تقارير

«اللحم الحلال» يدخل انتخابات الرئاسة الفرنسية

في خضم حملة الانتخابات الرئاسية التي يطبعها الانقسام والتنافس، يبدو أن فرنسا تخوض مجدداً معركة غير مريحة حول مكانة المسلمين في مجتمع لا يخفي التزامه الصارم بالعلمانية، لكنه في الوقت نفسه يظل مشدوداً إلى جذوره المسيحية.
فبعد إقرار قانون مثير للجدل يحظر ارتداء النقاب الذي يغطي الوجه بأكمله، تدشن فرنسا فصلاً آخر ضمن الدراما الممتدة التي اندلعت مؤخراً على خلفية اللحم الحلال. وعلى غرار اللغط الذي صاحب قضية النقاب الذي حُظر ارتداؤه في الأماكن العامة تبرز مسألة اللحم الحلال الذي يُذبح وفقاً للتقاليد الإسلامية كمؤشر آخر على تضايق واسع النطاق بين الفرنسيين إزاء العدد المتزايد من المسلمين الذين يتحدون الأغلبية الفرنسية من خلال التمسك بعاداتهم وطريقة لباسهم.
والحقيقة أن هذه المواجهة بين التقاليد الإسلامية والموروث المسيحي الأوروبي، اندلعت في أكثر من دولة أوروبية مع تنامي أعداد المسلمين في المجتمعات الأوروبية الناتج بدوره عن استمرار تدفق المهاجرين من جهة وارتفاع عدد الولادات في الأسر المسلمة من جهة أخرى.
غير أن الأمر يكتسي بعداً خاصاً في فرنسا التي تزامن فيها إثارة موضوع اللحم الحلال مع الحملة الانتخابية. لكن أيضاً لأن فرنسا التي تضم أكبر عدد من المسلمين وتتوافر على مناطق حضرية وفي الضواحي تقطنها غالبية مسلمة، بحيث بات من السهل عليهم التمسك بطرقهم التقليدية وعاداتهم الدينية دونما الحاجة إلى الاندماج الفعلي في المجتمع الفرنسي.
ومع ذلك من الصعب الجزم بعدد محدد وموضوعي لعدد المسلمين في فرنسا، لأن القانون الفرنسي يحظر طرح أسئلة تتعلق بالديانة والعرق. وإنْ كانت تقديرات وزارة الداخلية تدعمها في ذلك بعض الأبحاث تضع عدد المسلمين في حوالي خمسة ملايين نسمة، مع اعتقاد قادة المسلمين أن العدد في حدود ستة ملايين إذا احتُسب المهاجرون السريون الذين عادة ما لا تحصيهم السلطات.
وترجع الشرارة الأولى لاندلاع قضية اللحم الحلال إلى تصريحات مرشحة "اليمين" المتطرف، مارين لوبان، التي قالت فيها إن جميع اللحوم التي يستهلكها سكان باريس هي حلال، وأن الملايين من الفرنسيين يستهلكون لحماً حلالًا دون أن يعرفوا بذلك، ومع أن ساركوزي في البداية تجاهل الموضوع واعتبره سخفاً ووافقه على هذا الرأي القصابون الفرنسيون الذين نفوا أن يكون اللحم الذي يستهلكه أغلبية الفرنسيين حلالًا، إلا أنه عاد ليركز عليه عندما شعر بأنه تحول إلى موضوع انتخابي يستحق الحديث عنه لحشد الأصوات، داعياً إلى وضع ملصق على جميع اللحوم توضح الطريقة التي ذبحت بها.
وبرر هذا التركيز على اللحم الحلال بكونه أصبح يحتل مركز الصدارة في اهتمام الفرنسيين حسب استطلاعات الرأي، لكن في المقابل انتقد المرشح الاشتراكي، "فرانسوا هولاند"، تركيز ساركوزي على مسألة اللحم الحلال باعتباره تضييقاً على المسلمين ومحاولة مكشوفة لاستمالة أصوات "اليمين" المتطرف، داعياً إلى ضبط النفس وعدم الانزلاق إلى تصريحات سلبية.
وأكد "هولاند" أن التركيز يجب أن ينصب على التعامل الرحيم مع الحيوانات قبل ذبحها بصرف النظر عن التقاليد المتبعة أكانت إسلامية، أو غير ذلك، وفي ظل هذا الجدل دخل وزير الداخلية، "كلود جيو"، الذي يعد أحد رجال ساركوزي والمتوافقين معه في أيديولوجيته "اليمينية" عندما صرح بأنه في حال تمت الموافقة على قانون مشاركة المسلمين غير الفرنسيين من المقيمين على التراب الفرنسي في انتخابات المجالس البلدية، فإن ذلك سينتج مجالس في بعض المناطق ذات أغلبية مسلمة قد تفرض اللحم الحلال، وهو قانون كان المرشح "فرانسوا هولاند" قد دافع عنه في وقت سابق، هذا الأخير الذي أدان تصريحات وزير الداخلية باعتبارها تخويفاً ينتهجه أنصار ساركوزي لاستمالة "اليمين".
وفي أول رد فعل رسمي للمسلمين الفرنسيين عبر "محمد موسوي"، رئيس المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية، عن قلقه من إثارة مسألة اللحم الحلال كموضوع رئيسي في الانتخابات الفرنسية لأنها حسب قوله "تخلق توتراً في المجتمع"، إلا أنه تجنب توجيه انتقادات للحكومة انسجاماً مع سياسة المجلس التي تنأى به عن الجدل والخلافات السياسية.
ولم يقتصر التعبير عن القلق على المسلمين، بل امتد أيضاً إلى اليهود الفرنسيين في شخص الحاخام "برونو فيزون"، الذي قال إن وضع ملصقات على اللحم توضح الطريقة التي ذبح بها تدخل في إطار التشهير بالآخر، لكن رئيس الوزراء الفرنسي، زاد من تأجيج الوضع عندما اقترح على المسلمين واليهود التخلي عن عاداتهم الخاصة في الذبح التي وصفتها بأنها "لم تعد لها أساس في عالم اليوم، وما وصل إليه العلم من تقدم".
ويأتي هذا الجدل المحتدم في فرنسا حول مسألة اللحم الحلال، لتذكر المتتبعين بجدل آخر اندلع في العام الماضي حول قضية النقاب، وانتهت بسن قانون يحظر على النساء المسلمات ارتداءه في الأماكن العامة. وتعرض هذا القانون الذي أيده الاشتراكيون كما حزب ساركوزي لانتقادات قوية من المسلمين باعتباره تقليلاً من قيمة معتقداتهم، وإنْ كان القانون لاقى صدى إيجابياً لدى الرأي العام الفرنسي. ويذكر أنه أكثر من 280 امرأة تم توقيفها من قبل الشرطة الفرنسية منذ صدور القانون في شهر أبريل من السنة الماضية وحتى نهاية السنة، لكن من بين ذلك العدد لم تدن سوى ست حالات فيما برئت ساحة الأخريات.

إدوارد كودي - باريس

ينشر بترتيب خاص مع خدمة "واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس"