والفنون، والأدب. سيرة ومسيرة تكللت وتتكلل كل يوم بمنجز يؤسس للذي يليه. في غياب الشيخ أحمد بن محمد بن سلطان القاسمي، يستذكر الذي عملوا معه، وتحت قيادته، فكره النيّر، ومتابعاته الدؤوبة، واللمسات الإنسانية في شخصيته.

أعرب مثقفون وفنانون عن حجم الخسارة برحيل الشيخ أحمد بن محمد بن سلطان القاسمي، مؤكّدين الأثر الإنسانيّ والثقافي الذي تركه رجل نذر نفسه لخدمة المسرح والفن التشكيلي على وجه التحديد، وأسهم في توطيد أركان المسرح في الشارقة، مقدّمين تعازيهم الحارة لصاحب السّمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى للاتحاد حاكم الشارقة، برحيل الشيخ أحمد الذي حمل توجيهاته وكان متابعاً ومخلصاً لقضايا المثقفين والفنانين وهمومهم الإبداعيّة والمؤسسية.
واستذكروا في شهاداتهم لـ«الاتحاد» حرص الراحل الكبير على تكريم الفنانين وحثّهم على رفد مواهبهم بالدراسة والتحصيل العلمي، حيث كان صديقاً لهم، ظَلّ يبحث بتواضعه الجمّ وإنسانيّته العالية عن كلّ السّبل الكفيلة لجمع شتيت العمل الإبداعي الثقافي والفنّي في عمل مؤسسي، مثلما كان شديد الاعتزاز بفوز الفنان الإماراتي في المهرجانات المسرحيّة العربيّة العريقة.
وقالوا إنّ الشيخ أحمد بن محمد القاسمي كان حاضراً وفاعلاً في كلّ الندوات والنشاطات والمؤتمرات، ومهتمّاً بالارتقاء بمسرح الشارقة وداعماً قويّاً لكلّ الفرق المسرحية الجادّة، مثلما غرس في نفوس أصدقائه الفنانين والمثقفين حب الإنجاز والاستمرارية والبحث عن سبل النجاح، فأرسى قواعد إيجابيّة وتأثيراً حقيقياً لقربه من المبدعين وسؤاله الدائم عنهم، ليكون ناقلاً أميناً لتحديات العمل الفني والثقافي لصاحب السموّ حاكم الشارقة.

صاحب المبادرات
رأى الفنان المسرحي حميد سمبيج أن الشيخ أحمد كان صديقاً لكل المسرحيين، ومحباً دائماً لفعل الخير، ورجل معطاء بلا حدود، يدفع من جيبه الخاص في سبيل أي نشاط أو فعل مسرحي، وهو من شجعني على ضرورة استكمال دراستي في الفنون المسرحية أثناء إصابتي وإجراء عملية في الركبة ما اضطرني لتأجيل دراستي لمدة عام. كذلك كان متابعاً كبيراً وحاضراً لكل التدريبات والندوات المسرحية، وأول من يكرّم الفنانين على إبداعاتهم، وهو من أسهم في اجتماع 4 فرق مسرحية لإنتاج عمل مسرحي مشترك، وكان ذلك في أوائل الثمانينات بمسرحية «رأس المملوك جابر» وأول من نادى باتحاد عام يجمع كل الفرق المسرحية بالدولة.
وكان، يرحمه الله، متواضعاً يتابع كل صغيرة وكبيرة، ويوجّه بحل كل الصعاب التي تواجه الفرق أو المسرحيين، ويفضّل البقاء معهم ووسطهم. وارتقى بمسرح الشارقة لأعلى المراتب على الساحة المسرحية العربية والتي تكللت بإصدار الفرقة لمجلة الرولة المسرحية، وأيضا المشاركة بمهرجان قرطاج المسرحي، حيث فاز النجم أحمد الجسمي والفنانة القديرة سميرة أحمد بجائزة أفضل ممثل وممثلة، وغير ذلك الكثير الذي مهما تكلّمنا عنه لن نوفيه حقه.

خارج النمط
وقال الكاتب والفنان التشكيلي علي العبدان: فقدت الساحة الثقافية الإماراتية أحد الرجال القادة الذين قاموا على إدارة الثقافة في الشارقة في الثمانينيات وبداية التسعينيات في مجالاتها كافة، كان الشيخ أحمد الأخ الأكبر لفرقة مسرح الشارقة الوطني، فهو الذي سهر على متابعة أنشطته وتطوير مجالاته الحيوية كتشجيع المواهب الجديدة، وتشجيع التجديد في النصوص الإبداعية وأساليب العرض والإخراج، وكان قد حضّر بنفسه وشجع أداء مسرحيات خارج إطار «العلبة الإيطالية» لتغيير نمط العرض السائد، وذلك في الساحة الخارجية للمركز الثقافي بالشارقة ـ قصر الثقافة حالياً ـ ما جعل المسرح التجريبي في الشارقة والإمارات يأخذ مساراً جدياً وحيوياً عبر متابعته الشخصية، الأمر الذي وضّح للآخرين «ضرورة المسرح».
الشيخ أحمد بن محمد القاسمي هو الرجل الذي صادق الفنانين التشكيليين، وصادق تطلعاتهم إلى القيم الجمالية، كان يعيش آمالهم وتطلعاتهم كما يعيش آمال وتطلعات بقية المثقفين والأدباء، كأن تلك الآمال كانت آماله هو. كان يشهد تحضيرات المعرض العام لجمعية الإمارات للفنون التشكيلية، ويناقش الفنانين الإماراتيين في أعمالهم الجديدة.
وكان معرض الكتاب أحد الأنشطة التي يحرص عليها الفقيد رحمه الله، فكان المعرض يزهو بحضوره، وكانت ثمة حياةٌ أدبية في معرض الشارقة بفضل حرصه على متابعة المناحي الفكرية ضمن المعرض.

جمع متفرد
الكاتب والباحث والمسرحي، الأمين العام للمنتدى الإسلامي في الشارقة الدكتور ماجد بوشليبي، قال:
تجربة البناء الثقافي المؤسسي في الشارقة تنعكس في كثير من صورها وتتجلى في رجل كهذا، يمثّل جمعاً ثقافياً متفرداً، ومن شهد التجربة معه يدرك كيف يلمّ بمشروعه، ويدرك أسلوب احتضانه للأفكار والأشخاص، وسيعلم لماذا هذا الحزن والفقد، فهو يجيد الرسم على القلب ويصوغ كلمات الحياة رغم طبيعة الأشياء، فالثقافة، بل فكرة الثقافة كم كانت أيامها عصيّة.
وأضاف: شهدتُ معه التجربة منذ بدايتها، فأما الصورة الإنسانية فيه فهي أبعد من نوال الوصف، وخيال الأفق الثقافي معه كان أكبر من متخيل الرائي، كان يرى الثقافة كما لم تر، يراها عالمًا من الناس والحياة والمجتمع، ويسبق في هذا عميقاً غيره مما يراه في شيء واحد، فالرجل يجيد حياكة النماذج الحية من الأفراد والأجناس الثقافية، فهو من القليل الذي اكتشف وقرأ غير المألوف في حسن شريف، ودفع بأحمد الجسمي إلى امتلاك فضاء خشبة المسرح فما كان ينازعه أحد فيها، حراكاً ثقافياً لمهرجان الفنون، ودفةّ لمعرض الكتاب، وأباً لثقافة الطفل، الإنسان الذي فقدنا اليوم هو بعضنا بتلك الروح الحانية الباعثة على الأمل، القابضة على الذات، يصعب المثال ونأمل العزاء.

ثورة ثقافية
وقال الإعلامي أسامة طالب مرّة: صدمة الفراق وازت فراق أبي وأخويّ، لكن الإيمان بالقضاء الذي لا راد له والوفاء لروحه الطاهرة يجعلني بعد طلب المغفرة له، أن أكون صلباً كما كان يريدنا.
عقد ونيف من العمل مع الشيخ أحمد بن محمد القاسمي وعقدين ونصف العقد من الفراق الجسدي لم يحل دون تواصلنا الإنساني، حيث كان آخر لقاء شخصي معه يوم زفاف ابنه محمد إبان أكتوبر 2017، حينها شعرت بأن الروح عادت إليّ والطاقة الإيجابية التي أمدني بها تكفيني لعقود بإذن الله.
كان رئيساً للدائرة الثقافية منذ 30 أبريل 1981 وحتى بواكير عام 1993، من خلال رئاسته وفي ظل تناغم وإيقاع وانسجام صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة وبينه تم التأسيس الصلب «للثورة الثقافية»: محاضرات، ندوات، ورش عمل ثقافية، عروض سينمائية، أمسيات موسيقية، معارض كتب، مهرجانات لثقافة الطفل وأخرى للفنون الوطنية، وانطلقت أيام الشارقة المسرحية والمسرح المدرسي وتمت استضافة أقطاب الفكر العربي والإسلامي وقادة الرأي العام والمنظرين التربويين والاقتصاديين والاجتماعيين، وتأسست بتحفيز ودعم ورعاية منه جمعية الإمارات للفنون التشكيلية وجمعية الاجتماعيين واتحاد كتاب وأدباء الإمارات، وجمعية المعلمين ولم يغب عن ذهنه الاهتمام بأصحاب الهمم والكشافة وكذلك لاعبي الشطرنج والمصورين ورسامي الكاريكاتير.
وحرص أيضاً وفقاً لتوجيهات صاحب السمو حاكم الشارقة على الانفتاح في الحوار الثقافي الإماراتي العربي، والإماراتي الغربي وشكلت الدائرة مركز استقطاب للمبدعين في الحقول كافة. كانت الدائرة خلية عمل تطوعي للجميع واستطاع المغفور له أن يؤسس قاعدة ثقافية صلبة شكلّت ولا تزال أساساً لكل الحراك الثقافي الذي تشهده دولة الإمارات العربية المتحدة. ولم يكن الإعلام غائباً عن اهتمامه فقد أوكل صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي للمغفور له مسؤولية تلفزيون الشارقة إبان فبراير 1989 وقاد مسيرة التلفزيون إلى نجاح رسخ ولا يزال في ذاكرة الأجيال.. وكذلك مسؤولية المجلس الأعلى للثقافة والفنون والآداب. زاهد في المسؤولية، لم تجده يوماً جالساً خلف مكتب، مغرق في التواضع، البسمة لا تفارق محياه، إنها مفتاح محبة لكل القلوب التي عرفته. أنفق الملايين من ماله الخاص على الأنشطة حيث كان المغفور له يمتلك «إكسبو الشارقة»، وحين تحوِّل إدارة الـ«إكسبو» فواتير إشغاله بأنشطة الدائرة كان يمزقها. قد يأتي زمن أوثّق قصصاً عشتها معه ومن حقه عليّ أن تُروى للأجيال.
أحمد بن محمد القاسمي شخصية إماراتية رائدة على المستويين الثقافي والإنساني، وبمقدار محبته لوطنه الإمارات كان أيضاً متميزاً في محبته لفلسطين وللعروبة... نموذجاً لنا في العمل كان ولا يزال وسيبقى ذلك أنه لم يصدر لنا «أمراً»، بل دائماً ما يبادر للعمل فنتسابق للأداء الذي يكلل بالنجاح.