الملحق الثقافي

«صعاليك» نوبل

فجأة يأتي الذهب في الوقت غير المناسب على الأغلب.. يتحول الخريف الكابي إلى خريف ذهبي يرنّ على بلاط الروح ناسجاً لحظة عجائبية بامتياز. تلك هي لحظة إعلان “نوبل” التي تبقى رغم كل اللغط الذي يثور حولها في كل مرة - وإن اختلف من فائز إلى آخر - الأكثر أهمية في العالم.
وبغض النظر عما تثيره الجائزة من ريبة تارة وشكوك في أهلية صاحبها تارة أخرى، فإن لدى كثير ممن جاءت إليهم تسعى من الإبداع الأدبي والتأثير المجتمعي والثقافي والعمق الفكري والفلسفي والالتزام بقضايا الحياة والإنسانية ما يستحق التوقف. وما هذه الثلة من الأدباء والكتاب سوى عينة توضح أن لديهم الكثير مما يفعلونه في هذا العالم والقضايا التي يعج بها.
وحتى لو سلمنا بأن “الحظ يأتي بها أكثر مما تأتي بها العبقرية” كما يقول كينزابورو أووي، فإنه يظل لدينا أكثر من سبب لنصدق أن هذه الجائزة هي بمثابة “مكافأة معنوية من عيار ممتاز” لتلك الأرواح الهائمة خلف قول يعيد للإنسان بهاءه وللحياة المعتلة شيئا من عافيتها المفتقدة.
صحيح أنها تأتي غالباً متأخرة لكنها تأتي على الأقل. وربما تكفي بعض الالتقاطات التي قالها الفائزون بـ “نوبل” عنها وعن لحظة الفوز بها لتؤكد أن المعنى الكامن خلفها هو الأهم، وإذا كانت هي تأخذ ما كتبه الفائز إلى حقول العناية النقدية وتفتح له باباً واسعاً على الشهرة فإن الإبداع نفسه هو السيد الذي جاءت له الجائزة طائعة.

كأن توني موريسون الأميركية السوداء صاحبة “العيون الأشد زرقة” في ترجمة أو “العيون الزرقاء” في ترجمات أخرى “ضبطت في لحظة حرجة: أنت امرأة سوداء وماذا تفعلين في هذا العالم؟”... هكذا رأت موريسون في الجائزة اعترافاً بالسود الذين هم ملح كتابتها. أما غابرييل غارسيا ماركيز فقد وصف إحساسه عشية الحصول عليها بـ “كما لو أنك تدعو المستحيل إلى فنجان قهوة” فيما العربي الوحيد بين الفائزين بها نجيب محفوظ قال: كنت أتمنى لو أن أبا الهول فهم ما حصل. عدت ولداً حائراً يمشي وحيداً في الزقاق”. لعلها الحيرة التي جعلت سوينكا يشعر بأن الثلج هطل فجأة على رأسه عند خط الاستواء. لكن زقاق نوبل يحمل أشياء أخرى كثيرة غير الحيرة، إنها الشهرة التي جعلت أوكتافيو باث يتساءل: “هل أصبحت موظفاً عند صاحبة عمل هي... الشهرة؟”.
أجل... هنا مربط الفرس. شخص وحيد وضوء كثير. لحظة باهرة غالباً ما جاءت بأحدهم من الظل البعيد. لكن من الآن فصاعداً لن يكونوا أبداً... في الظل. سيتلقف القراء كتبهم. ستسعى وراءهم صحف وفضائيات ووكالات بارعة في اقتناص الكلام الذي ينبغي أن يأتي على قدر الضوء الذي يحيط بهم، وأن يشبع رغبات القراء في معرفة شكل حياتهم وكيف يكتبون وما الذي يقض مضاجعهم، وهذا ما حاولت أن تفعله الكاتبة الصحافية شافي آبين والمصور كيم مانريسا في كتابهما الذي ترجم حديثاً إلى العربية تحت عنوان “ثورة نوبل”، والذي كان الملهم لموضوع هذه المقالة لكن الفكرة سرعان ما اتسعت وذهبت أبعد من الكتاب لتصبح بحثاً عن عوالمهم والقضايا التي بها يعتنون والتي يمكن القول إنها القاسم المشترك الأعظم بينهم الذي علقت به سمكة الكتابة في لحظة مباغتة.

الباحثون عن الحرية
ثمة كلمة سرّ تربط عوالم هؤلاء المبدعين على اختلاف رؤاهم ومشاربهم هي: الحرية. إنهم الباحثون عن الحرية، الهائمون وراء خيالها المجنح وإغوائها الفتاك، ما إن يبدأوا في ارتشاف أول رضابها حتى يدوروا في فلكها كما الطفل المتعلق بأذيال ثوب أمه.
وما سيرهم الشخصية إلا عدد محاولات التجربة والخطأ التي خاضوها بحثاً عن عروسهم المستحيلة.. وتموجات الفرح أو لوعات الإخفاق التي أخذتهم بين أعطافها حيناً أو أطلقتهم مثل النوارس في شروقات شموس تحلق على حواف حلم يسكنهم ويسكنون فيه. وما هم في نهاية المطاف إلا صعاليك يركضون وراء غنيمتهم التاريخية مدفوعين بنارهم الحارقة التي تلهب خطاهم في إثرها، فلا يجدون إلا الكلمات لتقول ولعهم ورفضهم وتمردهم وبحثهم المضني عن حقيقة تكشف لهم وجهها.
إنها سير أرواح كافحت لتجد حقيقتها، تمردت، رفضت، شقت عصا الطاعة على الكثير من السائد الثقافي او الاجتماعي او الفكري في مجتمعاتها، تغرّبت واغتربت وتجرعت مرارات الوعي الشقي لتجد نفسها في الوعي المختلف... الوعي الذي يقرأ الآتي ولا يرتهن لما يجري في الحاضر. الوعي الذي عثرت به على مكانها الحقيقي في الفضاء الإنساني وما يعج به من قضايا البشرية المعذبة.. قضايا تتحقق بتحققها تلك الكرامة الإنسانية التي تبدو في أماكن كثيرة مثل قطعة قماش رثة... إنه التشوف لمستقبل أجمل يتخلص فيه العالم من قبائحه او بثوره التي تنمو على وجهه مثل الفطر وتشوه جماله.

مانديلا النيجيري
في إفريقيا جوع ونفط لا يعرف أصحابه عن بركاته سوى اللون الأسود، لكن فيها أيضاً مبدعاً من ذلك الطراز الذي أضاف الكلمات إلى أحلام أفريقيا، أعني وول سوينكا أو “مانديلا النيجيري” المدافع الشرس عن الديموقراطية وحقوق الإنسان الذي لا تلين له قناة ولا يصمت له صوت عندما يتعلق الأمر بهما. لوحق وسجن مرات عدة، ونُفي في الفترة الممتدة بين عامي 1970 و 1975.
قضيته الأساسية هي افتقار بلاده إلى الديموقراطية الحقيقية، وتجارة النفط التي تُثري الحكومة وأصدقاءها، والأزمة بين المتعصبين في أي دين كان. أما التزامه الآخر فيتعلق بإقرار السلام في بلده، وهو صلة وصل بين الحكومة وعصابات دلتا النيجر التي تكافح للتحكم بالثروات النفطية في المنطقة، كما أنه يدافع عن توزيع أكبر للأرباح التي يدرها الذهب الأسود، وكثيراً ما يزور تلك المنطقة.
يميز سوينكا بين الاهتمام بالسياسة التي هي من صميم مسؤوليات الكاتب وبين ممارسة السلطة لهذا رفض أن يترشح لرئاسة البلاد وقال: “هذا لا يناسب مزاجي، فالحرية والسلطة على طرفي نقيض”. أما في مسألة التعصب والمتعصبين فيبدي أسفه لأن هناك “متعصبون من الديانتين الإسلام والمسيحية هدفهم القضاء على بعضهم بعضاً”، ولا يخفي حزنه “لجرائم القتل والتدمير التي تحدث في القرى بشكل دوري”. يقول: “اعتدت النهوض لأذهب إلى المدارس المسيحية وأنا أصغي إلى صوت المؤذن في الجامع. وعلى الطريق، كنت أرى العروض الحيوية للديانات الإفريقية التقليدية: جو الكرنفال ذاك بشخصياته الجذابة... كل ذلك عنى لي الأمر نفسه: مجازات تعبر عن محاولة البشر للتواصل مع الكون الواسع المجهول”.

بطل الهروب الأكبر!
تقدم حياة الصيني غاو كينغجيان نموذجاً آخر للمثقف الملتزم.. هل هو جبل الآلام الذي حمله على كاهله ما دفعه لكتابة رائعته تلك “جبل الروح”؟
كان غاو ضحية الثورة الثقافية (1966 ـ 1976) مما اضطره إلى الالتحاق بمعسكر إعادة تأهيل حيث حُظر عليه أن يكتب. ومع ذلك، كان يكتب ويخبئ كتاباته في أصص يدفنها في الأرض في حفره في غرفته، ولما تمتلئ يحرقها. هكذا اضطر إلى تدمير أعماله لأنه لم يجد خياراً آخر.
وفي الثمانينيات سمحت له الظروف بنشر عدة كتب في بلاده، بالرغم من صداماته العديدة مع الرقابة، وأحدث كتابه “موقف حافلة” ضجة كبيرة حيث اعتبرت السلطات الكتاب “الأشد خبثاً في تاريخ الجمهورية الشعبية” فهرب.
يعلّق غاو: “أنا محظور كلياً، فكل كتبي ممنوعة، ولا يمكنهم حتى ذكر اسمي أو الاقتباس من كلامي في محاضرة أو مقالة ما. لم تغير جائزة نوبل شيئاً. بالعكس، أصبحوا أكثر تشدداً: فاسمي محظور الآن على مواقع الإنترنت أيضاً. أنا هشّ. فالقوة السياسية كان في إمكانها أن تسحقني في أي لحظة، والأمل الوحيد لمتابعة الكتابة تمثل بالهرب. أنا هارب، ولست بطلاً، فلولا هذا الهروب لسحقوني كالصرصار. من السهل جداً اعتباري منشقاً، لكنني لست كذلك، إذ لم أتبع سياسة المعارضة. أنا كاتب اضطر ببساطة إلى الهرب ليفي بالتزامه وليتحرر، فأصبح على هامش سلطة استبدادية رفضت وترفض الشروط الأساسية للوجود الإنساني الحق”.
يجد كينغجيان نفسه بعيداً عن الفرق السخيف بين اليمين واليسار، لأن أي مبدأ يقلل من جوهر الفرد. وهو يؤمن بالأنظمة التي تعتمد على الكثير من آليات الحد من السلطة. والتزامي، بهذا المعنى، هو اللاسياسية الجذرية - إذا ما اعتبرنا السياسة صراعاً لأجل السلطة - عالم بلا توقعات ولا وعود، العيش من دون ياء النسبية هو طريقتي في المقاومة”.

الديموقراطية والتعددية
وإذا كان كينغجيان يقاوم بالعيش من دون ياء النسبية فإن الإيطالي داريو فو يقاوم بشكل مباشر وغير مباشر لكي تتحقق إيطاليا الديموقراطية. فداريو فو يرى أن “السخرية هي أكثر الأسلحة فاعلية في وجه السلطة” لكنه مع ذلك ناشط سياسي ويشارك بحركة ليبيرا سيتادينانزا، وهي شبكة مدنية نظمت مظاهرات ضد برلوسكوني واستغلال السياسيين للرسائل القصيرة والإنترنت، وتمكنت من إخراج مليوني إيطالي إلى الشارع.
يؤكد فو: “علينا أن نصبح الوعي الناقد لليسار، فنبدع الآراء التي من شأنها أن تعيد تعيد تأسيس التوازن الديموقراطي، وتعيد للتعليم جلاله، وتمنع العفو عن السياسيين المتهمين بالفساد. على السياسة أن تمسي على اتصال بالحياة اليومية”. فو أصبح رائداً كذلك في محاربة المافيا التي توقّع انتشارها الحاليّ قبل ثلاثين عاماً.
ومع التركي أورهان باموق نحن أمام مثقف تحوّل رغماً عن إرادته إلى رمز للحرية، بعد تصريحاته عن المجازر بحق الأرمن والأكراد التي ارتكبها الجيش التركي والتي عرضته لتهديدات القوميين المتطرفين من الأتراك، مع ذلك لم يتوقف باموق عن المطالبة بالتعددية في تركيا معتبراً أن تتريك إسطنبول جاء عنيفاً حيث نفذت الدولة نوعاً من التطهير العرقيّ في المدينة قلّص من وجود اللغات الأخرى وتسبب في اختفاء التنوع الذي كانت تتمتع به.

ضد التعصب
تنتشر الفكرة بشكل رهيب عندما تجد عدواً يقف لها بسكين، هل دفع نجيب محفوظ ثمن حرية التفكير أم راح ضحية الجهل؟
لقد عاش محفوظ مع آثار الهجوم الذي استهدف رأسه، أعمى وشبه أصم، وأصيبت يده اليمنى بالشلل حتى إنه اضطر إلى تعلم الكتابة من جديد.
يقول محفوظ: “لم يعد في وسعي القراءة ولا الكتابة، إلا أن أصدقائي هم عيناي وأذناي وريشتي. لولاهم لكانت هذه السنوات هي الأسوأ في حياتي. عجزي يعزلني عن العالم. المعلومات القليلة التي أحصل عليها من ذلك مهمة جداً لصحتي النفسية والجسدية”... جميل أن يكون للمرء أصدقاء يصبحون بمثابة العين والأذن، تلك من المنح التي تحملها المحن أحياناً لأصحابها والتي لا تتأتى إلا لقلة من البشر.
أما الرواية التي كانت السبب في محاولة قتله “أولاد حارتنا” فهو يرى أنها “لا تعادي الدين، بل تنتصر له. أنا لا أعتبر نفسي كافراً. وفي حينها، كنت مستعداً للدفاع عن الكتاب أمام لجنة دينية كان يُفترض بها أن تجيء إلى منزلي”.
لم تأت اللجنة وجاءته تلك الطعنة التي ربما عطلت يده قليلاً لكنها لم تعطل رغبة الحياة التي ظلت تفور في عروقه، ولم تجعله أقل دفاعاً عن الديموقراطية لا سيما حرية القول والكتابة، وظل ضد التعصب حتى آخر لحظة في حياته.

سياسة وسلام وإيدز
نادين غورديمر التي جعلتنا نرى رأي العين ونلمس لمس اليد كيف يمكن للكرامة أن تهزم التمييز العنصري بالكلمة فقط تمثل كغيرها من الأشخاص القليلين الالتزام بمكافحة العنصرية، وتعكس أعمالها الآثار النفسية على الأشخاص في مجتمع مقسم على أساس العنصرية. تقول: “لو كنت سوداء لما أصبحت كاتبة، لأن الطريقة الوحيدة للتحضير هي القراءة. لا يمكن لأحد أن يعلمك الكتابة”. أما الآن، فهي غارقة في كفاحها ضد الإيدز، وملتزمة بالكتابة حول الواقع الذي يحيط بها.
فكرت غورديمر ذات يوم حين رأت كيف يقوم الموسيقيون بحفلات كبيرة لجمع التبرعات: “نحن الكتاب وقفنا مكتوفي الأيدي، لذلك خطر لي أن أجمع مقتطفات أدبية مؤلفة من عشرين قصة لكبار الكتّاب، فاتصلت بأصدقائي غابرييل غارثيا ماركيز، وكلاوديو ماغريس، وآرثر ميلر، وخوسيه ساراماغو، وكينزابورو أوي، وغونثر غراس، وودي آلان، وغيرهم وطلبت منهم أن يتبرعوا لي بقصة للكتاب. أجاب العشرون بالموافقة، وجاءت قصصهم رائعة ومختلفة كلياً عن بعضها. الكتاب المسمى Telling Tales أو نحكي الحكايات نُشر في أحد عشر بلداً حتى الآن، وقد خصصت دور النشر أرباحه لمكافحة الإيدز.
الكولومبي غابرييل غارثيا ماركيز المتوقف عن الكتابة لم يتوقف عن الاهتمام بالإيدز هو الآخر، وهذا الموضوع هو الهم الأكبر الذي شغل باله في سنواته الأخيرة، فهو رجل تثير انتباهه قلة الاهتمام التي تبديها السلطات أمام الانتشار المخيف للمرض في مناطق جديدة، وخاصة في الكاريبي.
في السياسة، كان تدخّله الشخصي مصيرياً بالنسبة إلى تحرير السلطات الكوبية بعض السجناء السياسيين، وتلطيف بعض وجهات النظر. لكنه مثل سوينكا يفصل تماماً بين السياسة والسلطة لهذا رفض أن يصبح رئيس كولومبيا وقال: “لا أحد يمكنه أن يتمنى أن يتحمل مسؤولية أن يكون أسوأ رئيس للجمهورية”.
قضيته الأساسية هي السلام في كولومبيا، وقد دفع به نشاطه المستمر للمشاركة في عمليات سياسية معقدة، بشكل سري دوماً. فهو صديق لسياسيين من أمثال عمر توريخوس، وجيمي كارتر، وفيديل كاسترو، وفيليب غونثاليث، وبيل كلينتون، كما أنه يتواصل بشكل مباشر مع رؤساء عدة في أميركا اللاتينية. جهد ليجمع في الهافانا مساعد آلفارو أوريبي مع جيش التحرير الوطني (ELN)، لكن اللقاء لم يسفر عن شيء. يبدو طريق السلام طويلاً جداً في بلد تسلك فيه قوات كولومبيا الثورية المسلحة (FARC) سلوكاً يتصف بالتعنت، ناهيك عن قوى اليمين الشبيهة بالجيش ومصالح تجار المخدرات. يقول ماركيز إن “المخدرات تلوث كل شيء. إنها تجارة كبيرة جداً تتقاسمها مجموعات عديدة، ولن ينتهي العنف ما دامت موجودة”.

ثقافة لا تقتل الغابة
تخاصم خوسيه ساراماغو مع السلطة في البرتغال في عام 1992، حين منعت الحكومة البرتغالية رواية الإنجيل وفقاً ليسوع التي تنتقد بشدة الكنيسة الكاثوليكية. ورغم كونه كاتباً ملتزما وله مواقف متقدمة ومساندة تجاه ما حدث للهنود الحمر وما يعانيه الفلسطينيون إلا أن ساراماغو يعتقد أن “الفن لا يستطيع تغيير العالم. لو كان الأمر كذلك لأمسينا سعداء جداً لكتابة أعمال مثل دون كيشوت والإخوة كارامازوف وهاملت.. يجب على الكاتب ألا يتخذ موقف الرسل. أنا ملتزم، لكنني لا أضع آمالي في ذلك”.
في سنواته الأخيرة كان الصراع الذي يخوضه ساراماغو هو ضد تصحر كوكبنا. لذلك، قرر بالتعاون مع منظمة السلام الأخضر غير الربحية أن تُطبع أعماله الأدبية بأكملها باستخدام ورق لا يحتاج إلى تدمير الغابات الرئيسية على كوكبنا. يقول: “أخبرت كل ناشري ّ في العالم برغبتي بأن يعملوا بهذه الطريقة، بالرغم من أنني لا أستطيع أن ألزم بذلك ناشريّ في البلدان الفقيرة. الورق يصبح أغلى قليلاً، لكن ذلك لا يشكل عائقاً. على صناعة الورق كلها أن تتخذ هذا النهج، فمن المحزن أننا أمسينا نقتل الغابات لننتج الثقافة. لقد فقدنا أكثر من ثمانين بالمئة من الغابات الرئيسية. وإذا بقينا على حالنا، فسنفقد الغابات الباقية خلال عقود”.
لم تذهب جهود ساراماغو أدراج الرياح بل وجدت مكاناً لها في نفوس كتّاب آخرين مثل: دجيه كيه رولينغ، وغونثر غراس، وإيزابيل الليندي، وخافيير تيركاس، ومانويل ريفاس، وخافيير مورو، وخوسيه لويس سامبيدرو، وروسا ريغاس الذين استجابوا لمبادرته.

كتب للفقراء و للمنسيين
لا تزال الكاتبة دوريس ليسنغ في مكانها المعهود أبداً: إلى جانب الضعفاء ولو أنها مع العمر قد شكلت غطاء من الشك يحيط بالأيديولوجيات: “لا أحب التفكير المنغلق، وأجدد أفكاري دائماً”.
تنظر دوريس ليسينغ إلى السياسة “كعمل درامي كبير، وهو عرض فيه بعض اللحظات الجيدة، كما حصل حين فرض خوان كارلوس الديموقراطية في إسبانيا في وجه انقلاب اليمين المتطرف. رائع! ولكن مع بوش وطوني بلير الرهيبين لم نحظ إلا باللحظات السيئة. تحسّنا مع غوردون براون، ليس لأنه شخص لامع، بل لأنه كان من المستحيل أن يسوء الوضع أكثر”.
قضيتها الأساسية هي إيصال الكتاب إلى الفقراء، وقد استغلت فرصة خطبة استلام جائزة نوبل للقيام بحملة لإرسال كتب إلى الدول النامية. وعملت على تأسيس نظام لإيصال الكتب إلى القرى النائية المنسية، لأن “المؤلفين لا ينشؤون في بيوت خالية من الكتب”.

مواجهة الذاكرة التاريخية
ترك الجدل الذي أثاره نشر مذكرات شبابه “تقشير البصل” أثره البالغ في نفس غونثر غراس، وتلقى سهاماً غزيرة بسبب اعترافه بماضيه مع الشوتزشتافل لكنه لم يغير قناعته عن ضرورة الحديث عن الماضي بكل صراحة: “في ألمانيا كل فترة هناك سياسيون ومؤرخون يقولون: حسناً، علينا أن نفتح صفحة جديدة وننسى الماضي. وهم مخطئون دائماً. الماضي يعود دائماً”.
الذاكرة التاريخية هي قضية صاحب “الطبل القصديري” (ترجمت أيضاً الطبل الصفيح) الذي يرى أن جائزة قدرها 4500 مارك ألماني كان تلقاها من زملائه الكتاب حين قرأ مقاطع من الطبل القصديري، أهم بكثير من جائزة نوبل التي جاءته وهن مسن جداً “لأنني يومها كنت أعيش في باريس، وكنت فقيراً جداً، أكتب في قبو موبوء جعلني أصاب بالسل، وقد سمح لي هذا المبلغ بمتابعة الكتابة”.
ويؤكد غراس أن “علينا أن نتكلم، حتى عن أكثر ما قد يصدم، ونُخرج كل شيء. بدون ذلك لن يتجاوز جيلي يوماً هذا الموضوع، ولن نصل يوماً إلى نقطة النهاية، سأتابع الكتابة عن الموضوع، لن أغلق فمي، وعلى أعدائي تحمل ذلك”.

صوت من لا صوت لهم
بالنسبة إلى توني موريسون لا تزال العبودية موجودة، بالرغم من أنها لم تعد ذات طابع رسمي وقانوني، لكن هناك أشخاصاً يعملون من دون مقابل ولا يمكنهم أن يقرروا ترك العمل. دائماً كانت العبودية موجودة لكن ما يهمها هو كيفية استطاعة هذا الحبس أن يساعد شخصاً ما لينتبه إلى كثير من الأمور، بل حتى ليولد شعوراً داخلياً بالكرامة الكبيرة، بل بالحرية، منذ اللحظة التي يقرر فيها هذا الشخص ألا يصبح وحشاً كسيده”.
حين أصبحت موريسون كاتبة، شعرت بأنها مكلفة بمهمة: “أن أعطي صوتاً لمن لم يحظوا به، لسود أميركا”. وتجادل قائلة: “الجيل الأول لشعب مقموع يمثل أناساً صامتين دوماً، يتطور في داخلهم وعي للقمع، لكنهم لا يتحدثون عنه. الجيل التالي يتكلم قليلاً، ويبدأ بالإعلان عن انزعاجه، فينكسر الصمت بالأغاني مثلاً. في حالة الأميركيين من أصول أفريقية، هناك الكثيرون ممن كتبوا عن تاريخهم، لكن هذه الحقيقة لم تظهر في الروايات. وقد أسرني هذا التحدي، هذا الشعور بالقدرة على القيام به”.
في السياسة، تعتقد موريسون “أن الدرس الذي لقنتنا إياه الانتخابات الأخيرة هو أن التغيير يحدث حين يصوّت السود. لدينا من القوة أكثر مما نعتقد”.

كاتب العذاب الإنساني
لا تشبه القضية التي تشغل كينزابورو أوي غيرها من القضايا، ليس فقط لأنها شخصية وإنما لأنها تلخص علاقة الأبوة والبنوة في واحدة من أكثر تعقيداتها. فقضيته منذ سنوات هي ابنه المعوّق ذهنياً هيكاري الذي كرس حياته له ليصبح اليوم أحد المؤلفين الموسيقيين الأكثر مبيعاً في اليابان.
حكايته مع الكتابة قد تكون غريبة بالنسبة لنا لكنها بالنسبة لليابانيين الذين يملكون علاقة خاصة مع الطبيعة وكائناتها تبدو عادية في تقديري. أول ما دفعه ليصبح كاتباً كان إدراكه العذاب الصامت الذي تعاني منه سمكة في الخطاف، لذا أصبح كاتباً ليشرح ذلك. يشعر كينزابورو أوي اليوم أنه مختص في التعبير عن العذاب الإنساني.
لقد تحول ابنه، المصاب بإعاقة شديدة، إلى بطل في كل أعماله الأدبية، وإلى درس مغزاه: إنّ البحث عن كل الطرائق الممكنة للتواصل يستحق العناء. حدث ذلك بفضل هيروشيما، فهناك “اكتشفت أنني لن أستطيع الكتابة إطلاقاً من دون الإشارة إلى ابني، وحوّلته إلى أساس عملي”.
أما ديريك وولكوت فيقول عن الالتزام الاجتماعي في أعماله: “الشعر وطن أسمى. لا يمكن للكاتب أن يتهرب من مسؤولياته الاجتماعية، لكننا في الوقت نفسه لسنا مؤهلين لنعطي رأينا في كل شيء كما يعتقد الكثيرون. وبالرغم من أن عملي هو صياغة الكلمات والجمل، إلا أن هناك صحفيين يخضعونني لاستجوابات جديرة بخبير في العلاقات الدولية. بصفتي شاعراً أستعمل ذاكرتي محولاً إياها إلى حنين. إلى عصر عاطفي”.
وبعد... إن كان ثمة درس يخرج به المرء من سير هؤلاء الكتاب والمثقفين الذين تفوقوا على أنفسهم وسجلوا حضورهم فهو أن الالتزام ليس كلمة تقال ولا بياناً يعلن ولا مانيفستو ينشر في وسائل الإعلام بل فعل على الأرض يمارس من خلاله المثقف دوره المجتمعي الذي قد يكون منبتاً تماماً عن الثقافة والسياسة.
لقد تحلى بعضهم بجرأة كبيرة في الدفاع عن ما يعتقده ويؤمن به، وتحمل هؤلاء الذين يظل وقع كلماتهم طازجاً في الخيال، تبعات ذلك من دون أن يرف لهم جفن أو يضطرب لهم حرف... وهذا درس عظيم، يجدر بكل كاتب أن يضعه نصب عينيه عندما يسطر حروفه، خاصة إذا ما تذكر المرء الحال التي تبدو عليها مواقف المثقفين العرب.