الملحق الثقافي

جبران.. معلّم المحبة

“المحبة لا تعطي إلا نفسها، ولا تأخذ إلا من نفسها. المحبة لا تملك شيئاً، ولا تريد أن يملكها أحد. لأن المحبة مكتفية بالمحبة”.
جبران في كتاب “النبي”

بعد صدور كتابه “النبي” بسنوات كتب جبران عنه: “شغل هذا الكتاب الصغير كل حياتي. كنت أريد أن أتأكد بشكل مطلق من أن كل كلمة كانت حقاً أفضل ما أستطيع تقديمه”. وذلك اعتراف بمكانة الكتاب الذي رغم أنه صغيرالحجم أثار الكثير من الدوي وردود الأفعال له أو عليه. ويكفي أنه يعيش خالدا في حوالي خمسين لسانا هي اللغات التي ترجم إليها، فضلا عن أن التأليف كواقعة ثقافية تعد إحدى تجليات عبقرية جبران الذي كتب النبي بإنجليزية بهرت متكلميها كلغة أم، وجعلوا النبي جزءا مما يدرسه طلابهم، بينما هو يأتيها غريبا مهاجرا، ويتقنها ليعبر بها عما تحمل روحه الأولى المنشق عنها بوجوده في المهجر.

النص الجامع
يمكن اعتبار كتاب “النبي” نصا جامعا بالمعنى الذي سيقترحه من بعد جيرار جينيت في مبحث التناص والتعالي النصي، لكنني أعدّ “النبي” مثالا لما أسميه التناص النوعي أي دخول الأنواع والأشكال الفنية ذاتها في علاقة تشابك داخل النص المقترض من تلك الأنواع ما يخفي نوعه وهويته، فيكون جامعا نصيا أونصا جامعا يستثمر مزايا وخصائص أنواع متعددة.
هكذا كان “النبي” في أحد أوجه خطورته وأهميته تجسيداً لبرنامج جبران الكتابي وتجربته المختلفة الأنواع: شعرا وسردا ورسما وتأملاتٍ وحِكَما، وقد حمل الكتاب في نظام تأليفه وأسلوبه وبناء فصوله قلقا إجرائيا حال دون تصنيفه نوعيا أو تحديد هويته. بمعنى أنه لم يكن مندرجا بأكمله ضمن أشعار جبران النثرية أو تأملاته الفلسفية وحِكمه الخالصة، وليست فصوله رغم طابعها الحواري قصصا يسرد فيها حبكات ووقائع؛ فظل عند تخوم كل هذه الأنواع؛ لأنه رسالة محبة إلى عالم مجرّح الجسد بآثار الحرب الكونية الأولى وتداعيات الفقر والحرمان التي أورثتها.
وفي مناسبة أخرى يصرح جبران بإحساسه بأنه كتب “النبي” منذ ألف عام، معبرا بذلك تعبيرا رمزيا عن نزعته الأزلية أو الأبدية التي تحكمت فيه عند تأليفه، فاقترح لتجسيدها في تداخل نصي آخر قوامه الزمن هذه المرة؛ فأنجز خطابا معاصراً لإنسان معذب بالحرية والعدل والحب والحق، لكنه يتسلم نداءات بعيدة غائرة في الزمن، يرددها مبشر تداخلت في روحه تعاليم وأخلاق ووصايا إنسانية تولفت من عديد الأديان والأفكارالمتشابكة المصدر، فكان المصطفى ـ شخصية العمل الرئيسة أو النبي المفترض ـ التجسيد لتلك الوحدة العقيدية؛ فراح يجيب على تساؤلات الناس قبل أن يغادر أورفاليس المدينة التي عاش فيها وحدته وعزلته اثني عشر عاما هي مثل أربعة فصول متغيرة المناخ متنوعة الأحداث ولكن كواحد من أبناء المدينة التي منحته أمنها وخرج أهلها من حقولهم ومعاصرهم وبيوتهم متوسلين أن يبقى بينهم، فيما هو ينتظر السفينة التي تحمله إلى وطنه؛ فيلبث بينهم فترة يجيب على أسئلتهم منحة منه ووفاء لما قدموه له، ويكون التناص الآخر هنا مكانيا بين وطنه المرتقب ومهجره الذي سيهجره، وكأنه يتمثل حياته بين أمريكا حيث سكنه ولبنان حيث وطنه، ويتخذ سمت النبي المعلم قناعا يختفي وراءه؛ فيكون هو المصطفى الذي ينطق بأفكاره: نبي يتسامى على العرق واللون والدين والجنس واللغة والطبقة؛ يدعو لمحبة فريدة كفعل لازم مكتفية بنفسها. اكتملت دورة التناص التي شملت الزمن والمكان والاعتقاد بالنوع الأدبي، فجاءت أسئلة الناس وإجابات المصطفى عليها في ستة عشر فصلا لها عناوين داخلية تبدأ من مغزى السؤال واستفاضة المصطفى في الإجابة، فكان الحوار قصصيا والتمثيل الرمزي حِكما والوصف إنشاء متدفقا يقرب باستعاراته وصوره من شعر جبران النثري أو الحر بالمفهوم الذي جاء به أمين الرحاني مواطنه وزميل مهجره.

الوجه والقناع
اتخذ جبران النبي قناعا وأراده مشروع عمر متسلسل تبعه بـ”حديقة النبي” لكنه لم يكتمل بموته، وهو عائد إلى وطنه فظل (موت النبي) ناقصا لم يكتمل إلا بواقعة موت جبران نفسه عام 1931.
أربعة عشر سؤالا يطلب الناس أن يجيبهم عليها المصطفى الموصوف في سطر الكتاب الأول بـ “المختار الحبيب الذي كان فجراً لزمانه” كأنما ليوائم إشراقية الكتاب وفيض نورانيته الورقية كتعاليم يرسلها المصطفى المتخذ سمت معلم يؤكد ذلك رسم جبران له ملقيا عظاته للناس، وكذلك ورود وصفه معلما في الكتاب التالي “حديقة النبي” بتسعة تلاميذ يحاورونه ويعلمهم. كما أن التسمية تؤكد وصفنا للمصطفى بأنه قناع جبران في العمل فالوزن العربي لاسمه ودلالته الإسلامية مقترنة بالأسلوب المتأثر بالكتاب المقدس في صياغات إجاباته، وروح التسامح والنزعة الإنسانية بالمعنى الفلسفي اي المعتبرة الإنسان ضمن وحدة الوجود التي آمن بها جبران يتنزل من مصدر واحد ويلقى مصيرا واحدا، ما يحتم أن يتساوى البشر في فضاء هذا الوجود وعلى ترابه، وأن تسودهم المحبة وينبذوا الفرقة والعنف، ويتخذوا منهج السلام والحب والإخاء في حياتهم، وهي أفكار طالما كررها جبران في كتاباته وأشعاره، وجعل المصطفى يلفظها مواعظ للسائلين، مؤكدا لمستمعيه أنه ليس هو المتحدث بل كان مستمعا مثلهم، ويمثل عودته للجزيرة حيث ولد بأنها عودة القطرة للمحيط، مجسدا إيمان جبران بعودة الروح لمنبعها الذي فاضت عنه.
ويحاول جبران أن يعطي نبيه وجودا على الارض ولا يبقيه سماويا فحسب؛ فيجيب على أسئلة حول التعليم، والثياب، والبيع والشراء، والصداقة، والعمل، لكن أفكار جبران تشف خلف قناع النبي في حديثه العميق الدلالة عن الحب، والزواج، والحرية، والجمال، والموت، ومعرفة النفس، وهي مواضيع اختارها عناوين لفصول كتابه، وتتضح فيها الثنائيات التي شغلت جبران، فثمة ثنائية الخير والشر في عنوان، والعقل والعاطفة، والجريمة والعقاب، والفرح والحزن، وما تخلل الفصول كلها من ثنائيات ضمنية كأنها استدراكات يوقف بها جبران رهاناته؛ فإذا ما تحدث عن الزواج كرابطة عاد ونصح بألا يلتصق الإنسان بالآخر، وكأنه يعبر عن تحفظه على العلاقة الزوجية
لما فيها من انصهار في الآخر وعبودية أشار لها في بعض مقالاته. ومعروف أن جبران نأى بنفسه كالمعرّي عن الوقوع فيها، وجاء بأمثلة شديدة الدلالة والبلاغة على صحة رأيه فقال “معا ولدتما إلى الأبد” لكنه بعد السطر الثالث يستدرك بتجنب الالتصاق “ولكن فليتخلل التئامكما فسحات/ حتى تتيحا لرياح السموات أن ترقص بينكما”، وإذ أتاح للزوجين أن يشربا ويأكلا معا أوصاهما مستدركا “بألا يشربا من كأس واحدة/ ولا يجتمعا على رغيف واحد” وألا يجعلا الحب قيدا، ممثلا للانفراد واستقلال الذات بالقيثارة “فإن أوتار القيثارة مشدودة على افتراق/ وإن خفقت جميعا بقلب واحد.. ولتنهضا متكافلين/ لكن دون أن تتلاصقا/ فإن أعمدة المعبد على انفصال تقوم/ والسنديان والسَّرو لاينمو بعضها في ظل بعض”، وقد كشف جبران في كثير من مذكراته ورسائله عن تخوفه من الرابطة الزوجية، معيدا آراء المعري بمعانيها، كفخر المعري بأنه لم يوصل بلاءه في حبل النسل الآدمي، كما يمجد الحب الخالي من الأنانية حين تسأله العرافة (إلمطرا) السؤال الاول عن الحب، وهي التي آمنت به ووثقت من قبل. فيقول فيه ماكان قاله في كتبه وما سيقوله لاحقا لاسيما في “رمل وزبَد” الذي يعده الدارسون في تسلسل المكتبة الجبرانية لاحقا للنبي وحديقته، ومكملا لهما في أقوال أو شذرات هي التي كان المصطفى يريد ان يوصي بها قبل موته.. وهي تلخص رسالته للعالم تلك التي بدأها وهو يغادر مهجره في أورفاليس.
يبدو الحب هنا خلاصا، وبعكس ما قال في الزواج يريد التحاما وانشدادا لا تردد فيه وتحملا لتلك الآلام التي يجلبها، ممثلا لذلك بالخبز الذي لا يكون الا بعد درس الحبوب والغربلة والطحن والعجن ثم “يسلمكم إلى نار هيكله المقدسة، علَّ أن تصيروا الخبز المقدس لمادة الرب المقدسة” وإذا كان جبران يوسع دائرة (المحبة) بمعناها الديني؛ لتغدو بشرية ومدعاة توحد للذات مع الجماعة؛ فإنه يستخدم لفظ (الحب) للاختيار الذاتي للحبيب، ويوصي فيه بغلبة العاطفة وبالتضحية واحتمال الألم، لكنه يؤكد واحدية الحب واكتماله بنفسه كالمحبة فيقول “فالحب لا يعطي إلا ذاته، ولا يأخذ إلا من ذاته/ والحب لا يملك، ولا يملكه أحد/ فالحب حسبه أنه الحب”.

مراجع أثيرة
يوقن دارسو جبران كسائر قرائه بأنه يتلقف مؤثرات معرفية وثقافية متنوعة استطاع لوضوح هدفه أن يولف بينها دون أن تبهظ شخصيته، وفي مقدمتها أسلوب الكتاب المقدس وأمثولاته وقصصه، فجعل المصطفى يعلّم ويرسل الدروس لشعب أورفاليس
بما يشبه الحكمة التي استقاها جبران حتى من كتب الهند القديمة والديانة البوذية، وكما أسلفنا فصفات النبي المختار الحبيب وفجر الزمن والشمس التي أنارت ظلمات الكون هي صفات مستمدة من الإسلام، كما تبرز بين المؤثرات مسلّمات المذهب الرومانسي حول الطبيعة والحب والإنسانية وكذلك في اختيار الألفاظ القريبة من الفهم والدالة على المعنى دون تعقيد وباسترسال شعوري يخلط النثر بالشعر المنثور الناصع العبارة والمحتكم للخيال والمشع بالعاطفة، كما يكرر ما فهمه من كتاب نيتشه “هكذا تكلم زرادشت” ويعيد ملامح القوة وعناصرها في النبي نفسه وفي الطبيعة والموضوعات التي اختارها للحوار مع الشعب، وبمقولات المتصوفين حول وحدة الوجود والحلول والاتحاد.. وبإمكان الخلود والعيش أكثر من حياة، كما تجلى في ختام النبي حين انتهى بالإشارة للعرافة التي بدأ بها الحوار وهي تتمثل قول المصطفى مؤكدا الانبعاث واستمرار الوجود “لحظة قصيرة أخلد فيها إلى السكينة على متن الريح، ثم تحمل بي امرأة أخرى”.