الملحق الثقافي

ثروت عكاشة.. الضابط المثقف

تاريخ من الفكر والفن والثقافة الرفيعة مجسدة في أسمى أشكالها وأرقاها، انقضى وأسدل عليه ستار الختام برحيل أشهر الفرسان المثقفين المصريين والعرب في القرن العشرين، الدكتور ثروت عكاشة (1921 ـ 2012)، وزير الثقافة المصري الأسبق، ونائب رئيس الوزراء في عهد الزعيم الراحل جمال عبدالناصر، والأهم من مناصبه السياسية الرفيعة التي تولاها خلال الحقبة الناصرية في الخمسينيات والستينيات من القرن المنصرم، هو دوره وإنجازاته الثقافية المهيبة والعملاقة العابرة للحدود والأزمان ليحمل عن جدارة واستحقاق ألقابا عدة تصب كلها في خانة الجمع بين الصفتين الأبرز في تكوينه: الضابط المثقف.
وإذا كان من فضل لهذا الرجل العظيم على الثقافة المصرية، فإن انتماءه إلى المكوّن الثقافي المصري، وتأسيسه العلمي لوزارة الثقافة، وإعادة هيكلة مؤسساتها، ودعمَه لمفاهيم الحرية والوعي والاستنارة يجعله أحد الآباء الفاعلين في الثقافة المصرية، ويقف به في مقدّمة البنّائين العظماء في تاريخ الثقافة المصرية والعربية في تاريخها الطويل.
كان ثروت عكاشة من المؤمنين إيمانا جازما بضرورة الجمع بين الأصالة والمعاصرة، الحفاظ على ثوابت الهوية الحضارية مع الانفتاح الواثق على كافة التيارات والاتجاهات الفكرية والثقافية، وكان من مقولاته الشهيرة التي يرددها في هذا الشأن “علمتنا التجارب ألا نضحي بالتراث القومي بحجة التطور وألا نتجمد ونتحجر بحجة المحافظة على التراث”.
يعد ثروت عكاشة أحد قادة التنوير العظام في تاريخ مصر الحديث والمعاصر، وأحد واضعي أساس النهضة في القرن العشرين، بل يزيد عليهم في أنه كان صاحب مشروع ثقافي قومي خاص به، تولي قيادته والإشراف عليه عندما كان وزيرا للثقافة لمرتين خلال الفترة من 1958 إلى 1962 ثم تركها وعاد إليها عام 1966 ليخرج للمرة الثانية عام 1970 أي أنه قضى في منصبه الرسمي كوزير للثقافة المصرية إبان حكم جمال عبدالناصر قرابة الأعوام الثمانية، دشن فيها البنية التحتية الحقيقية للثقافة المصرية التي ما زلنا نتوكأ عليها ونقتات منها رغم ما أصابها من فساد ونخر فيها من سوس، لكنها ما زالت باقية تحمل عبقا لا يزول من تاريخ مصر الثقافي.

تجربة إدارية
كانت تجربة الوزير المثقف ثروت عكاشة، خلال فترتي توليه وزارة الثقافة المصرية، تقوم على الاستثمار الحقيقي والملموس للثقافة، وليس استهلاكا فجا من دون إنتاج أو تنمية حقيقية.. واتبع سياسة ثقافية تقوم على جمع المثقفين في العمل الثقافي العام وليس بالضرورة جمعهم على موقف واحد، مع مراعاة التنوع والتعدد والاختلاف في مشاربهم وأهوائهم وانتماءاتهم السياسية والفكرية، وكان ضد أي تجاوزات أو انتهاكات تحدث في حقهم أو حق مجتمعهم الذي ينتمون إليه ويعيشون فيه..
أنشأ المجلس الأعلى للثقافة “المجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب وقتها”، و”الهيئة العامة للكتاب”، و”أكاديمية الفنون” التي كانت منبرا للاستنارة في مجتمع ناهض، و”دار الكتب والوثائق القومية”، وفرق دار الأوبرا المختلفة، و”السيرك القومي”، و”مسرح العرائس”، و”الثقافة الجماهيرية” التي كانت شرياناً ثقافياً في مختلف أقاليم مصر. كما اهتم باستقدام خبراء عالميين لجمع التراث المصري، إضافة إلي الدور الذي قام به في توجيه نداء عالمي لإنقاذ آثار النوبة بعد تأسيس السد العالي وإعادة بناء معبد “أبو سمبل” في أسوان، وتأسيس مشروع “الألف كتاب” الذي كان معنياً بنشر الترجمات لروائع الفكر والأدب والتراث الإنساني باللغة العربية، إضافة إلى تأسيسه لمشروعات النشر الثقافي الجماهيري التي لعبت دورا بالغ الأهمية في تشكيل وعي وفكر أجيال من المصريين من أهمها سلسلة “المكتبة الثقافية”، و”أعلام العرب”، و”المسرح العالمي”، و”الرواية العالمية”، وغيرها من المشروعات الحيوية، حيث قدم عكاشة للقارئ العربي أفضل الكتب بأرخص الأسعار، بما استنه من فضيلة إنشاء معارض للكتب بتخفيضات كبيرة في كل المناسبات، وتدشينه لأهم وأكبر معارض الكتب في العالم، وهو معرض القاهرة الدولي للكتاب الذي افتتحت دورته الأولى عام 1969م.

إنقاذ النوبة
وهناك دوره التاريخي في إنقاذ آثار النوبة‏، الذي لن يغفله التاريخ المصري والعالمي على السواء، ومساهمته غير المسبوقة في إنقاذ آثار النوبة وكانت أكبر عملية إنقاذ في تاريخ البشرية لتراث إنساني، والحملة العالمية التي قادها من خلال منظمة اليونسكو لإنقاذ معبد فيلة في أسوان ونقله إلى “أبوسمبل” لأن بحيرة ناصر كانت ستغرق جميع آثار رمسيس الثاني، وهو العمل الذي يعد إعجازا معماريا خاصة أن معبد “أبوسمبل” محفور داخل الجبل.. ولو حاولنا أن نتأمل الآن ونحن تفصلنا مسافة زمنية تزيد على نصف القرن ما تم من عمل يفوق الوصف لهالنا حجم هذا الإنجاز الجبار الذي يثير الدهشة والإعجاب والتأمل إذ كيف يتم تفكيك المعبد الفرعوني قطعة قطعة ثم تركيبه مرة أخرى وبناء جبل صناعي بما في ذلك “قدس الأقداس”، وهو آخر جزء في المعبد والذي يوجد فيه تمثال رمسيس الثاني حيث تسقط عليه الشمس في 22 فبراير و22 أكتوبر يومي عيد ميلاده وعيد تتويجه على العرش.
هذا الإنجاز قاده د. ثروت عكاشة في حملة دولية بالتعاون مع منظمة اليونسكو وتم التبرع من جميع أنحاء العالم لإنقاذ معبد “أبوسمبل” وهي نظرة استشرافية بعيدة وسابقة للدكتور ثروت عكاشة تخاطب الخلود وتؤمن بالعبقرية المصرية القديمة.
كان من المرامي البعيدة للدكتور ثروت عكاشة تأسيس “ثقافة موسوعية للفنون” تقوم على قاعدة معرفية عريضة بتاريخها وأصولها كالسينما والفن التشكيلي، وهو ما ساهم فيه من خلال موسوعته الفنية الضخمة “العين تسمع.. والأذن ترى” التي تقع في 25 جزءا وتتتبع تاريخ الفن منذ أقدم العصور وحتى العصر الحديث، وهو عمل موسوعي ضخم فوق طاقة مؤسسات بكاملها، أنجزه منفردا ثروت عكاشة. وكل جزء من أجزاء هذه الموسوعة اختص بحقبة تاريخية أو فن من الفنون “الفن المصري القديم، الفن اليوناني، الفن الروماني، فنون عصر النهضة.. إلخ” وكان منهجه الذي اتبعه بطول أجزاء الموسوعة هو التناول العلمي القائم على التحليل والكشف عن جماليات الصور واللوحات والأشكال المعروضة، بلغة أدبية رائعة، فأسلوبه يكاد يدنو بل يصل في غالب الأحيان إلى “شعرية الأدب” مع مراعاته الدقة والحفاظ على جميع المعايير العلمية التي يتطلبها البحث الفني الذي يقوم به وكذلك القدرة الاستقصائية النادرة في الوصول إلى المصادر والمراجع الكبرى اللازمة لمؤلفاته.
كان الدكتور ثروت عكاشة، ظاهرة ثقافية متفردة له مكانة خاصة ونادرة في تاريخ مصر.

مسيرة ثقافية
ثروت عكاشة، من مواليد القاهرة في 18 فبراير عام 1921م، عمل ضابطا بسلاح الفرسان عقب تخرجه في الكلية الحربية سنة 1939، وحصل على دراسات عليا في التاريخ العسكري والعلوم العسكرية في كلية أركان الحرب سنة 1948، والتحق بكلية الآداب جامعة القاهرة لدراسة الصحافة والإعلام، حيث كان يزامله في الدراسة قبل الثورة يوسف السباعي.. ليحصل منها على ماجستير في الصحافة عام 1951، وكان يكتب المقالات في “صحيفة المصري” في الآداب والفنون والفكر العالمي منذ عام 1949.
شارك ثروت عكاشة في حرب فلسطين سنة 1948، وانضم إلى تنظيم الضباط الأحرار، ليشارك في ثورة يوليو 1952، وعقب قيام الثورة شغل منصب ملحق عسكري لمصر في عدد من العواصم الأوروبية، برن، وباريس، ومدريد، ثم سفيرا لمصر في روما، ليكلف عام 1958 بتولي وزارة الثقافة والإرشاد القومي، وهي أولى فترتي توليه وزارة الثقافة والفترة الذهبية في تاريخ الثقافة المصرية.
وخلال الفترة من 1962 إلى 1966 شغل منصب رئيس مجلس إدارة البنك الأهلي المصري، ليعود إلى منصب وزير الثقافة من 1966 إلى 1970
ترك د. ثروت عكاشة مؤلفات حافلة قاربت المئة كتاب من المؤلفات والترجمات والمعاجم، منها: موسوعة تاريخ الفن “العين تسمع.. والأذن ترى” التي تقع في 25 مجلدًا. إضافة إلى ترجمة الأعمال الكاملة لجبران خليل جبران أو “روائع جبران”، و”المسرح المصري القديم” لأتين دورتون، و”مولع بفاجنر” 1965 لجورج برنارد شو، و”فن الهوى” 1973 للشاعر اللاتيني الأشهر أوفيديوس، و”مسخ الكائنات” 1971 له أيضا، وغيرها من الترجمات الرفيعة. وفي تحقيق التراث أخرج كتاب “المعارف” لابن قتيبة، وفي المعاجم “المعجم الموسوعي للمصطلحات الثقافية” الذي يعد مدخلا لا غنى عنه لفهم عوالم الثقافة المعاصرة في أبعادها المختلفة.
الجوائز التي حصل عليها أكثر من أن تعد أهمها الميدالية الفضية ثم الذهبية من منظمة اليونسكو لجهوده في إنقاذ آثار النوبة، ووسام جوقة الشرف الفرنسي عام 1968، والميدالية الفرنسية في العلوم للفنون والآداب، وجائزة الدولة التقديرية للفنون في مصر عام 1987.