الاقتصادي

مصر تعيد النظر في دعم الطاقة لخفض عجز الموازنة

عامل يقوم بتعبئة سيارة بالبنزين في محطة وقود وسط القاهرة (رويترز)

عامل يقوم بتعبئة سيارة بالبنزين في محطة وقود وسط القاهرة (رويترز)

القاهرة (رويترز) - تعقد مصر آمالها على الاستعانة بالغاز الطبيعي في خفض فاتورة دعم الطاقة الذي يلتهم ما يعادل 20% من الموازنة العامة وهي نسبة مرشحة للزيادة ما لم تأخذ البلاد إجراءات عاجلة. ورفضت الحكومة المصرية على مدار سنوات خفض الدعم خشية إشعال التضخم وإثارة غضب المصريين. لكن الضغوط تجددت الآن بينما تتفاوض الحكومة على قرض طارئ من صندوق النقد الدولي بقيمة 3,2 مليار دولار تحتاجه لتفادي كارثة بميزان المدفوعات. ومن المتوقع أن يطلب الصندوق من القاهرة الالتزام بإصلاح المالية العامة.
وأصبحت مشكلة الدعم أشد ضراوة على المستوى السياسي منذ ثورة 25 يناير 2011، وذلك لأن الاضطرابات التي واكبت الثورة واستمرت بعدها أدت إلى تراجع النمو الاقتصادي وتفاقم معدلات البطالة والفقر. في الوقت نفسه، باتت الحاجة أكبر إلى التوصل إلى حل لاعتبارات مالية. فخلال الأشهر الستة الماضية. كافحت الحكومة لتمويل عجز موازنة متضخم بسبب مطالبات بزيادة الأجور وتراجع نمو الإيرادات الحكومية في فترة ما بعد الثورة.
وقالت ثلاثة مصادر مطلعة على الحسابات الحكومية إن فاتورة دعم الطاقة من المتوقع أن تزيد 40% لتبلغ 95 مليار جنيه مصري (15,75 مليار دولار) في السنة المالية التي تنتهي 30 يونيو وذلك بسبب ارتفاع أسعار الطاقة العالمية والنمو السكاني. وطلبت المصادر عدم الإفصاح عن هويتها بسبب الحساسية السياسية للموضوع. وقال وزير البترول عبد الله غراب، الاثنين الماضي، إن مخصصات الموازنة العامة التي تستهدف خفض أسعار التجزئة للمنتجات البترولية ستزيد بأكثر من 25% في السنة المالية المقبلة لتصل إلى 120 مليار جنيه.
وتقول ندى فريد، الاقتصادية بمجموعة “بلتون” للأبحاث، إن حل معضلة دعم الطاقة أصبح “محوريا ًالآن لأن الحالة المالية خانقة جداً”. وتضيف “جميع الأحزاب السياسية وصندوق النقد والحكومة يقولون إنه ينبغي التعالم مع مسألة دعم الطاقة بأسرع ما يمكن. المسألة تتعلق بوجود حكومة قادرة على اتخاذ قرارات فعلية”. وتدعم مصر كافة منتجات الطاقة تقريباً بما فيها البنزين. ويعد متوسط سعر التجزئة المحلي للبنزين في مصر وهو نحو 170 قرشاً للتر من بين أقل المستويات السعرية عالمياً.
ورغم أن مصر تصدر الغاز الطبيعي فإنها تستورد نسبة من احتياجاتها من النفط. وساهم رخص أسعار الطاقة بسبب الدعم في زيادة الاستهلاك إلى مستويات يصعب على الدولة الوفاء بها. وحسب بيانات إحدى شركات الطاقة في القاهرة فقد زاد استهلاك غاز البترول المسال في السنوات الأخيرة بمعدل سنوي 10% والبنزين 12% والديزل 6% وزيت الوقود (المازوت) 6%. وحسب بيانات الشركة فإن نسبة 44% من الدعم الحكومي تقريباً تذهب إلى الديزل المستخدم بالأساس في قطاعي النقل والصناعة و22% إلى زيت الوقود المستخدم في المصانع ومحطات الطاقة.
التوسع في الغاز الطبيعي
وتأمل الحكومة المصرية أن تخفض الدعم عبر استراتيجية غير مؤلمة نسبيا تتمثل في التوسع في استعمال الغاز الطبيعي بدلاً زيت الوقود والديزل الأغلى سعراً. وقال خبير بمجال الطاقة في القاهرة إن البلاد قد تحتاج إلى استيراد الغاز إن حافظت على التزامها بعقود تصدير الغاز المحلي. لكن الغاز المستورد سيكلف البلاد ما بين سبعة وثمانية دولارات لكل مليون وحدة حرارية بريطانية مقارنة بسعر 17 دولاراً لنفس الكمية من زيت الوقود.
وذكر غراب، في إحدى الفعاليات التي أقيمت احتفالا بتحول مصنع لإنتاج الطوب إلى الاعتماد على الغاز الطبيعي، “الحكومة وضعت خططا للتوسع في استخدام الغاز الطبيعي في البيوت والمنشآت التجارية والصناعية والسياحية لتوفير قيمة دعم البترول للبلاد”. وتنال هذه الاستراتيجية رضا حزب الحرية والعدالة المنبثق عن جماعة “الإخوان” الذي حصل على ما يقرب من نصف مقاعد مجلس الشعب المنتخب خلال يناير الماضي والذي يستمد كثيراً من الدعم من شرائح السكان الأشد فقراً.
قال سعد الحسيني، العضو بـ”الحرية والعدالة” والذي يرأس لجنة الخطة والموازنة بالبرلمان، إن حزبه سيرفض رفع أسعار الطاقة المحلية للبيوت وسيصر بدلاً من ذلك على أن تستخدم منشآت الطاقة والمصانع وقطاع النقل الغاز الطبيعي. وأوضح الحسيني”هناك إجراءات فنية وسياسات تنفيذية خلاصتها استبدال الغاز بالسولار والمازوت والبوتاجاز وخلاصتها تحويل منتج الغاز إلى منتجات أخرى مثل البنزين والبوتاجاز بسهولة يمكن الإقدام عليها وبعضها يتم بشكل فوري يستطيع أن يؤدي إلى تخفيض مبالغ قد تصل 20 مليار جنيه بأقصى سرعة من بند الدعم”. وذكر الحسيني أن التأخر في التحول إلى الغاز كان نتيجة الفساد والبيروقراطية وسوء التنسيق بين الوزارات. وأضاف “كل وزارة تعمل في جزيرة منعزلة. هناك من في مصلحته استيراد المازوت.. عمولات ضخمة وأرباح شركات من استيراد المازوت”.
لكن التحول إلى الغاز الطبيعي وحده لن يخفض فاتورة الدعم بنسب كافية. ولذلك بدأت الحكومة في اتخاذ إجراءات أخرى تشمل خطة لقصر بيع أنابيب البوتاجاز المستخدمة في الطهي على حاملي بطاقات الدعم. وتكلف أنابيب البوتاجاز الحكومة الآن حوالي 75 جنيهاً لإعادة ملئها لكنها تبيع الأنبوبة مقابل خمسة جنيهات. وحسب الخطة الجديدة التي تم تنفيذها حتى الآن في مناطق منخفضة الكثافة السكانية فقط مثل البحر الأحمر والوادي الجديد يحق لكل أسرة الحصول على أنبوبة واحدة أو اثنتين كل شهر حسب عدد أفراد الأسرة.
القطاع الصناعي يتضرر
وأعلنت الحكومة المصرية مطلع العام الجاري أنها سترفع سعر إمدادات الطاقة للقطاع الصناعي رغم أن هذا لم يتم تنفيذه بشكل شامل حتى الآن. وقال طاهر جرجور، نائب الرئيس التنفيذي لشركة “ليسيكو” المصنعة للسيراميك، إن شركته تمت محاسبتها بالسعر القديم حتى يوم الاثنين الماضي حين تلقت فاتورة كهرباء بها زيادة سعرية بنسبة 22% بأثر رجعي منذ بداية العام. وأضاف أن الشركة عرفت أن كلفة الغاز الطبيعي ستزيد بنسبة 30% إلى ثلاثة دولارات لكل مليون وحدة حرارية وإنها كانت تتحسب لهذا التغير رغم أنها لم تكن متأكدة من تطبيقه. ويرى جرجور أن ارتفاع تكلفة الطاقة سيزيد تكلفة المبيعات بشركة “ليسيكو” بنسبة تتراوح بين 3,5 و4% في قطاع يتراوح هامش الربح الإجمالي فيه بين 20 و30%.
وقال جرجور “أعتقد أن الحكومة مترددة لأن هذا سيكون له أثر ضخم على صناعات مثل نشاطنا”، مضيفا ًأن هذه الزيادات تعني زيادة إجمالي تكلفة الطاقة بنسبة 25%. ورأى أن هذا يعني تراجع الاستثمارات وارتفاع التضخم وتدني فرص العمل.
وتنتج مصر ما يوازي 1,55 مليون برميل يوميا تقريباً 45% منها نفط خام والنسبة المتبقية غاز طبيعي. وتحصل الحكومة المصرية على 59% من إنتاج النفط بينما تستحوذ شركات النفط التي تجري عمليات الاستكشاف والحفر على النسبة الباقية. وتغطي حصة الحكومة من الإنتاج ثلثي الاستهلاك الحكومي فقط. وتحتاج الحكومة إلى شراء النسبة الباقية من شركات أجنبية عاملة في البلاد أو استيراد الطاقة من الخارج. وقال خبير الطاقة إن الحكومة خلال الأشهر الستة الماضية زادت اعتمادها على الشراء من شركات من خلال اعتمادات في السداد بسبب شح سيولة. وأضاف أن متأخرات الحكومة في هذا الجانب أصبحت تقدر بمليارات الدولارات.


الحكومة تحصل على قرض بقيمة 1,2 مليار دولار

القاهرة (رويترز) - قالت فايزة أبو النجا، وزيرة التخطيط والتعاون الدولي المصرية، أمس إن مصر حصلت على تسهيل ائتماني بقيمة 1,2 مليار دولار من المؤسسة الدولية الإسلامية لتمويل التجارة لمساعدتها في سداد قيمة واردات سلعية. ووقع اتفاق القرض أمس بفائدة 3,75% وسيكون متاحاً على الفور.
وذكرت أبو النجا أنه سيستخدم في سداد قيمة واردات من النفط والمنتجات النفطية والقمح وغيره من السلع الغذائية. وأضافت أن القرض سيخفف الضغوط على الاحتياطيات الأجنبية. وسحب البنك المركزي المصري أكثر من 20 مليار دولار من الاحتياطيات الأجنبية لتنخفض إلى 15,72 مليار لتعزيز الجنيه منذ يناير 2011.