دنيا

«المجنون» يقتل «الساحرة»

(القاهرة) - رأى أن التخلص من حماته نهائياً هو الخيار الأخير أمامه, بعد أن استنفد كل الوسائل وسلك كل الطرق لكي يسترضيها ولم يجد أمامه إلا أن يبيدها من على وجه الدنيا ويمحو أثرها مهما كلفه الأمر فلن يكون الحال أكثر سوءاً مما هو فيه، وبعدما قلب الأمر على جميع جوانبه وجد أنه يقدم نحو الصواب، لكنه في نفس الوقت لا يريد فقط أن تختفي من حياته وإنما أيضاً يود أن يشفي غليله وتذوق بعضاً مما تسببت له فيه من مشاكل وأزمات ولو كان يستطيع أن يعاملها بنفس طريقتها لكي تموت بالتقسيط وببطء لفعل، لكنه لا يجد لذلك سبيلاً وهو يريد أن يراها تتعذب لتعرف ما تفعله لأنها كانت تستمتع بتعذيبه.
لا مانع من الخلاص منها مرة واحدة المهم في النهاية ستتحقق النتيجة ولا مانع أيضاً من أن يتشفى فيها بقدر ما يستطيع وهو لا يسعى لارتكاب جريمة قتل وإنما لتعذيبها وإن كانت تستحق أكثر من ذلك.
اشترى مسدساً وكمية من البنزين وتوجه إليها في الضحى يعرف أنها في هذا الوقت تكون وحدها ولا أحد سوف يراه وحتى لو وجد مئات الأشخاص، فإنه لن يتراجع لأن القرار نهائي ولا تهم النتائج.
عندما وقف أمامها قرأت في عينيه الشر وظهر على وجهه ما جاء من أجله، خاصة وأنه لم يأت منذ عدة أسابيع، وقد توعدها خلالها كثيراً صراحة وهددها سراً وعلانية ولأوَّل مرة منذ أن عرفها تظهر أمامه بمظهر الضعف، حاولت أن تتجنب الحوار معه إلى أن يتجمع بعض الأشخاص وقد ينقذونها منه ادعت أنها ستخرج إلى السوبر ماركت الذي تملكه لفتحه وممارسة عملها فيه وهي في المعتاد تبدأ العمل في نحو العاشرة صباحاً إلا أنه كان في مواجهتها عند الباب فوقف في طريقها تراجعت قليلاً لتبحث عن مخرج آخر أو مفر لكنها لم تجد.
ما بينهما يجعلها متأكدة من أنه لن يستجيب لأي حوار، لكن لم تفقد الأمل في المحاولة لعلها تنجح، استدارت وأرادت أن تدخل الغرفة لتختبىء فيها ثم تستغيث فأمرها أن تتجه نحوه بوجهها لا يريد أن يقتلها من الظهر لا لأنه يتحلى بأخلاق الفوارس، وإنما لأنه يريدها أن تذوق لحظات الموت والرعب بكل معانيها، أطلق عليها الرصاص واحدة تلو الأخرى بتأن كي تموت ببطء سقطت على الأرض تصرخ وتنزف وواصل إطلاق النار حتى سكت صوتها تماماً وتأكد أنها فارقت الحياة فأحضر البنزين وسكبه على جثتها وأشعل فيها النار.
تجمع الجيران على صوت الطلقات وقبل أن يصلوا إليه كانت النيران تلتهمها هرعوا لإطفائها لقد فارقت الحياة، بينما “القاتل” يحاول أن يخرج ليهرب بفعلته وأمسكوا به وسلموه إلى رجال الشرطة الذين حضروا بعد دقائق.
قال “عادل” في التحقيق: ما كنت أشاهده في الأفلام العالمية عن الساحرات الشريرات ذوات الشعر الطويل المنكوش والوجوه المكفهرة العابسة اعتقدت أنه خيال من بنات أفكار الكتاب والمؤلفين للضحك على المشاهدين، لكن بعد ذلك اكتشفت أن هؤلاء لم يصل خيالهم إلى جزء من الحقيقة وأن الواقع أكثر غرابة ورعباً فعندما كنت أعمل مندوب مبيعات أقوم بجولات ليلاً ونهاراً على المحال والمتاجر تعرفت على تلك المرأة أو الشيطانة من خلال المعاملات التجارية، حيث أحضر لها البضائع من الشركة التي أعمل بها أو عندما تطلبني بالهاتف فنلتقي عدة مرات في الأسبوع وأحياناً تدعوني لأستريح قليلاً حتى تعد لي كوباً من الشاي فأستجيب وأقبل دعوتها، خاصة إذا كان لديَّ وقت أو اقتربت من نهاية يوم العمل وهي امرأة قد تجاوزت الخمسين وفي مثل عمر أمي إلا أنني أشعر بخوف عند التعامل معها بلا سبب.
تكررت جلساتنا أمام محل البقالة الذي تملكه وكانت كثيرة الأسئلة، وخاصة عن حياتي الشخصية وبعدما علمت أنني أعزب وأقيم بمفردي ودخلي من عملي جيد ولديّ شقة لم تخجل في أن تعرض عليّ الزواج من ابنتها مدعية أو كما قالت إنها ترى أنني رجل بمعنى الكلمة وتثق بأخلاقي ولا تجد حرجاً من أن تفاتحني في هذا الموضوع حسب المثل أخطب لابنتك ولا تخطب لابنك وهي تريد أن تطمئن على مستقبل ابنتها.
واستغربت هذا العرض وإن كنت لا أجد فيه خطأ إلا أن عاداتنا تمنع ذلك ونراه عيباً كبيراً ولأن كلماتها جاءت مباغتة مباشرة فقد تلعثمت في الرد عليها ووقفت الكلمات في حلقي ولم أجد مخرجاً من الموقف المحرج الذي ألقتني فيه ودفعتني إليه فجأة فابنتها ليست جميلة وليست الفتاة التي أحلم بها وأريدها زوجة ولأنها تعرف أن ظروفي المادية جيدة لم أجد حجة من هذا الجانب وفي النهاية أمطرتها ببعض عبارات المجاملة بلا وعد بالقبول وبلا رفض مباشر.
استمرت علاقتنا التجارية كما هي عليه إلا أنني حاولت أن أقلل من الجلسات التي تجمعني بها حتى لا تفاتحني في الموضوع مرة أخرى وكل يوم أستعد لأرد عليها بالشكل المناسب، لكن لم تفاتحني بنفس الطريقة وخلال عدة أشهر تغير رأيي ووجدتني أوافق على الزواج من ابنتها ولا أجد أي سبب لتغيير وجهة نظري وبعدما تمت الخطوبة كنت أتردد عليهم في المساء أحياناً وأزورهم بلا مواعيد مسبقة فأجد عندها تجمعات نسائية وقالت لي إنهن جاراتها وصديقاتها إلا أنني بعد ذلك لاحظت أشياء غريبة تحدث مثل حفلات “الزار” وغيرها ولم أهتم كثيراً واستمر تجهيز عش الزوجية ولم تسهم بالشكل المطلوب فيه ولم تكن كريمة كما كانت في عرض ابنتها عليَّ وتحملت معظم النفقات حتى ما جرى العرف على أنه من واجبات العروس.
في ليلة الزفاف أصرت “حماتي” على دخول شقة الزوجية لتباركها بالبخور والروائح التي قالت إنها خبيرة فيها، وكي تحصنها من العيون والحسد ولم أمانع بالطبع فهذا شيء جيد وانتقلت زوجتي إلى بيتي، لكنني وجدت نفسي مسلوب الإرادة أمامها وأمام حماتي رغم أن زوجتي لا تملك أي مؤثرات من جمال ومال وكانت تأمر فأطيع تطلب فألبي ثم اكتشف بعد ذلك أنني مخطىء وألوم نفسي لماذا لم أرفض؟ ويتكرر الأمر ويتشابه وأنا أتصرف بنفس الطريقة.
بدأ المقربون مني يهمسون في أذني تلميحاً بأن احترس من حماتي، لكنهم لا يفصحون عن نوع الخطر القادم منها فتلعب الشكوك برأسي وأعود فأربط بين ما يحدث لي وبين كلامهم ونصائحهم، لكن الأمور تسوء ولا تتحسن وأنا أكرر أخطائي حتى جاءت الكلمات الصريحة بمثابة صدمة لي أن حماتي ساحرة وأنها زوجتني ابنتها تحت تأثير “أعمالها” وأنا لا أشعر واستعدت ما كانت أراه من حفلات في بيت حماتي وما فعلته قبل زواجي في شقتي فتأكدت أن هذا الكلام صحيح وقررت أن أكون “رجلاً” في بيتي وتكون الكلمة لي وأن أخرج من تحت سيطرة زوجتي التي تحركني كما تريد.
عندما أفصحت عن ذلك كشفت حماتي عن وجهها القبيح وهددتني أن تفوهت بكلمة واحدة مما أقول بأن تجعلني عبرة أمام الناس وأمرتني أن أضع لساني في فمي وإلا فإنني سأرى أياماً سوداء وأحاطت بي الشكوك أكثر وفعلاً أشعر بأنني تحت سيطرتها حتى طفلتي الوحيدة بدأت تبتعد عني لأنها أوهمتها أنني مجنون ولوحت لها بأنها ستكون السبب في طلاق ابنتها فلم تهتم ولم تهتز لها شعرة وكثر الحديث بوضوح عن ممارسات حماتي وخزعبلاتها وأعمالها الشريرة وواصلت ذلك معي حتى أمرت زوجتي بأن تصطحب ابنتنا وتعود إليها ورفضت الصلح واشترطت قبله أن أتنازل عن الشقة وكل ما أملك لزوجتي وباءت كل المحاولات معها بالفشل.
كاد يصيبني الجنون فأقوم من النوم فزعاً على كوابيس مرعبة وأرى الأشباح أمامي في اليقظة حتى في وضح النهار أتشكك فيمن حولي وأسير أتلفت يميناً ويساراً ولاحظ الناس تصرفاتي الغريبة وتهامسوا فعلاً بأنني مجنون واضطررت لأن أطرق أبواب الدجالين والمشعوذين الذين أقنعوني بأن حماتي قد “عملت لي سحراً”، وتتحكم في تصرفاتي واستنزفوا أموالي بحجة “فك العمل” وتدهورت صحتي وأهملت عملي وتضاءل دخلي الذي يعتمد في الأساس على الانتاج وكمية المبيعات ولم أجد أمامي إلا التخلص منها فقد تسببت في أن أخسر كل شيء.
في لحظة شعر “عادل” بأنه قاب قوسين أو أدنى من المشنقة بتهمة القتل العمد والتمثيل بالجثة فراح يهذي بكلام غير مفهوم وادعى الجنون لكي يفلت من العقاب ولم يجب أمام النيابة عن أي سؤال وكلما يتم توجيهه إليه يدعي الجنون وينكر ما قاله في محضر الشرطة، والأمر الطبيعي في مثل هذه الحالات أن تقرر النيابة احالته إلى مستشفى الأمراض النفسية ووضعه تحت الملاحظة وإعداد تقرير طبي عن حالته العقلية ومدى إدراكه ووعيه ومسؤوليته عن تصرفاته وقت وقوع الجريمة. وأكدت المعلومات أن القتيلة لم تكن ساحرة وإنما تأتي ببعض التصرفات التي تنم عن الجهل والتخلف ليس إلا، وبعد خمسة وأربعين يوماً جاء التقرير ليؤكد أنه عاقل ولا يعاني أي أمراض نفسية.