الملحق الثقافي

هل تكفي ثوان لرواية سيرة؟

أتساءل: متى يصبح الشكل تقليدياً؟ وأجيب: عندما يتكرر في أكثر من عمل روائي وبالصيغة نفسها؟
هذا التكرار هو الذي يجعل الرواية نمطية، يحيلها إلى عمل إتباعي لا جديد فيه، وعليه صار من الضروري أن يكتب الروائي عملاً لا يتعمد أن يخلق شكلاً مغايراً بقدر أن يأتي هذا الشكل المغاير بشكل عفوي، لا تخطيط مسبقاً فيه.
بالأمس قرأنا “اسم الوردة” لامبرتوايكو، قرأنا “عزازيل” ليوسف زيدان وقرأنا أعمالاً عدة لشباب عربي من مختلف الدول العربية وهم جميعاً يقتربون من نمط شكلاني واحد وهو “نظام المخطوطة/ الرسالة”.. وبالضرورة فإن استخدامها في “اسم الوردة” اكتشاف جميل، وتكرارها في “عزازيل” تقليد، وتكرارها في أعمال الشباب العربي فيما بعد تقليد آخر، مع الفارق أن “عزازيل” لم تعتمد على بنية المخطوطة بقدر ما جاءت عرضاً ومبررة كونها جزءاً من بنية اشتغال بطلها على الورق والكتاب الوثيقة/ المخطوطة.
عندما يتكرر الشكل في رواية جديدة، نتساءل: هل يدخل هذا الاستخدام الشكلي في بنية العمل وموضوعته أم أنه استخدام تكراري يراد منه إقحام شكل تقليدي في النص كي نحسب للروائي جمالياته؟

لعبة الضمائر
وأنا أقرأ الرواية الخامسة من روايات البوكر العربية وهي “دمية النار” للجزائري بشير مفتي وجدت أن الرواية قد بنيت على أساس “المخطوطة/ الرسالة”، حيث نرى ساردين أولهما كاتب الرواية وهو ما أطلق عليه بشير مفتي كلمة “الروائي” والثاني هو صاحب الرواية وهو ما اطلق عليه بشير مفتي اسماً حمل “رضا شاوش”.
من خصائص هذا النوع من الروايات التي تعتمد شخصيتين، الناقل “الروائي”، والبطل “الحكّاء” إنها تعتمد السرد بضمير المتكلم عند جزء البطل الحكّاء لأنه ينقل عبر رسالة تنتمي له وقد صاغها بنفسه موجهة إلى الروائي أو لمن سيقرأها تعبر عن ذاته هو وبذلك لا بد أن يستخدم هذا الضمير الذي يعبر عن كينونة السارد، ومن جهة أخرى نجد أن من وجهت له المخطوطة من المباح له أن يستخدم، أما ضمير المتكلم أو الغائب، فإن استخدم ضمير المتكلم أصبحت الرواية بمجملها وقد صيغت بضمير واحد، وهذا إرباك للروائي لأنه لا بد له من أن يكتب بنسقين مختلفين في ضمير واحد، حيث لا يتشابه ضمير المتكلم للروائي مع ضمير المتكلم للبطل الحكّاء، إذ لكل واحد منهما نسقه الخاص في الحكي، ومن الجانب الآخر فإن اجتماع ضمير الغائب عند السارد الأول “الروائي” وما يقابل ضمير المتكلم عند السارد الثاني “البطل الحكّاء” سوف يحل المشكلة إذ نجد الكاتب وقد تخلص من روح عدم المشابهة.
هنا يستدعيني تساؤل مهم: لماذا تستخدم الرواية راوياً مستلماً للمخطوطة؟ ما ضرورة أن يكون هناك سارد بيني كقارئ وبين صاحب المخطوطة/ الرسالة؟

الرسالة والمخطوطة
في رواية “دمية النار” لبشير مفتي نجد جزئين وهما:ـ الروائي ورضا شاوش.
يشير الروائي “بشير. م” تلخيصاً لاسمه الكامل على النص باعتباره سارداً ممسرحاً في فصله القصير 15 صفحة إلى أنه قد تعرف بشخص اسمه رضا شاوش، وقد أعجب به في بيت “العربي بن داوود” الشخصية الثائرة، وتباعد السنوات فيما بينهما، ويرتقي شاوش إلى مناصب عليا، بينما يصبح بشير كاتباً ثم يلتقيان بعد أن تقلد شاوش المناصب الرفيعة، غير أن هناك وفي لقاء جديد بينهما صدفة يكتشف بشير أن رضا شاوش يتحدث معه عن آلام تعيش في داخله، وهو يحاول أن يوصل له رسالة سوف يستلمها أو كما يطلق عليها “بشير. م” بالمخطوطة التي يسرد فيها رضا شاوش كل حكاية صعوده سلّم السلطة بعد عذابات ومرارات وانسحاقات وتنازلات قيمية وأخلاقية.
في النص الأساس “رضا شاوش” تكمن الحكاية كلها حيث يروي رضا شاوش حكايته وبالشكل التالي:
“الحياة قصة غريبة عندما تُروى على لسان شخص سيودع الحياة بعد ثوان معدودات”.
هذا خطأ سردي فاضح... كيف؟
في هذه العبارة تحديد زمني أن السارد سيودع الحياة بعد ثوان معدودات.. يستدعي التساؤل ما دام سيودع الحياة بعد ثوان معدودات كيف تسنى له باعتباره سارداً للمخطوطة أن يسرد روايته عبر 145 صفحة بعد توديعه للحياة بعد ثوان معدودات كما جاء في جملة الاستهلال هذه.
إن روايتنا العربية الآن ليست رواية موضوع درامي صراعي، بقدر ما هي رواية تمتزج فيها الحكاية مع السيرة الذاتية بما يصح أن نطلق عليها “بالسيرواية”، وهذا يتجلى بشكل واضح في رواية “دمية النار” هذه، هنا تلتبس الأنواع الأدبية وتتداخل ويستغل الروائي ضمور الحكاية فيلجأ لسعة السيرة الذاتية التي تنقذ الحكاية من فقرها.
المخطوطة بلسان رضا شاوش الذي يحكي سيرته في رسالة وصلت إلى بشير. م “الناقل، الوسيط الذي لا ضرورة له شكلياً”.. وبذلك أصبح لدينا هنا نصان: 1) رسالة قصيرة 2) مخطوطة الحكاية. في الرسالة القصيرة يقول فيها رضا شاوش: “عندما يصلك هذا المخطوط وأنا ربما في عالم آخر، ليس بالضرورة الموت وإن كنت لا أستبعد ذلك” (ص 20) وهذا مبرر تماماً لأنها جاءت في رسالة قصيرة لا تستغرق كتابتها خمس دقائق كتبها رضا شاوش قبل أن يقرر انهاء حياته.
لكن في المخطوطة الطويلة 145 صفحة من الصعب جداً أن يبدأها بأن شخص السارد سيودع الحياة بعد ثوان معدودات لأنه كتب بعد هذه الثواني كل سيرته فكيف حصل هذا؟

النموذج الإنساني
يحكي رضا شاوش في المخطوطة أنه ولد في حي شعبي في العاصمة “الجزائر” من أب ضابط في السجون يمتلك من القسوة ما لا يطاق، وأم مطيعة وأخ كبير هو “أحمد” الذي يشبه الأب في تطور الرواية.
يروي شاوش عن قساوة الأب الذي يموت منتحراً في الرابعة والخمسين، غير أن هذه القسوة لم تتملك الأب في أواخر حياته حيث تخلى عنها فأصبح مطيعاً، ممازحاً، حنوناً في مقابل ذلك تتفتح عوالم رضا شاوش على كافكا حال قراءته رواية “المسخ” وهي إهداء من معلمة اللغة العربية الودودة، ويعود السارد “شاوش” إلى أن يقرأ ما حصل لأبيه الذي ترقى في زمن بومدين إلى مدير سجن.
يقدم رضا شاوش نفسه نموذجاً إنسانياً يقف ضد تسلكات الأب القاسية، بينما يقدم أيضاً وجهه الأناني الآخر عندما يشي بجارتهم “رانيا” الفتاة التي في مثل عمره لأخيها كمال بأنها كانت على علاقة بشاب من الحي، فيضربها كمال.. تلك عقدة ظلت تتحرك فيهما لسنوات طويلة. كان رضا شاوش يقول: “إنني في جزء مني أشبه أبي حينها”.
هذا الشبه بوصفه استباقاً سردياً في الرواية سيحصل بعد ذلك عندما ينتمي رضا شاوش إلى ذات المجموعة المهيمنة على الفعل السياسي في الجزائر.
يقدم بشير مفتي شخصية ماركسية وهو “عدنان” صديق رضا شاوش الذي كان أكثر الشخوص انسجاماً مع نفسه ووضعه المعرفي، ويقدم شخصية الضابط “سعيد بن عزوز” صديق رضا شاوش أيضاً الذي يقوده إلى الانتماء للسلطة، ويقدم شخصية “كمال” صديق رضا شاوش الثالث الذي يسجن بوصفه فتى مجرماً حالما يتحول إلى إسلامي النزعة على يد “الشيخ أسامة” الرجل الخمسيني الذي أراد كمال أن يزوجه رانيا أخته حينما خرج من السجن.
استخدم الروائي بشير مفتي الرواية المقروءة “المسخ” لكافكا وتعرف رضا شاوش بها في إطار الإشارة إلى شخصية شاوش نفسه عندما أصبح مسخاً باعترافه هو، وبهذا نجد أن الاستخدام هذا لم يكن اعتباطياً، وبذلك فإن مجمل العمل الروائي هو رصد التقلبات في البنية النفسية والسلوكية لهذا المسخ “رضا شاوش”.

الضمير المخرب
يستخدم بشير مفتي التضمين الحكائي بزرق حكاية “كمال” في السجن وتعرفه على الشيخ أسامة”.
يبدو أن الروائي بشير مفتي قد حمّل روايته عبئاً كبيراً من القهر الأوديبي، حتى بدت بأكملها بوصفها نصاً أوديبياً.. كيف؟
يمكن قراءة المغزى الأوديبي في الرواية من خلال علاقات تضادية بين الابن رضا شاوش وأبيه، والعلاقة التصالحية بين الابن سعيد بن عزوز وأبيه، والعلاقة التصالحية بين الابن رضا شاوش وأمه، هذا الصراع بين الابن والأب شكل عقدة في الرواية بأكملها وكأن عقدة الصراع بحاجة إلى أن تكشف وحالما تنكشف تدخل الرواية في الشكل البوليسي، هذا بالإضافة إلى ما سيحدث من مفاجأة في نهاية الرواية.

المصائر المتحولة
تنشأ علاقة تماثلية بين “كمال” وأخته “رانيا” إذ يتحول كمال من متشرد يدخل السجن إلى متدين على يد الشيخ أسامة، وتتحول “رانيا” من زوجة ملتزمة عند زواجها من الفتى علام محمد إلى راقصة في الملاهي الليلية.
حسناً.. تدخل الرواية في المصائر المتحولة ويصبح أبطالها الشرطة والشحاذون والسياسيون القتلة، وتهرب رانيا مع الفتى علام محمد ويتبعها رضا شاوش فيغتصبها في بيتها داخل الحي القصديري.
لا يتجاوز رضا شاوش العقدة الأوديبية، إذ يسقط في التشابه الكلي مع أبيه عندما يعبر إلى الضفة الأخرى من العالم، عالم شخصيته التي فقدت تكوينها الإنساني فأصبح بديلاً للأب عند الجماعة أو المنظومة السلطوية.
يكتشف رضا تحول رانيا إلى راقصة، ويفاجأ في لقائهما بعد زمن طويل من زمن الاغتصاب أنها زوجة لسعيد بن عزوز وأن لديها ولداً من رضا شاوش وهو أحد مناضلي الجبل.. ويذهب رضا شاوش إلى الجبل ليلتقي بابنه ليخلصه من عالمه الذي هو عالم تضادي مع السلطة وحالما يتحاور معه تطلق الشرطة النار ويموت الابن وكأننا نشهد فيلماً تقليدياً أقل ما يوصف بأنه من أفلام الخمسينيات العربية يستخدم الروائي الاستباق الإرصادي بكثرة في نصه الروائي ومثاله:
“ذات يوم سأخبرك بما فعله والدك لأجلنا”.
ويستخدم التشابه السلوكي في بنية شخوصه ومثاله:
“صرت أبي بشكل لا واع”.
وعندما يكتشف رضا شاوش ـ كما ورد في مخطوطته ـ أن رانيا الراقصة في الكباريه قد جندها سعيد بن عزوز ضمن المنظومة السلطوية واكتشاف شاوش بأن سعيد قد تزوجها سراً بعد هروب زوجها علام إلى كندا نجد هنا حقاً أن الرواية دخلت في عالم إحسان عبدالقدوس الروائي المصري الشهير الذي استقت السينما العربية من أعماله حكايات أفلامها طوال 50 عاماً، ولا أدل على ذلك من أن منظومة الظل السلطوية تطلب من رضا شاوش أن يقتل الرجل السمين الذي كان صديق أبيه، وأصبح عرابه في هذه اللعبة.

السرد الرومانسي
من المنطق أن تنتهي الرواية عند مقتل الرجل السمين عراب السلطة على يد رضا شاوش وإحساس الأخير بالألم الذي جعله يكتب مخطوطه هذه، لكن الروائي يواصل إنشاءَه من ص 144 حتى ص 153 حين يتوقف، وهو بذلك يستخدم صوتين هما: 1) صوت داخلي عندما يتعلق بالسرد، 2) صوت خارجي عندما يسرد الحكاية.
في هذه الصفحات العشر كان السرد قد توقف بشكل تام واستبدله رضا شاوش بالوصف.. وصف المشاعر بأغلبها حتى أننا نقرأ له هذه العبارة التي لا أستطيع أن أصفها سوى أنها عبارة تقليدية من زمن السرد الرومانسي.
“عجيب أمر الحياة، لقد وصلت للذروة فإذا بها تظهر لي كهاوية مفتوحة”.
ثم يعود رضا شاوش ليضطلع بالوصف حيث يوقف السرد في الصفحات 156 حتى ص 160 وهي في مجملها محاولات توصيفية أو اعترافات لمحاكمة الذات.
بعد هذه الاعترافات يأتي نص الاعتراف الذي واجهت رانيا به رضا شاوش بأن لديها ولدا منه.
هذا النص يدخل الرواية في أنظمة دلالية تقليدية أولاً، وبنص حكائي يعتمد الغرابة والاستحالة فبفعل حادثة الاغتصاب تحمل رانيا من رضا شاوش ويكتشف ذلك بعد 19 عاماً حيث فر الفتى “عدنان” من أمه ليلتحق بالجبل وكأننا نتابع فيلماً سينمائياً ويذهب وراءه الأب رضا شاوش ويتحاور معه ورفاقه وتنطلق رصاصات الرشاشات من كل جهة ويسقط الجميع قتلى على الأرض ودماؤهم تسيل وعيونهم تبرق.
هذا ما سرده رضا شاوش الذي وعدنا بأنه سيغيب عن مشهد الحياة بعد دقيقتين. من المهم أن أؤكد هنا أن هذه الرواية قد أدخلت نفسها في قراءة عالم ذاتي يعيش في تداخلات سلطوية ولم تعش عوالم الواقع والبنى الاجتماعية، بل ظلت بعيدة عن العالم الاجتماعي الذي لم نره فيها مطلقاً.
تلك هي رواية بشير مفتي “دمية النار” التي تحولت إلى البحث النفسي في تجربة “القتل الأولى” مشابهة لنظرية عقدة الأب الفرويدية التي حاول الروائي الاقتراب منها في عالم اجتماعي بمور بالكثير من المتغيرات على المستوى الطبقي والصراع الفكري الذي رمز له بشخصية صديقه الماركسي عدنان الذي اختار الهجرة إلى أوروبا.