دنيا

المشاركة في صنع الحضارة أفضل دفاع عن الإسلام

 التفقه في الدين من أعظم نعم الله على عباده المؤمنين (أرشيفية)

التفقه في الدين من أعظم نعم الله على عباده المؤمنين (أرشيفية)

شدد الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر، على أهمية حصول خريجي المؤسسات الدينية على درجات علمية في الحداثة وما وراءها، وألا تقتصر أبحاثهم على الشريعة، مؤكداً أنه لا يليق بالعلماء والفقهاء وطلبة العلم الشرعي أن يديروا ظهورهم أمام الحراك العالمي والثقافي. وقال إن ذلك يؤدي إلى تراجع الفكرة الإسلامية وعدم قدرة أنصارها على الدفاع عنها، والاشتباك مع الخصوم في حوارات علمية وثقافية تكشف موقف الإسلام من المستجدات والمتغيرات وترد على حملات الهجوم والتشكيك.


(القاهرة)- قال الدكتور نصر فريد واصل، مفتي الديار المصرية الأسبق، إن التحديات التي تواجه الأمة الإسلامية تفرض تجديد فهم الفكر الإسلامي على مستوى نصوص الشريعة العامة والخاصة، مبيناً أن التجديد يعني مراعاة الواقع والحال فيما يستجد من أمور حادثة تخضع للحواس الخمس التي هي مجال الاجتهاد في الشريعة الإسلامية، اذ أن المستجدات لا تنتهي والنصوص التشريعية تحكم في مجال الواقع أي الحوادث التي تخضع لها نصاً.
وأكد أن التفقه في الدين من أعظم النعم التي أنعم الله بها على عباده المؤمنين المخلصين، لأنه يحقق الخير للإنسان في كل أمور الدنيا والدين، مضيفاً أن الإسلام أمر بطلب العلم في الدين والدنيا، فكل منهما مكمل للآخر، لأن الإسلام دين متكامل عقيدة وشريعة، وهو دين ودولة، ومنهج حياة متكامل، يحث على العلم ويرفع مكانة العلماء.
التراجع الحضاري
وأوضح أن الإسلام لا يعادي العلم المادي، كما يرفض الجمود والتقليد والتراجع الحضاري، ويحث على المشاركة في المستجدات والمستحدثات، وتقديم رؤية أصيلة عنها، وقال إن الدين الحنيف يدعو إلى العلم أياً كان نوعه طالما كان يهدف إلى خدمة الإنسانية، وتحقيق الرخاء والرفاهية للبشر جميعاً، كما أنه كرم العلماء، وجعل لهم منزلة رفيعة، لدرجة أنه قرنهم بالملائكة.
ولفت إلى أن العلم الذي قدره الله سبحانه وتعالى وعظمه ورفع مكانة أصحابه هو العلم الذي يهدي إلى الإيمان بالله تعالى، ويحقق للبشرية الخير والسعادة والأمان سواء كان علماً دينياً أو مادياً، لأن الله تعالى استخلف الإنسان في الأرض، وسخر له كل ما في الكون.
وقال إن الدين الحنيف يحث اتباعه على فقه الدين، ومن حرص على ذلك فقه دنياه، ودانت له بعز ومجد، واستخلفها خلافة شرعية بأمر ربه ومولاه، يعمرها ويستخرج منها كل خيراتها.
وأكد أن الاستعمار والاستخلاف لا يكونان إلا بفقه الدين والدنيا معاً وفق ظروف كل عصر، وما يستجد فيه من قضايا وأحداث في شتى المجالات الطبية والاقتصادية والتكنولوجية، وواجب علماء الأمة ومفكريها والباحثين الحرص على فقه المستحدثات في مجالات الحياة المعاصرة كافة.
وشدد على ضرورة نشر دعوة الإسلام وبيانها للناس، كما جاء بها الإسلام، لدفع كثير من الأوهام والشبهات التي تتعلق بالشريعة، والتي يثيرها أعداء الإسلام والمسلمين، لجهلهم بحقيقة الشريعة الإسلامية، ومبادئها السمحة، وقدرتها على علاج كل مشكلات المجتمع.
النصوص الوسيطة
وقال الدكتور محمد عمارة، المفكر الإسلامي المعروف، أن الفكر الإسلامي المعاصر في أمس الحاجة الى التخلص من حالة الجمود والتقليد، وعلى الأخص تراث عصر التراجع الحضاري لأمتنا، مؤكداً أن الأمة تعيش أزمة بسبب وجود التيار الذي ينظر فقط إلى الخلف، ويقف عند ظواهر النصوص، مغفلاً المقاصد التي تغياها الشارع من وراء هذه النصوص، بل ويتخير منها النصوص الوسيطة بدلا من النصوص الأولى المقدسة والمعصومة، غافلين عن معنى النص في علم أصول الفقه، وهو الذي لا ينطبق على كل عبارة وإنما يقتصر على ما هو قطعي الثبوت وقطعي الدلالة، ولا مجال فيه لأي تأويل.
وقال إن أهل الجمود قلدوا مقولات سلف عصر تراجعنا الحضاري، وجمدوا عند ظواهر النصوص، وبين أن تيار التقليد يخاصم النظر العقلي في حكم وعلل الأحكام التي جاءت بها النصوص مع إهمال فقه الواقع المتغير، والذي يتطلب في الفروع أحكاماً جديدة، تواكب المتغيرات، وتستجيب للمصالح الشرعية المعتبرة التي تفرزها هذه المتغيرات.
وحذر من الخلط بين مفاهيم ومضامين المصطلحات، موضحاً أن بعض الحداثيين المتغربين عمد إلى تسويق فكر الوضعية العلمانية وأحيانا المادية تحت مصطلح التجديد حتى أصبح هذا المصطلح سيئ السمعة، الأمر الذي أوجب ويستوجب تحديد مفاهيم ومضامين المصطلحات ليتميز التجديد كسبيل إسلامي أصيل في التطور بعالم الأفكار عن الحداثة بمعناها الغربي. وأوضح أن الحداثة المرفوضة هي التي تعني القطيعة المعرفية مع ثوابت الدين وأصوله، فهي نسخ للدين بالجمود والإنكار أو بالتأويل الذي يفرغه من محتواه، وقال إن المقصود بالتجديد البعث والإحياء لثوابت الدين وأصوله، مع تطوير فقه الفروع، مواكبة لمستجدات الواقع، وحفاظا في ذات الوقت على صلاح وصلاحية الثوابت والأصول الدينية لكل زمان ومكان.
فلسفة فريدة
وأضاف أن الإسلام له فلسفته الفريدة في النظر إلى الكون ولمكانة الإنسان في هذا الوجود ولنطاق حرية الإنسان وهي الرؤية المؤسسة على فلسفة الخلافة والاستخلاف، وذكر أن الرؤية الإسلامية تسعى لتلبية احتياجات التطور، ومتغيرات الواقع، ومستجدات الزمان والمكان والمصالح بطرق وآليات التجديد الذي يحيي الثوابت، ويعيد الحيوية إلى الأصول، مع التغيير والتجديد والتطوير والإبداع في الفروع التي تواكب مستجدات الواقع والمصالح والحياة.
ويقول إن تيار الجمود والتقليد في فكرنا الإسلامي ينكر التجديد، أو يستريب فيه، والوسطية الإسلامية، جمعت بين اكتمال الدين وتجديده وربطت بين العودة في الدين إلى أصوله وينابيعه الجوهرية والنقية والتجديد في الفروع وفي المتغيرات.
ويقول الدكتور محمد داود، أستاذ الدراسات الإسلامية بجامعة قناة السويس، إن التراجع والجمود، والوقوف عند الماضي، وتجاهل الأخذ بالأسباب، وعدم الجد في السعي للتغيير، أدت إلى تخلف الأمة، وتكالب الأعداء عليها، مشيراً إلى أن التقاعس عن اللحاق بمتغيرات العصر ومستجداته، وغياب الوعي بإشكاليات الحاضر، وعدم تكوين رؤية مستقبلية لموقعنا بين الأمم والحضارات، جعلنا ظاهرة صوتية، ولا نحسن سوى الكلام.
ويؤكد أن السبيل إلى النهضة يتحقق بتجاوز العقبات والموانع التي تقف حاجزاً بيننا وبين المستقبل، مضيفاً أن أخطر عقبات النهضة هي تغييب العقل وتحجيم التفكير، وذلك بترديد النصوص الدينية ترديداً أجوف من دون ربطها بالواقع أو اقتحام هذا الواقع، والتعامل مع مشكلاته.
وقال إن عدم إدراك فقه الواقع وترتيب الأولويات من الآفات الخطيرة التي تؤدي إلى إهدار طاقات الأمة ووضعها في غير موضعها، وبالتالي تضعف النتائج، ولا تتكامل الجهود، والأمة تعاني أزمة تمكن الجهل، وافتقاد الروح العلمية بها، حتى أصبحنا في موقع التبعية للآخر، وذهبت المقدمة إلى من يستحقها ممن أعملوا عقولهم، وواجهوا التحديات التي أمامهم.
وأشار إلى أن تعطيل العقول وعدم استكمال الأمة لرحلة المعرفة والعلم انعكسا على تفسير النصوص الدينية تفسيراً سلبياً، يتفق مع جمودنا والكسل والأهواء التي تتنازعنا.