الاقتصادي

النهضة الاقتصادية في آسيا ومستقبلنا المشترك

أفشين مولافي  *

أفشين مولافي *

كان الأزواج الجدد بالصين في بداية عقد الثمانينات من القرن الماضي يتطلعون بداية لاقتناء دراجة هوائية وراديو وماكينة خياطة. لكن اليوم، حلّت السيارة مكان الدراجة الهوائية، وأضيف إلى القائمة زوج من الهواتف الذكية الحديثة، وربما السفر لقضاء شهر عسل خارج البلاد، كما قد ينقلون حفل الزفاف في بث حي عبر الإنترنت. أهلاً بكم في الصين الجديدة.
إن النمو الذي حققته الصين على مدى العقود الثلاثة الماضية رافقه تحقيق أرقام كبيرة مدهشة، بدءاً من معدلات نمو الناتج المحلي الإجمالي، وليس انتهاء بالإنفاق الهائل على البنية التحتية في أنحاء الصين كافة. وكما أوضح إيفان أوسنوس، المراسل السابق لمجلة «نيويوركر» في الصين، فإن مسيرة التحول التي خاضتها الصين على مدى العقود الثلاثة الماضية أكبر بمقدار 100 ضعف، وأسرع بمقدار 10 أضعاف من الثورة الصناعية التي بنت إنجلترا الحديثة.
قد ينسينا التقدم الكبير الذي حققته الصين أنها كانت دولة شديدة الفقر في أوائل ثمانينات القرن الماضي. غير أن الحال قد تغيرت مع انتشال نحو 800 مليون نسمة من شعبها من حالة الفقر. والقصة لا تقتصر على الصين وحسب، لكن حجم وسرعة التطور الذي حققته هو الذي يجعلها في دائرة الضوء. فقد شهدت مجمل قارة آسيا - ذات التعداد السكاني الأكبر حتى الآن بين قارات العالم – تحولات جذرية خلال العقود الثلاثة الماضية، ساهمت في توفير فرص لتنمية قدرات الإنسان والتطلع نحو الأفضل، من كوالالامبور إلى كراتشي، ومن مانيلا إلى مومباي.
ما زالت هناك تحديات هائلة، فضلاً عن تجاهل الكثير غيرها، لكن هذا لا ينفي وجود تحول تاريخي يمتد من غرب آسيا إلى شرقها، لنشهد نهضة اقتصادية يمكن اعتبارها لحظة فارقة في التاريخ العالمي. وإذ تشير التوقعات إلى أن تضم آسيا نحو ثلثي سكان العالم بحلول عام 2030، فهذا يجعلنا جميعاً معنيين بمسيرة النهضة الاقتصادية الآسيوية التي سيكون لها تأثير على مستقبل العالم المشترك.
تركز عملية التحول الاقتصادي في آسيا على ثلاثة توجهات رئيسة، وهي التحضر والطبقات الوسطى المتنامية وسبل الاتصال الفائقة. وقد شهدنا في مجمل البلدان الناشئة، وتحديداً في آسيا، نشوء مدن كمراكز اقتصادية ذات شأن. فعلى سبيل المثال، تساهم سيؤول بنحو نصف الناتج الاقتصادي لكوريا الجنوبية، وجاكارتا بما يقارب ربع الناتج المحلي الإجمالي لإندونيسيا، في حين تمر 50% من تجارة باكستان عبر كراتشي. وعلى الجانب الآخر، تبرز في منطقة غرب آسيا مدن مثل دبي وأبوظبي كوجهات جيواقتصادية تساهم في تعزيز مكانة المنطقة على الخريطة العالمية، وتربط قارات بأكملها فيما يخص حركة السلع والخدمات والأفراد.
وبناءً على ما تقدم، لا عجب أن نشهد حركة هجرة تاريخية نحو المراكز الحضرية، ونمواً هائلاً في مدن آسيا الرئيسة. وتوضيحاً لذلك، كانت مدينة نيويورك في عام 1995 ثاني أكبر مدينة في العالم، خلف طوكيو فقط، لتتراجع اليوم إلى المرتبة السادسة، متأخرةً عن مدن نيودلهي وشنغهاي ومومباي وبكين. وتشغل المناطق الحضرية في الوقت الراهن 54% من العالم، ومن المتوقع أن تواصل نموها لتشكل ثلثي العالم بحلول عام 2030، على أن تكون النسبة الأكبر منها متركزة في قارة آسيا.
بالوصول إلى عام 2030، سيرتفع عدد سكان المدن بمقدار مليار نسمة، وسيكون هناك أكثر من 40 مدينة كبرى تضم أكثر من عشرة ملايين نسمة أو أكثر. وسوف تستحوذ آسيا على النسبة العظمى من هذه المدن الكبرى والنمو الحضري المتوقع، ما يجعل صعود المدن الآسيوية السمة الأبرز للقرن الحالي.
من ناحية أخرى، فإننا نشهد حالياً تحولاً كبيراً في نمو الطبقات الوسطى حول العالم، ومرة أخرى تتصدر آسيا هذا التحول. ووفقاً لهومي كاراس، الأستاذ في معهد بروكينجز، يبلغ التعداد السكاني الحالي للطبقات الوسطى حول العالم نحو ثلاثة مليارات نسمة. وسوف يرتفع هذا الرقم بمقدار مليار نسمة بحلول عام 2021، وستكون النسبة العظمى (88%) من المنضمين الجدد للطبقات الوسطى من آسيا. واستناداً إلى ذلك، سوف يشكل الآسيويون ثلثي التعداد السكاني للطبقات الوسطى في العالم بحلول عام 2030.
تمثل القوة الاستهلاكية للطبقات الوسطى أحد المحركات الرئيسة للاقتصاد العالمي، لكن تنامي الطبقات الوسطى في المناطق الحضرية سيتطلب جهوداً كبيرة لتطوير البنية التحتية، ولعل ذلك من الأسباب التي دفعت البنك الآسيوي للتنمية للتنويه إلى أن التنمية في قارة آسيا سوف تستدعي إنفاق 1.7 تريليون دولار سنوياً على تطوير البنية التحتية وصولاً إلى عام 2030. وبأخذ ذلك بعين الاعتبار، يصبح من السهل فهم السبب وراء تجاوز آسيا لكل من الولايات المتحدة ومنطقة الاتحاد الأوروبي فيما يخص استيراد السلع العالمية، والتي تبلغ 36% من إجمالي الواردات وفقاً لمنظمة التجارة العالمية. كما أن تنامي الطبقات الوسطى في المراكز الحضرية الكبرى في آسيا، يوضح سبب اهتمام شركات مثل ستاربكس ويونيليفر ونستلة وماكدونالدز بها، إذ تسعى حثيثاً لأخذ نصيبها من هذه الغنيمة الكبيرة التي تمثلها القوة الاستهلاكية لهذه الطبقة.
وبالطبع، لا يقتصر الاهتمام بنمو قارة آسيا على الشركات الغربية فحسب، بل يشمل أيضاً شركات في آسيا مثل طيران الإمارات أو شركة تاتا موتورز أو شركة الإمارات العالمية للألومنيوم أو شركة هواوي تكنولوجيز الصينية المصنّعة للهواتف الذكية. وكلما لاحت فرصة لمنح رخصة لمشغل اتصالات جديد، نرى شركات من الأسواق الناشئة أو آسيا في طليعة المتنافسين عليها، وغالباً ما تفوز إحداها بها.
لا تزال نهضة الاقتصاد الآسيوي في مهدها، فأمام الهند مشوار طويل، قطعته قبلها عدد من دول جنوب شرق آسيا ذات الكثافة السكانية المرتفعة. وقد لا يبدو المستقبل واضحاً كلياً بالنسبة إلى هذه الدول، لكن لا شك في أن ما ستؤول إليه الأمور في آسيا سيكون له بالغ الأثر على العالم بأسره.