الملحق الثقافي

بانوراما الموسيقى

هذه الحلقة هي ختام مطافنا في روضة النغم الكلاسيكي. وسعيا لأن يكون الختام مسك، نختار من أشجارها ثمرات ومن ينابيعها قطرات... تذكارات عن رحلتنا كعادة السائحين. وفي ما يلي مختارات من بعض حصاد جولتنا.

الموسيقى الكلاسيكية
التعريف الضيّق للعبارة يتعلق بالموسيقى الأوروبية التي سادت في الحقبة بين بدايات القرن السادس عشر ونهاية القرن التاسع عشر. والواقع ان مصطلح “الموسيقى الكلاسيكية” نفسه لم يظهر إلا في أوائل القرن التاسع عشر محددا حقبتها الذهبية بين اثنين من كبار عباقرتها وهما يوهان سباستيان باخ ولودفيغ فان بيتهوفن.
وقد ميزت الموسيقى الكلاسيكية الغربية نفسها في تلك الفترة عن أشكال الموسيقى الكلاسيكية الأخرى مثل الهندية واليابانية والصينية بعدة أشياء. فقد جمعت الغربية ما يمكن ان يسمى “الموسيقى الدنيوية” إضافة الى الدينية بينما كانت الهندية واليابانية والصينية “مرآة موسيقية” للتعاليم والقصص الدينية الهندوسية والبوذية. أما العنصر الثاني فهو ان الموسيقى الكلاسيكية الغربية تميزت عما عداها بنظام النوطة الموسيقية وهو تدوين الموسيقى على الورق. ومن ناحية الشكل فإن الموسيقى الكلاسيكية تتخذ لنفسها قوالب محددة أبرزها السيمفونية والكونشيرتو والسوناتا وقطع الصالونات والرباعي الوتري. وبغض النظر عن القالب فإن السمة التي تتصف بها هذه جميعا هي البنية التي تتخذ من “الهارموني”، أو التناغم بين مختلف الأصوات، عمودها الأساسي.

الاوركسترا
مجموعة من عازفي الآلات الموسيقية تتراوح في العدد تبعا لتصنيفات فرعية أكبرها “الاوركسترا السيمفونية” التي يمكن ان تضم 120 عازفا وربما أكثر. وتحوي هذه مختلف الآلات بشتى أنواعها من الوترية والإيقاعية والنحاسية والخشبية. كما يمكن أن تصاحب الأوركسترا مجموعة من الأصوات البشرية تسمى مجتمعة الجوقة أو الكورس أو الكورال.

السيمفونية
هذه مقطوعة مطولة لأوركسترا كاملة تقع في أربعة أجزاء تسمى “حركات”. وفي أغلب الأحوال يكون أول هذه الحركات سريعا ويتألف هو نفسه من ثلاثة أقسام (تسمى “سوناتا فورم”) يحدد أولها “النَفَس العام” للسيمفونية، ويخرج الثاني منه تماما قبل ان يعود إليه الجزء الثالث. وتكون الحركة الثانية بطيئة على عكس الثالثة الخفيفة الأقرب الى الراقصة. أما الحركة الرابعة فتكون مثل الأولى في سرعتها وأجزائها الذي يأتي ثالثها بالسيمفونية ككل الى ختام يتسم عادة بالصخب والقوة.

الكونشيرتو
مثل السيمفونية في أنه يقع في أربع حركات (أو ثلاث في أحوال عدة)، لكنه يختلف عنها في أنه مؤلف لآلة موسيقية معينة، على الأغلب الكمان أو البيانو وإن لم يكن حكرا عليهما. وبينما تكون السيمفونية مؤلفة للأوركسترا عامة، تصبح مهمة هذه الأخيرة في حالة الكونشيرتو هي مصاحبة الآلة المختارة في حلها وترحالها.

السوناتا
مقطوعة لآلة واحدة أو لأوركسترا صغيرة. سادت بشكل أساسي في عصر الباروك في أوروبا (القرن السابع عشر). وكانت في ذلك الوقت تعني “الموسيقى الصرف” تمييزا لها عن “الأغنية”.

موسيقى الصالونات
مؤلفة لأوركسترا صغيرة بحيث يحتويها صالون المنزل إضافة الى أصحابه وضيوفهم. وهكذا لم تكن في ذلك الزمان للعامة وإنما لعلية القوم في حفلاتهم الخاصة. وهي تتخذ من هذه “الحميمية” أهمية اجتماعية أكثر من كونها خروجا على المألوف في ما يمكن ان يقال عن الموسيقى الكلاسيكية بشكل عام.

الرباعي الوتري
وهو الرباعي المكون من كمان رئيسي وآخر ثانوي مصاحب وفيولا (الكمان الكبير) وتشيلو. وهو تشكيل وجد له مكانة خاصة في موسيقى الصالونات بفضل أنه العدد الأقل من أفراد الأوركسترا الذي يمكن أن يحتويه صالون في منزل خاص. وأهم ما يمكن ذكره هنا هو أن باستطاعة هذا الرباعي “تقليد” أعمال أوركسترالية كبيره بتوفيره أربعة أصوات من الهارموني المطلوب في الموسيقى الكلاسيكية.

الأوبرا
دراما تعرض بشكل رئيسي غنائيا وبمصاحبة الأوركسترا فتشكل بذلك جزءا من الموسيقى الغربية الكلاسيكية. ابتدعت في إيطاليا في مطالع القرن السابع عشر، وتشمل عددا من عناصر المسرح الكلامي مثل التمثيل والديكور والمناظر الخلفية والأزياء والرقص أحيانا. عادة ما تكون عروضها في دور مخصصة لها ومصحوبةً بأوركسترا أو فرقة موسيقية أصغر قليلا. وثبت عبر هذا الفن أن الصوت البشري يظل أفضل “آلة موسيقية” على الإطلاق.

عباقرة النغم
حري بنا في هذا المقام أن نتخيّر ـ من سلسلة طويلة من عباقرة النغم ـ بعض الأسماء التي لا تكتمل مكتبة موسيقية كلاسيكية إلا ببعض، إن لم يكن كل، أعمالها. وللتقريب فهذه أسماء صارت بالنسبة للتراث الموسيقي الغربي مثل دافنشي ومايكل انجلو وبيكاسو وفان غوخ وغوغان للحركة التشكيلية الغربية... لا يمكن التعرض لها الا بذكرها:

يوهان سيباستيان باخ (1685 ـ 1750): ما أن يذكر اسم آخر هو باخ، الذي وصل بمؤلفات عصر الباروك الى قمتها الأعلى على الإطلاق، الا وتذكر الموسيقى الكلاسيكية، أو مفهومنا لها على الأقل.
ومن مفارقات الأزمان أن هذا العملاق الموسيقي الألماني، الذي ألف قرابة ألف عمل في سائر ضروب الموسيقى الكلاسيكية (عدا الأوبرا) تعتبر اليوم زبدة الموسيٍقى في عصره، لم يذكره أحد وقتها إلا كعازف ماهر للأورغن. ويقدر انه لو كُلف موسيقي اليوم بتدوين أعمال باخ يدويا على النوطة، لاحتاج الأمر منه ما لا يقل عن أربعين سنة لإنجاز المهمة كاملة.

فرانتز جوزيف هايدن (1732 ـ 1809): مؤلف نمساوي يعتبره العديد «أبا السيمفونية» لأنه نقلها من مقطوعات موسيقية قصيرة لأوركسترا صغيرة الى شكلها المعروف في أربع حركات لأربع فئات من آلات الأوركسترا السيمفونية كما نعرفها اليوم وهي الوترية والنحاسية والخشبية وآلات الإيقاع والنقر.
كان أحد أهم أحداث حياته هو العلاقة التي نشأت بينه وبين فولفغانغ اماديياس موزارت والأثر الذي أحدثه كل منهما في الآخر يعتبر بحق أحد أبرز ملامح التاريخ الموسيقي الأوروبي في القرن الثامن عشر. وفي هذا الصدد قال موتسارت إن هايدن علمه فن الرباعي الوتري. والثابت ان هايدن تعلم من موتسارت إثراء تراكيبه الموسيقية وتوظيف إمكانات الأوركسترا الى الحد الأقصى وهو ما ميز جميع سيمفونياته الأخيرة.

فولفغانغ أماديياس موزارت (1756 ـ 1791): ألف سيمفونيته الأولى في سن الثامنة لأن والده كان مريضا وحرمت والدته عليه لمس البيانو. فألف السيمفونية للأوركسترا كاملة على النوطة تبديدا لشعوره بالضجر بعيدا عن البيانو.
ولدى وفاته المبكرة في سن الخامسة والثلاثين، كانت مؤلفات موزارقد وصلت الى أكثر من 630 من اوبرا الى سيمفونية الى كونشيرتو الى سوناتا الى قداس موسيقي الى أغنية كنسية الى سائر أشكال الموسيقى الكلاسيكية الأخرى. ورغم أن غزارة الإنتاج هذه مذهلة في حد ذاتها، فإن مكمن العبقرية هو عذوبة الموسيقى ورشاقتها والآفاق الجديدة التي وصلت اليها على تنوعها الواسع. وقد بلغ شأوها أن موسيقيا في مقام بيتهوفن سعى الى لقائه «للإفادة من علمه وموهبته» واعترف بتأثيره على مؤلفاته.

لودفيغ فان بيتهوفن (1770 ـ 1827): ما أن تذكر عبارة “الموسيقى الكلاسيكية” حتى يقفز اسمه وسيمفونيته الخامسة النارية الى الذهن... فكأنه المؤلف الكلاسيكي الوحيد، وكأنه لم يؤلف غير السيمفونية الخامسة.
كان من أوائل المؤلفين الذين ابتدعوا تطوير البناء الموسيقي من “طوبة” أو جملة موسيقية واحدة. واشتهر ايضا بتجديده سائر الأشكال الموسيقية التي مستها يداه. ويعتبر جسرا بين الموسيقى الكلاسيكية والموسيقى الرومانسية التي تمردت على “القوالب الحسابية” الصارمة التي تميزت بها تلك الأولى. ومن غرائب القدر ان يحرم هذا العبقري حاسة السمع. لكنه كان مقتنعا بأن خلاصه من أشجانه إنما يكمن في التأليف الموسيقي بغض النظر عن العوائق، فألحق بالبيانو رقاقة كان يعض عليها حتى ينقل ذبذباته الصوتية الى فكه. ولدى وفاته سار في جنازته أكثر من عشرة آلاف شخص، في حدث لا سابقة له مع أي شخصية عامة أخرى مهما علا شأنها.

رتشارد فاغنر (1813 ـ 1883): كان موسيقيا شكلت أعماله منعطفا مهما في مسيرة الكلاسيكيات، وقائدا اوركستراليا، ومخرجا اوبراليا، وشاعرا وكاتبا منظرا. وهو الموسيقي الاوبرالي الوحيد الذي كان يؤلف ايضا أشعارا وحوارات أعماله التي مزج فيها رومانسية القرن التاسع عشر الميلودرامية والروايات البطولية الملحمية في الفوكلور الألماني. وكان ايضا لا يعرف التواضع ويصف نفسه علنا بأنه عبقري زمانه و”شكسبير الموسيقى”. وربما يكفيه أنه صاحب أضخم عمل اوبرالي في التاريخ هو رباعية الخاتم التي بلغ من شأوها أن شيدت لها دارا خاصة لعرضها، أصبحت صرحا يقدم أعماله اإلى اليوم.