دنيا

اللاهثون وراء السعادة أكثر الناس تعاسة!

السعداء أكثر الناس استمتاعاً بما حولهم من جمال (أ ب)

السعداء أكثر الناس استمتاعاً بما حولهم من جمال (أ ب)

السعادة هي أحد أكثر الأهداف التي يسعى الناس لبلوغها وتحقيقها. والبحث الحثيث عنها قاد كثيرين إلى تجريب مقاربات عديدة أملاً في امتلاك حكمة السعادة. فالبحث عن السعادة كالبحث عن الحقيقة، مع اختلاف بسيط يكمن في أن الباحثين عن السعادة هم معظم الناس، بينما الباحثون عن الحقيقة هم أقلية تنحصر في الفلاسفة والعلماء. ويقود السعي وراء السعادة ملايين الناس اليوم إلى المكتبات وعيادات الأطباء النفسانيين والصيدليات. والسعادة هي التي تدفع آلاف الباحثين إلى إنجاز تقارير ودراسات تجس نبض كل مجتمع، إيماناً منهم بأن عدم شعور أفراد المجتمع بالسعادة هو مؤشر سلبي للرفاه الاجتماعي الآني والمستقبلي. ولذلك فإن السعادة لم تعد مطلباً فردياً يصبو إليه كل فرد أو مجموعة، بل هو مطلب وطني تضع له الدول استراتيجيات لتحقيقه، ويُسخر العلماء والباحثون لرصده، وعلماء النفس والاجتماع لإشاعته، والمرافق المناسبة لتوفير بيئة طاردة للتعاسة، وجالبة للسعادة.


يقول بعض المحللين إن مطاردة السعادة والجري وراءها هي ظاهرة مستجدة نسبياً على البشرية، فأجدادنا انشغلوا في الماضي أكثر بحياتهم اليومية، وركزوا على مجرياتها، وكان همهم الأكبر هو الصمود والبقاء على قيد الحياة، ولم يكن لديهم وقت يقضونه في تأمل مدى سعادتهم أو رضاهم النفسي. غير أن العلماء والكتاب المعاصرين اشتغلوا على ملء هذا «الفراغ» خلال العقود القليلة الماضية، وقدموا نظريات ودراسات عديدة، منها على سبيل المثال لا الحصر «فرضية السعادة: إيجاد الحقيقة الحديثة في الحكمة القديمة» للباحث جوناثان هيت، أو «الوقوع في السعادة» للباحث دانييل تود جيلبيرت، أو «كيف تكون أكثر سعادة سبعة أيام في الأسبوع» للكاتب جوويل أوستين.
وعندما درست الكاتبة جريشتين روبن السعادة وأصدرت كتابها «مشروع السعادة» الذي نُشر سنة 2009، ركزت على 12 وصية، من بينها «تصرف كما تريد أن تشعر»، و«افعلْ ما يجدر عمله». وقد تلا هذا الكتاب إصدار جديد لها حول السعادة بعنوان «كُن أكثر سعادة في البيت» نُشر في شهر سبتمبر من السنة نفسها. وهو يركز على الزواج والأبوة والممتلكات الخاصة واللحظات السريعة التي تقود الناس إلى السعي وراء السعادة بنشاط وحماس.
الهدوء الداخلي
استطاعت جريشتين بنظرياتها الجديدة التأثير على زوايا النظر إلى السعادة، ودفعت الناس إلى اليقين بأن كل شخص يمكن أن يغمر نفسه بفيوض من السعادة عبر القيام بأشياء بسيطة في حياته اليومية. وعبرت عن هذا التوجه بجلاء في كتابها «النظام الخارجي يحقق الهدوء الداخلي».
وخلال إحدى مراحل بحثها، قضت جرشتين وقتاً طويلاً تتأمل سلوكات ابنتيها، وتفكر بعناية في القوى التي تسرق لحظات الفرح من كل إنسان. فوصلت إلى خلاصة مفادها أنه لا ينبغي استسهال لحظات الفرح المؤقتة والقصيرة أو اعتبارها كأنها مباهج حتمية، بل يجب الفرح بها ولها. وجربت هي نفسها هذا الشعور ووجدت أنها تتمتع بسعادة غامرة بمجرد نظرها إلى ابنتها إلينور وهي ترسم زهوراً صغيرة جميلة. وترى جريشتين أنه يجدر بنا أحياناً أن نسأل أنفسنا عن سبب تغييرنا أشياء وهي لا تزال صالحة للاستخدام. وتتساءل هي نفسها «عدم حصولك على هدية عيد الميلاد التي طلبتها لا يعني بالضرورة أن عليك أن تنزعج وتحزن، بل احرص بدلاً من ذلك على الاستمتاع بما أهدوك إياه والشعور بالامتنان بكل هدية لذاتها، وليس لقيمتها أو مدى تماشيها مع ذوقك واختيارك الشخصي». ولعل لسان حال عدد من الباحثين والسعداء من الناس يقول إن هناك مقاربات للعالم الذي نعيش فيه تساعدنا على التبصر بكل الجمال المحيط بنا، وتذوقه والشعور بالسعادة لوجوده، وبالامتنان للقدرة على الاستمتاع به.
نصف الكوب
بعض الناس يتبعون مبدأ الإسقاط في مقاربتهم لموضوع السعادة. وتُعد سوزان أحد هؤلاء، وهي رئيسة طهاة وتملك مطعماً في الآن نفسه. وتقول إنها مرت بتجارب سيئة عديدة لكنها ظلت تعيش سعادة حقيقية. ولا يعني ذلك أنها تدعي أن أيامها كلها فرح وبهجة، أو أنه لا يمر عليها يوم عسير أبداً، لكن ذلك يعني ببساطة أنها لا تسمح لأي حدث سيئ بأن يغوص بها في قعر البؤس النفسي أو الكآبة، بل تختار إرادياً أن تجعله عابراً حتى لو كان غير ذلك، ودون أن تسمح له بالاستحواذ على تفكيرها.
ويمكن وصف سوزان بأنها من النوع الذي ينظر إلى النصف المملوء من الكأس. فهي عوضاً عن الشكوى والتذمر من الأشياء التي تجري على نحو سيئ، تركز على الأمور التي تسير على ما يرام، وتجد في الأمور الناقصة فرصة للاجتهاد والإبداع، وتبتكر بدائل مكملة أو جديدة للأشياء الناقصة. وتقول سوزان إن عملها على هذا النحو أحال كثيراً من النقم إلى نعم عميمة وأرباح طويلة وحقق شهرة أكبر لمطعمها. وتوقن سوزان أن الأمر ليس مجرد حظوظ متتالية، بل إن طريقة تفكيرها في عملها وتعاطيها الإيجابي هو سر تحول الأشواك في يديها إلى خيوط حرير، والمصائب إلى فوائد، وهو ما يجعل البسمة مرتسمة دوماً على شفتيها، وجسدها كله يطفح سعادة وبهجة، وينقلها لكل من حولها، تماماً كما تنتقل شرارات العدوى الجميلة إلى الآخرين.
«أنت ما تفكر فيه»
العمل بجد ليس كل شيء في الحياة طبعاً. صحيح أن الكد يُساعدنا على المضي قدماً في حياتنا المهنية، لكنه لا يقودنا بالضرورة إلى التقدم في حياتنا الشخصية والخاصة، كما لا يقودنا إلى بر السعادة. وتقول جون جروبر، أستاذة مساعدة في قسم علم النفس بجامعة ييل ومديرة مختبر ييل للعواطف الإيجابية وعلاج الأمراض النفسية، «إذا كنت ترغب في تحسين مزاجك والانتقال إلى مكان آخر، فيكفي أن تتوقف عن التفكير كثيراً لتحقيق هذا الهدف». وتقول جون إن دماغ كل إنسان يعالج في يومه الفاتر قليل النشاط نحو 12 ألف فكرة، لكن هذا العدد يقفز خلال أيام التأمل إلى ما بين 50 ألفا إلى 60 ألف فكرة، وذلك حسب مؤسسة العلوم الطبيعية.
وتقول جروبر إن مشكلة معظم الناس في الوقت الراهن مع السعادة هو أنهم يميلون إلى التفكير أكثر في الأشياء السلبية، ويسمحون لها بالاستحواذ على عقولهم. وبدلاً من مصارعتهم لتلك الأفكار السلبية، كان حرياً بهم أن يتقبلوا تلك الأفكار بأريحية، ولا يُنهكوا أذهانهم في تحليلها وتشريحها. وتضيف جروبر «يكمن جوهر التأمل في وعي الشخص بحاضره وأفكاره السلبية، ثم الحرص على عدم إصدار أحكام قيمة جاهزة عليها. فهذا النوع من التفكير يمنح الجسم مناعة ضد التوتر، ويحفزه على إفراز عواطف سلبية أقل، ويزيد قابليته لاستشعار الأشياء الجميلة، وتفضيل الجيد من الأشياء والأحداث والوقائع. ما يجعله في نهاية المطاف يرفل في رفاه نفسي، وسعادة».
وترى جروبر أن السعي الحثيث والدؤوب نحو السعادة يمكن أن يأتي بنتائج عكسية، فيدفعنا أكثر إلى تسليط ضوء ساطع جداً على عيوبنا، فيقودنا ذلك إلى الشعور بالحزن. ولا يعني هذا بالضرورة أن كل الأفكار السلبية سيئة أو يجب طردها من الدماغ والذاكرة. ففي كثير من الأحيان، يؤدي إدراكنا للأشياء السلبية فينا إلى تغيرنا إلى الأحسن. وتضيف جروبر «يمكن للأفكار السلبية أن تكون مفيدة أحياناً عندما تنبهنا أو تنذرنا بأي خطر محتمل أو تهديد محدق بنا. وتكون في هذه الحال بمثابة الضوء الأحمر الذي ينبهنا إلى ضرورة التوقف لمراجعة النفس أو تغيير اتجاه سير السلوك أو الفعل، أو مجريات أي أمر نقوم به في الحياة اليومية». ويبقى الأهم في نظر جروبر هو مقاومة كل شخص رغبته الملحة في مصارعة أفكاره أو نفسه أو محاكمتها.
«تنفس بعمق»
تخيل أنك بمجرد إتمامك إنجاز تقرير من عشر صفحات أخذ منك وقتاً طويلاً وجهداً كبيراً وكنت تضع عليه اللمسات الأخيرة قبل إيداعه لرئيسك في العمل، تعطل الحاسوب وأدى ذلك إلى تلف التقرير بالكامل، واستحالت استعادته رغم استعانتك بأمهر فنيي تكنولوجيا المعلومات في المؤسسة! لا محالة أن الشعور الذي سينتابك في ظرف كهذا هو التوتر والقلق والغضب وندب سوء حظك أو التعوذ من العين التي أصابتك. وتصبح السعادة التي كنت على وشك الشعور بها قبيل إكمالك التقرير بعيدة جداً عنك. ولذلك فإن أفضل ما يمكن القيام به في موقف كهذا هو التنفس بعمق لإزالة التوتر الذي يستحوذ عليك وتحسين مزاجك، كما يقول الدكتور أندرو فيل، مؤلف كتاب «السعادة التلقائية». وقد استخدم فيل تقنية التنفس 4-7-8 التي تقوم على إغلاق الفم والشهيق عن طريق الأنف والحساب إلى غاية 4، ثم حبس الأنفاس والعد إلى 7، ثم الزفير عبر الفم وإكمال العد إلى 8. ويقول الدكتور أندرو «إن هذه التقنية تأخذ نحو دقيقتين في اليوم ومن شأنها مساعدتنا على التحكم في أسوأ أشكال القلق والتوتر. ويمكن تعلمها بسهولة عبر ممارستها بانتظام». ويقول د. أندرو إنه يمارس هذا التمرين صباح كل يوم عندما يستيقظ، وأحياناً في المساء أو الظهيرة، وهو يقوم بذلك كلما شعر بتوتر أو قلق. يقول أندرو إن التنفس العميق يفيد أكثر في امتصاص التوتر إذا مورس ما لا يقل عن مرتين في اليوم.

هشام أحناش
عن «لوس أنجلوس تايمز»