الاقتصادي

أوروبا تخرج من «العناية المركزة» لكنها تواجه «مرضاً عضالا»

عشرات الإسبان أمام مكتب للتوظيف في مدريد (ا ب)

عشرات الإسبان أمام مكتب للتوظيف في مدريد (ا ب)

بروكسل (رويترز) - خرجت “منطقة اليورو” من جناح الطوارئ لكنها قد تكابد مرضاً عضالاً منهكاً وليس مرحلة نقاهة سريعة. فالتحديات المحدقة بأوروبا الآن تتمثل في ضرورة مقاومة الرضا عن الذات، وإيقاد جذوة النمو الاقتصادي، مع خفض معدلات الدين، وكبح جماح السياسات الوطنية الدافعة باتجاه كسر وحدة منطقة العملة الموحدة.
وتعتبر قمة الاتحاد الأوروبي، التي انعقدت الأسبوع الماضي، الأولى منذ عامين التي لم تكرس جل مناقشاتها لمسألة إطفاء لهيب أزمة الديون السيادية المستعرة. وكان الارتياح واضحاً. إذ قال رئيس المفوضية الأوروبية جوزيه مانويل باروسو “لم يكن هذا اجتماع مركزاً على إدارة الأزمة. وهذا أمر جديد”، مضيفاً “لقد تركز الاجتماع على النمو”. لقد غيرت ثلاثة أحداث المزاج العام، وحققت الهدوء بأسواق المال الذي بدا في أواخر العام الماضي، أنها تراهن على انفصام عرى العملة الأوروبية الموحدة التي تشكلت قبل 13 عاماً.
فقد وقع القادة الأوروبيون اتفاقاً مالياً بقيادة ألمانية يمنح سلطات أكبر لقواعد انضباط الموازنات العامة، والتي طالما جرى تجاهلها، بينما تمارس دول مهمة مثل إيطاليا وإسبانيا تخفيضات قاسية في نفقاتها، وإصلاحات تقاعدية وعمالية. وتفادت اليونان أزمة تعثر كارثية على الأقل الآن بعدما أمنت حزمة إنقاذ دولية ثانية، وتوصلت إلى صفقة مع مقرضين من القطاع الخاص تساهم في خفض جبل الديون إلى مستويات يمكن إدارتها.
وقبل كل شيء حالت صفقتان كبيرتان من التمويل طويل الأمد، منخفض التكلفة من البنك المركزي الأوروبي، من دون اندلاع أزمة ائتمان ربما كانت قادرة على إشعال موجة انهيارات بنكية أو تدافع مذعور على سحب الودائع من البنوك أو جحيم بسوق السندات، مما يجعل إيطاليا وإسبانيا إلى وضع يائس تماماً. وأصبح ماريو دراجي، رئيس المركزي الأوروبي، “بطل اللحظة” حين وجد طريقة للتصرف كمقرض ملاذاً أخيراً للبنوك من دون إخلال بمعاهدة أوروبية تحظر منح التمويل للحكومات مباشرة.
وقال الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي، المتلهف على منح الناخبين قبل انتخابات الرئاسة الشهر المقبل انطباعاً بأن الأسوأ قد مر، “إنها (الصفقة) ليست مضمونة 100%. لكن أعتقد أننا نجتاز هذه الأزمة”. بيد أن هذه التهاني الشخصية هي ما دفع دراجي إلى تحذير قادة الاتحاد الأوروبي خلف الأبواب المغلقة من أن الأزمة أبعد ما تكون عن الانقشاع، وأن المركزي الأوروبي أدى ما عليه. ونقل مشاركون بهذه الاجتماعات عن رئيس المركزي الأوروبي قوله إن تدخل البنك اشترى لهم بعض الوقت فحسب ليتمكنوا من معالجة أمور المالية العامة وإدخال إصلاحات ذات صدقية واستعادة النمو. فإن لم تستغل أوروبا فترة السماح في إنجاز الإصلاح ستكون العواقب وخيمة.
جرعة “المورفين”
وخلال الأسابيع المقبلة يتعين على دول الاتحاد الأوروبي اتخاذ قرار حول كيفية تعزيز حائط الصد المالي الخاص بالاتحاد، والبت في احتمال معاقبة إسبانيا على مخالفتها معدلات خفض العجز المستهدفة والمتفق عليها أو منحها مزيداً من الوقت لإنعاش النمو. وستكون المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل هي الأخرى أمام قرار حاسم في نهاية مارس الجاري يتعلق بمدى السماح لـ”منطقة اليورو” بضم أموال الإنقاذ الحالية المؤقتة إلى المستقبلية الدائمة لتوفير مخصصات أكبر في حالات الطوارئ.
وتضغط كبرى اقتصادات العالم، ولاسيما الولايات المتحدة والصين، على أوروبا لتجنيب مزيد من الأموال الدفاعية كشرط مسبق للحصول على مساعدات صندوق النقد الدولي لدرء آثار الأزمة. وقد يغري الرفض الشعبي وتزايد الغضب من حزم الإنقاذ في أوساط تحالف اليمين والوسط المستشارة الألمانية بالقول بعدم الحاجة إلى تأسيس صندوق إنقاذ أكبر، وهو قرار يحتاج موافقة برلمانية صعبة.
ويقول مسؤولون ألمان إن خفض عائد السندات الحكومية بشكل أكبر من اللازم لن يؤدي سوى إلى تخفيف الضغوط على الحكومات لتطبيق إصلاحات. وعليه فإذا قالت ميركل “لا”، وما لم يحصل صندوق النقد على مزيد من الأموال في أبريل، فقد يعود التوتر إلى الأسواق سريعاً.
وتعيش أسواق السندات نشوة على أثر جرعة “المورفين” المسكنة التي قدمها دراجي لكنها جرعة مخدرة غير شافية. فقد يعود الألم مجدداً عبر سلسلة جديدة من خفض التصنيفات الائتمانية لجهات سيادية بـ”منطقة اليورو” مثلاً. ومن مخاطر الرضا عن الذات أيضاً أن دولاً مثل فرنسا التي باتت قادرة على الاقتراض بتكاليف أقل قد تتهاون في إجراءات التقشف المطبقة لديها ولا سيما في عام الانتخابات. كما أن الأحزاب السياسية في إيطاليا تخفف بالفعل إصلاحات جذرية، خاصة بتحرير قطاعات اقتصادية، اقترحتها حكومة التكنوقراط بقيادة رئيس الوزراء ماريو مونتي.
الاختبار الإسباني
وثمة تضارب بين الحاجة إلى خفض الديون وتعزيز النمو الاقتصادي الذي يصبح الدين من بدونه مرشحاً للارتفاع أكثر منه للانخفاض. وتعتبر إسبانيا حالة اختبار بعدما طلبت مدريد المزيد من الوقت لخفض عجز موازنتها الذي شط بعيداً فوق التوقعات ليأتي عند 8,5% من الناتج المحلي الإجمالي العام الماضي. وتعقد المفوضية الأوروبية والمتشددون إزاء العجز في شمال أوروبا العزم على دعم صدقية النظام الجديد، بينما تشعر مدريد باليأس من تفادي الوقوع في دوامة كساد على النمط اليوناني عبر تخفيضات بالموازنة أكثر حدة.
وبما أن معدل البطالة في إسبانيا تجاوز نسبة 23%، وأصبح بين كل شابين شاب عاطل، تصبح إسبانيا أمام اضطرابات اجتماعية محتملة، وهو خطر محدق بالبرتغال أيضاً الغارقة في ظروف اقتصادية قاتمة. ومن شأن اتساع الفجوة بين اقتصادات الشمال الأكثر حيوية ونظائرها الجنوبية التي تعاني انكماشاً أن يؤجج اضطرابات سياسية بين جيل ضائع يعاني أزمة بطالة خانقة في دول عدة.
ولئن كان اليورو مبحراً صوب مياه أقل اضطراباً، فإن كثيراً من الصخور تربض تحت السطح. يقول جانيس إيمانويليديس، الحاصل على زمالة مركز السياسة الأوروبية للدراسات،: “ثمة احتمال قوي بأن تكون الأزمة متجهة من مرحلة شديدة السخونة إلى مرحلة باردة. فهل هذا يعني زوالها؟ أبداً. المخاطر لا تزال شتى”.