الاقتصادي

التزام الاقتصاد الإسلامي بالتنمية يجذب شراكات جديدة

عبدالله العور

عبدالله العور

كانت الغاية من إطلاق مبادرة دبي عاصمة الاقتصاد الإسلامي، استحداث منظومة اقتصادية عالمية، ليست محلية أو إقليمية فقط، فالأنظمة الاقتصادية بطبيعتها شاملة، ويجب أن تستجيب لتطلعات الشعوب مهما اختلفت طبيعة أسواقهم أو مواردهم.
لهذا نحن في مركز دبي لتطوير الاقتصاد الإسلامي نعتبر أن استشراف أسواق جديدة لتوسيع شراكاتنا معها على أساس ثقافة ومعايير الاقتصاد الإسلامي، مسألة في غاية الأهمية لتمكين هذا الاقتصاد من الاستدامة والنجاح.
ومن أجل تحقيق هذا التوسع نعتمد على المعايير أولاً قبل استعراض فرص الاستثمار وجني الأرباح، لأن المعايير تضبط دورة المال، فيعاد استثمار الأرباح مرةً أخرى في مشاريع جديدة وفرص عمل جديدة، وهكذا تتولد قطاعات جديدة، وتتحقق التنمية المستدامة والعادلة، خاصةً بعد عام 2008، حيث أصبح نجاح أي اقتصاد يعتمد على مدى ثقة الجمهور بمنتجاته ومعاييره وحرص ثقافته على الاستدامة وعدالة توزيع الفرص والموارد والثروات.
وعلى الرغم من انشغال العالم اليوم بمحركات النمو المادية والتركيز على دمج التكنولوجيا الحديثة بالاقتصاد- وهذا توجه نؤيده ونشارك فيه بقوة- لكن من الضروري أن تبقى المعايير الإنسانية للمنظومة الاقتصادية حاضرة وبقوة، وأن تشكل أساساً لقياس التقدم المحرز في مسيرة تطوير الاقتصاد الإسلامي بالذات.
هذه هي رسالة دبي والإمارات في تقديم منظومة اقتصادية جديدة، رسالة منسجمة مع كافة رسائل الدولة الموجهة للعالم والتي تتمحور حول التنمية والسعادة والحوكمة والعدالة.
إن الرؤى المبدعة من السهل أن تتحقق وتتحول إلى واقع، والاقتصاد الإسلامي وليد رؤية حكيمة من صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، لم تأخذ وقتاً كبيراً منذ إطلاقها حتى توسعت لتشمل بلداناً وأسواق جديدة في الغرب والشرق وفي أميركا اللاتينية على وجه التحديد التي تصنف أسواقها بالناشئة.
وما يميز الأسواق الناشئة أنها لا تزال في طور تشكيل مجتمعاتها واقتصادها، وهذا ما يجعل منها شريكاً محتملاً قوياً في مسيرة تطوير الاقتصاد الإسلامي.
وللتوضيح، عندما نقول أسواق ناشئة لا نعني أنها بلدان حديثة، بل إن اقتصاداتها مرت بمراحل تاريخية مختلفة وبمتغيرات جوهرية في طبيعة أسواقها مما يجعل هذه الأسواق في طور التشكل من جديد.
الميزة التي تتسم بها البلدان والأسواق الناشئة هي الترابط في علاقاتها الاجتماعية مما يشير إلى أن الاقتصاد يتأثر بنمط الحياة ويؤثر فيه، فالعائلة هناك متماسكة وتتشارك المشاريع والمصالح.
والأهم أن هذه المجتمعات مازالت تهتم بطبيعة المنتجات الاقتصادية وبمسلكيات الشركات والمؤسسات التي تدير السوق.
إن الموقف الاجتماعي بعد أزمة 2008 كان حاسماً في توجهه، بأن لا عودة للمراهنات والمضاربات المالية على حساب الإنتاج الحقيقي، لأن الأسواق لن تكون قادرة على مواجهة أزمات جديدة.

الموقف الاجتماعي في أميركا اللاتينية تجاه الاقتصاد العالمي، حاسم في تحديد أي منظومة اقتصادية يمكن تبنيها للمرحلة القادمة، وهذا ما يجعل من الاقتصاد الإسلامي المرشح الأول لدخول أسواقها بمنتجاته وثقافته ومعاييره.
فالاقتصاد والتنمية الاجتماعية في أميركا اللاتينية مترابطان، حيث شهدت منذ تسعينيات القرن الماضي تحسينات متواصلة بفضل زيادة الإنفاق الاجتماعي من الناتج المحلي الإجمالي أدت إلى تطور كبير في خدمات الصحة والتعليم وغيرها من الخدمات الاجتماعية.
إن دافعنا من وراء تحليل بنية المجتمعات في البلدان المرشحة للشراكة في نمو الاقتصاد الإسلامي قبل تحليل البنية الاقتصادية، هو رغبتنا في بناء شراكة حقيقية مع المجتمعات لأنها مقدمة للشراكات الاقتصادية الناجحة.
لقد أثبتت التجربة السابقة للاقتصاد العالمي أن الفجوة بين المؤسسات الاقتصادية والاجتماعية نتائجها سلبية جداً على النمو.
أما في الاقتصاد الإسلامي فالمؤسسة الاقتصادية هي التي تدير الثروات الاجتماعية لصالح المجتمعات ذاتها.
وبالانتقال إلى الحديث عن الفرص المتاحة أمام الاقتصاد الإسلامي في أميركا اللاتينية والعكس أيضاً، نبدأ بالتنمية الاجتماعية التي سيوفر التمويل الإسلامي مقومات استكمالها عبر تبني المشاريع الصغيرة والمتوسطة والعائلية في تلك البلدان.
لقد تركت الأزمة المالية آثارها على قدرة المصارف المحلية في تمويل هذا النوع من المشاريع، ولم تعد المنتجات والعقود المالية التقليدية كافية لإقناع الجمهور بالتعامل معها مرةً أخرى، مما يجعل من العقود والمنتجات المالية الإسلامية حلاً مثالياً لهذه المعضلة.
تتسم اقتصادات دول أميركا اللاتينية بتنوع وغزارة المنتجات، وحالة اللايقين بقدرة الأسواق العالمية على استياب هذه المنتجات سببت نوعاً من القلق لدى المنتجين من القطاعين العام والخاص، ويتضاعف هذا القلق بسبب الضغوطات المالية على كبريات الاقتصادات في أميركا اللاتينية وتراكم الدين العام والتعثر في السداد.
ومن أجل حل مشكلة المصارف والسيولة هناك، يجب تنشيط التصدير من أسواق أميركا اللاتينية إلى العالم، وقدرة الأسواق العالمية على استيعاب المنتجات لا تتوقف على مدى الحاجة إليها فقط، بل على كفاءة شبكات ونظم التوريد والتوزيع ونجاعة الأدوات المالية الداعمة لها.
هذا يجعل من دبي ودولة الإمارات بشكل عام، بوابة دخول منتجات أميركا اللاتينية بكافة أنواعها إلى أسواق البلدان الإسلامية ودول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا التي تفتقر لذلك النوع من المنتجات.
إن دخول دول أميركا اللاتينية منظومة الحلال خاصة فيما يتعلق بالمنتجات الغذائية سيوفر لها فرصة للاستفادة من تعويض يصل ما إلى 34 مليار دولار سنوياً من الفجوة الغذائية في العالم العربي، وذلك بحسب بيانات المنتدى العربي للبيئة والتنمية الذي انعقد في البحرين العام الماضي.
ولا تقتصر الفرصة في أسواق المنطقة على الغذاء فقط، فالمنطقة ذاهبة باتجاه نهضة تنموية كبيرة عبّرت عنها الرؤى الوطنية للدول والتي تستند على الاستثمار في مشاريع نوعية ضخمة، وهذا ما يتيح الفرصة أمام منتجي المعادن والسلع الإنشائية في أميركا اللاتينية.
إننا نرى مستقبلاً واعداً للشراكة بين دبي وأمريكا اللاتينية في منظومة الاقتصاد الإسلامي، ونرى الفرص كبيرة للطرفين في المستقبل القريب، ونرى دوراً جديداً للاقتصاد الإسلامي لتطوير شبكة علاقات بين المجتمعات وليس بين الشركات والمؤسسات فقط، وهذا الدور هو تعبير عن مهمة الاقتصاد الحقيقية على مر التاريخ.