تقارير

أوروبا في 2013... حدود التفاؤل الاقتصادي

أنتوني فايولا وإدوارد كودي
لندن

بعد أكثر من ثلاث سنوات من اضطرابات الأسواق العالمية، والقلاقل السياسية، والقمم الصعبة يصر قادة الاتحاد الأوروبي أن أسوأ ما جاءت به أزمة الديون الأوروبية أصبح وراء ظهورهم، فقد حملت مختلف الخطب والتهاني بمناسبة حلول السنة الجديدة اعترافاً بدور الإجراءات التي اتخذتها الدول في التخفيف من وطأة الأزمة، لا سيما التدابير التقشفية والدور الجديد الذي بات يضطلع به البنك المركزي الأوروبي، والخطوات الجارية نحو مزيد من الاندماج باعتبارها إجراءات ساهمت في تحقيق اختراق في المجال المالي وحل أزمة الديون.
ويشير القادة كدليل على تراجع حدة الأزمة المالية إلى انخفاض كلفة الديون بالنسبة للبلدان المتعثرة مقارنة بالسنة الماضية، وهو الأمر الذي أنقذ عدداً من الدول التي شارفت على حافة الإفلاس، متحديين بذلك التوقعات القاتمة بانفراط عقد «اليورو» خلال العام الفائت.
لكن أي تسرع في إعلان النصر بأوروبا سيكون في الحقيقة شبيهاً بإعلان بوش الابن «إنجاز المهمة» من على متن المدمرة الأميركية إبراهام لينكولن في عام 2003 بعد الإطاحة بنظام صدام، فرغم انحسار حالة الارتباك والذعر التي سادت الأسواق الأوروبية، تبدو المنطقة وكأنها تقايض أزمة الأسواق المالية بأخرى أعمق تتعلق بالأعطاب الاقتصادية المتجذرة في البنى الاقتصادية الأوروبية.
كما أن الدول التي خفضت كثيراً في إنفاقها ورفعت الضرائب، وراكمت كميات هائلة من الديون مثل إيطاليا وإسبانيا واليونان، فهي ستواجه، حسب العديد من الخبراء، سنة عصيبة في ظل الركود القاسي الذي ينتظرها، بل إن إسبانيا قد تجد نفسها في عام 2013 أمام ركود حاد مقارنة بالسنة المنصرمة مع احتمال توجه مناطقها المتعثرة وبنوكها المتأزمة إلى طلب الإنقاذ من أوروبا.
وحتى ألمانيا وفرنسا اللتين تمثلان دعائم الاتحاد الأوروبي تواجهان سنة صعبة من النمو الضعيف إنْ لن يكون الركود. ويرى الخبراء أن هذه المصاعب التي تعرفها أوروبا ستجعل من القارة مرة أخرى القاطرة الأقل تحركاً في الاقتصاد العالمي، الأمر الذي يؤثر حتماً على الاقتصاد الأميركي بتراجع الطلب على الصادرات الأميركية من كتلة تجارية مهمة تضم 500 مليون مستهلك.
وعلى غرار الولايات المتحدة التي تفادت المنحدر المالي في الأسابيع الماضية يتعين على أوروبا مواجهة الأسئلة الكبرى والعميقة المرتبطة بتحفيز النمو وخفض معدلات البطالة المرتفعة وفي نفس الوقت معالجة إشكالية مستويات الدين العالية، هذا بالإضافة إلى محاذير أخرى تهدد بإعادة إثارة ذعر الأسواق المالية مثل تنفيذ اليونان للإصلاحات اللازمة وتعاظم الأزمة الاجتماعية في إسبانيا.
لكن بدلا من التصدي لجذور مشكلة الديون الأوروبية، فضل القادة الأوروبيون ترحيل الأجوبة إلى وقت آخر، لا سيما في ظل توقع بعض المحللين خروج اليونان من العملة المشتركة بحلول عام 2014 إن هي فشلت في الالتزام بتعهداتها للأوروبيين.
وفي هذا السياق يقول، «يورجن مياكلز»، الخبير الاقتصادي بمصرف «سيتي بنك» بلندن، «طرأت جملة من الأمور أوقفت انهيار منطقة «اليورو»، لكن المشاكل الحقيقية المتمثلة في الديون، لم تحل بعد لتستمر الأزمة».
ويُذكر أن المصاعب المالية انطلقت في اليونان سنة 2009 واكتسحت دولة أوروبية بعد أخرى لتطال الأسواق المالية المتوجسة، ولتعمق المشاكل الاجتماعية في الدول الأكثر تضرراً، الأمر الذي أثر على أصوات الناخبين الذين أخرجوا الأحزاب الحاكمة من السلطة في إيرلندا وإسبانيا وفرنسا واليونان، إلا أنه من جهة أخرى هناك إشارات تذهب في اتجاه تحسن الوضع المالي للدول الأوروبية. فباستثناء الفوائد العالية على الديون التي يتعين سدادها، سجلت كل من إيطاليا واليونان فوائض في الموازنة بعد التحكم في الإنفاق ورفع الضرائب، كما شهدت إسبانيا تحسناً مفاجئاً في نسبة البطالة خلال شهر ديسمبر المنصرم، وإن كان المعدل العام يبقى مرتفعاً في حدود 25 في المئة.
ورغم ما أثارته المشاكل الحالية للاتحاد الأوروبي من قضايا مهمة مثل ضرورة الاندماج واستعداد الدول للتخلي عن بعض اختصاصاتها الوطنية لبناء حلم أوروبا الموحدة، الأمر الذي سيستغرق سنوات من العمل، يعتقد القادة الأوروبيون أنهم نجحوا في تهدئة مخاوف الأسواق بفضل إجراءين مهمين، الأول تمثل في الاتفاقية التي أبرمت بين اليونان ودائنيها في شهر ديسمبر الماضي للإفراج عن حزمة الإنقاذ، وهي الخطوة التي أجابت عن سؤال أرق المستثمرين حول ما إذا كان الاتحاد الأوروبي سيقف إلى جانب الدول المتعثرة.
أما الإجراء الثاني فكان قرار البنك الأوروبي المركزي بشراء سندات الدول المتضررة إذا ما تقدمت بطلب الإنقاذ للصندوق الذي أنشأه الاتحاد خصيصاً لهذا الغرض.
لذا ورغم تحذير الرئيس الفرنسي، في كلمته بمناسبة السنة الجديدة، لمواطنيه من أوقات عصيبة تنتظرهم في عام 2013 مع غياب نمو اقتصادي في الجزء الأول من السنة، وباحتمال تصاعد معدل البطالة قبل انخفاضه، إلا أنه أكد في المقابل بأن الخطر الذي يهدد اليورو بات بعيداً، قائلا «لقد تم تحصين منطقة اليورو، كما أن أوروبا تمكنت أخيراً من وضع الآليات الضرورية للحفاظ على الاستقرار والنمو الذي افتقدته»، هذا التفاؤل عم أيضاً مدريد عندما قال رئيس الوزراء الإسباني، ماريو راخوي، في تعليقات صدرت عنه مؤخراً «أنا مقتنع تماماً بأن أسوأ ما في الأزمة بات خلفنا».

ينشر بترتيب خاص مع خدمة
«واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»