الملحق الثقافي

«الخدم».. وثيقة سينمائية ضد العنصرية

كيف يمكن لمبادرة فردية مشمولة بالتعاطف والحماس الذاتي، أن تساهم في تغيير منظومة راسخة ومتوارثة من الأفكار الاجتماعية الداكنة والمجحفة التي لا تستند سوى على نظرتها الأحادية والعمياء، أفكار تعود إلى الحقبة الاستعمارية والكولينيالية المضطهدة للعبيد، والتي يساهم تراكمها الزمني وانحيازها المغلوط والقاتم في تحويل مدينة ريفية هادئة هي مدينة جاكسون في ولاية ميسيسيبي الأميركية أثناء حقبة الستينات إلى ثكنة جهنمية يسود فيها التمييز العرقي والفصل العنصري والاحتكام إلى الأصول الإثنية، واعتبارها القاعدة التي لن يشذ عنها أي حكم جائر تجاه الطبقة العاملة من السود والملونين، وليتحول هذا الحكم بدوره إلى وصمة عار في جبين التاريخ الأميركي المعاصر، وإلى تمرد معاكس من قبل العمالة السوداء، واحتجاج علني من قبل بعض المثقفين والمتنورين البيض الذي تحدوا هذه الأحكام وقدموا تضحيات اجتماعية هائلة لتحقيق الشرط الإنساني القائم على الحرية والمساواة وتعميم الحقوق المدينة المتخطية لحواجز الدين والجنس والعرق.
هذه الأفكار المتصادمة والمتشكلة في مناخ إقصائي ومتزمت ومشمول بالتناقضات والتفريعات المأساوية والمعذبة، ستكون بمثابة مادة فيلمية خصبة تحت يدي المخرج الأميركي تيت تايلور، كي يقدم لنا سردا بصريا فاتنا بعنوان: The Help والذي يشير كمصطلح شعبي متداول في الجنوب الأميركي إلى “الخدم” ذوي الأصول الأفريقية والذين كانوا يديرون كل التفاصيل غير المنظورة بمنازل الطبقة البورجوازية البيضاء في أميركا الستينات ـ ترجم البعض عنوان الفيلم إلى: “المساعدة” وهي ترجمة مباشرة لا تحمل أية دلالة أو مغزى لمن شاهد الفيلم فعلا.
استطاع العمل بجرأته وشفافيته والذي ساهمت في انتاجه (إيميج نيشن أبوظبي) أن يستحوذ على اهتمام الجمهور والنقاد على السواء، وضمن لنفسه من خلال حسه الساخر والنابع من القسوة والحزن مكانة متقدمة في ترشيحات الدورة الرابعة والثمانين لحفل الأكاديمية الأميركية للعلوم والفنون السينمائية (الأوسكار)، فنافس على جائزة أفضل فيلم وسط ثمانية أفلام أخرى نفذت بميزانيات ضخمة، كما نافس على جائزة أفضل ممثلة في دور رئيسي (فيولا ديفيز)، ورشحت ممثلتين في الفيلم لجائزة أفضل دور نسائي مساند (جيسيكا جاستين، وأوكتافيا سسبنسر)، واقتنصت الممثلة السمراء سبنسر الجائزة وسط تصفيق حار ومتعاطف مع دورها الفيلم، ووسط منافسة شرسة مع ممثلات مخضرمات، اعتمادا على الأداء العفوي والارتجالي الذي قدمته ومزجت فيه بين الكوميديا والتراجيديا بشكل متماه ومخلص لقيمة وتأثير الشخصية التي أدتها بإتقان وتميز.
اعتمد تيت تايلور في الفيلم على رواية حملت عنوان الفيلم وهو: “الخدم” للمؤلفة الشابة كاثرين ستوكيت التي استطاعت من خلال باكورة أعمالها الروائية أن تتصدر مبيعات الكتب في العام 2009 وأن تضع صديقها المخرج تيت تايلور في موقع التحدي الحقيقي عندما قرر نقل الاحتفاء الشعبي والتأثير العاطفي المتوهج في الرواية إلى شاشة السينما، وتحويل النص السردي بكل تفاصيله وتشعباته وأسراره ومواقفه المبهجة والمأساوية إلى فيلم يختصر ويكثف الرواية في ساعتين فقط.
يتناول العمل قصة ثلاثة نساء استطعن من خلال إصرارهن على تغيير قوانين الفصل العنصري في ولاية ميسيسيبي المزدحمة بالأثرياء الجدد ومحدثي النعمة، أن يحطمن التابوهات الاجتماعية المكبلة لحقوق الملونين في أمريكا، وخصوصا طبقة الخدم المسحوقة والتي عانت من الأحكام السائدة والجائرة المحيطة بها، رغم أنها كانت تقدم خدمات كبيرة للبورجوازيين البيض في تلك الفترة الحرجة، ابتداء من الاعتناء بالأطفال ومرورا بالطبخ والتنظيف وليس انتهاء بالإتباع الحرفي لشروط “الإتيكيت” أو “البريستيج” أثناء إقامة الولائم والحفلات والمناسبات الاجتماعية المهمة، مع ضرورة الحفاظ على الأسرار الداخلية للأسرة وعدم إفشائها مهما كلف الأمر، ورغم أجورها المتدنية وأشغالها الجسدية الشاقة والمرهقة إلا أن طبقة الخدم وسط هذه المجتمعات الراقية بمدينة جاكسون كانت تعاني من اضطهاد عرقي وفصل عنصري واضح يمنعها من أدنى المتطلبات الإنسانية، ويضعها دائما تحت مشرط الشكوك المسبقة والاتهامات الجاهزة بالسرقة والخيانة والتخاذل. استند الفيلم وبشكل أساسي على تميز وقوة أداء الممثلين، لأن تناول قضايا اجتماعية حساسة مثل التمييز العرقي، يحتاج لنقل وترجمة الانفعالات الشخصية لثقافة المكان وسلوكيات أفراده، سواء أكانوا ضحايا أو جلادين، مستلبين أو مهيمنين، ومهانين أو متجبرين، ومن هنا أيضا كانت ترشيحات التمثيل لجوائز الأوسكار منصبة على هذه الفيلم دون غيره.
ففي جبهة الضحايا تبرز شخصية الخادمة السوداء (إيبيلين كلارك) تقوم بدورها (فيولا ديفيز) التي تدير شؤون منزل تتحكم به امرأة بيضاء متنمرة (هيلي هيلبروك) ـ تقوم بدورها برايس دالاس ـ ورغم الاهتمام الكبير والحنان المفرط الذي تبديه الخادمة ايبيلين تجاه الطفلة الصغيرة للأسرة، إلا أنها تعاني من تصرفات مخدومتها المفرطة بدورها في القسوة والكراهية واحتقار كل ما يمت للسود بصلة، وفي ذات الوقت تعاني ايبيلين من حزن داخلي عميق ومتجذّر فيها، حيث أنها فقدت ابنها ذي الرابعة والعشرين، عندما صدمته شاحنة وأهمله المسعفون البيض ورفضوا معالجته، فمات في منزلها وبين يديها لأن لون بشرته لا يسمح له بدخول المستشفى المخصص للبيض وحدهم، ورغم أنها تنوء بحمل هذه الذكرى المأساوية الثقيلة إلا أنها لم تسمح للحقد أن يتغلغل إلى مشاعرها، وكانت تردد طوال زمن الفيلم: “علينا أن نحب كل البشر، حتى أعداءنا”.
يتناول الفيلم أيضا شخصية الخادمة (ميني جاكسون) ـ أوكتافيا سبنسر ـ التي تتمتع رغم انكسارها ورغم الظروف الضاغطة عليها بحس كوميدي وروح مرحة، استثمرها المخرج جيدا كي يصيغ مسارات مبهجه ومضيئة في النسيج السوداوي الطاغي على أجواء القصة. وتتجسد الشخصية المحورية الثالثة للفيلم في الصحفية الشابة والناشطة الحقوقية البيضاء، سكيتر فيلان ـ تقوم بدورها إيما ستون ـ التي تفاجأ بطرد مربيتها السوداء من قبل والدة سكيتر، رغم الرباط العاطفي المتين الذي يربطها بالمربية، حادثة الطرد هذه سوف تحرك في الصحفية الشابة نوازع البحث في جذور المشكلة العنصرية المهيمنة على مدينتها، وكيفية احتواء هذه المشكلة من خلال تغيير منظومة القيم والأفكار والقوانين غير المنصفة تجاه طبقة الخدم بشكل خاص، وتجاه العمال الملونين بشكل أشمل، ورغم كل المعوقات الاجتماعية وردات الفعل المضادة والعدائية لمبادرتها، تقرر سكيتر بالتعاون مع الخادمتين إيبيلين وميني المضي في هذا التحدي وتأليف كتاب صادم وجريء بعنوان: “الخدم”، يكون بمثابة تحقيق شامل للجرائم العنصرية التي مست شريحة كبيرة من الخادمات في المدينة، وسيكون الكتاب أيضا أشبه بمانيفستو العذاب والحكايات المصادرة والمخفية عمدا تحت طبقة سميكة من الخوف الاجتماعي وتواطؤ المسؤولين وشراسة الأثرياء البيض العنصريين بكل تصرفاتهم المشينة والظالمة والتي حولت السود إلى مجموعة من الكائنات المهمشة والضعيفة التي لا ترقى لدرجة البشر، ولا تحظى بالمعاملة الإنسانية السوية التي تحفظ كرامة وحقوق هذه الطبقة المغيبة والمنسية عمدا.
وبالفعل يساهم الكتاب في إحداث ثورة ثقافية غير مسبوقة في المكان، كما استطاع أن يولّد شرارة التبدلات الجديدة في وعي وطريقة تفكير القائمين على شؤون المدينة، خصوصا عندما يلقى الكتاب رواجا ملحوظا بين القراء ويتحول إلى ما يشبه عريضة توثّق للانتهاكات والفضائح المستترة والمسكوت عنها لزمن طويل يمتد إلى تاريخ معتم من الممارسات الهمجية وغير الحضارية، وذلك بالتوازي مع بروز أصوات قوية مشابهة ومصرة على إرساء قوانين جديدة للحقوق المدنية في كافة الولايات الأميركية، ولعل أبرز مثال لهذا الصوت المدوي والمحتج هو مارتن لوثر كينج، الذي مهد لحقبة جديدة ومنصفة للسود في التاريخ الأميركي أثناء فترة السبعينات وما بعدها.
استطاع فيلم تيت تايلور أن يجذبنا إلى منطقته وأن يسمعنا مقولته دون إجبار أو ضجيج مبالغ به، فهو من نوعية الأفلام التي تقودك إلى حواف التعاطف مع الشخصيات ولكنك في ذات الوقت ولكونك مشاهدا محايدا، تملك حرية إطلاق الأحكام استنادا إلى ظروف القصة المروية، وزمن حدوثها، بحيث يحتفظ الفيلم بلغته السينمائية العالية وبترميزاته وإشاراته وخياراته الجمالية، وهو أسلوب رأيناه ولامسناه في فيلم سابق للمخرج بعنوان: “عظمة الشتاء” Winter’s Bone الذي قدم فيها سردا بصريا شيقا وشائكا حول عذابات فتاة مراهقة تجابه قسوة والدها الغائب وقسوة محيطها الاجتماعي في مناخ شتوي قاحل وكئيب، كي تدافع عن أسرتها الصغيرة المكونة من طفلين ووالدة معاقة، وكما في فيلم “الخدم” يمنح تايلور فيلمه ما يستحقه من اعتناء وتوازن بين المسارات الدرامية، وربط شروط المحيط الخارجي بمقاومة الشخصيات المنعزلة والهشة لمرارات وكوابيس هذا المحيط.