دنيا

الأسلحة البيضاء في أيدي الطلاب تقليد أعمى يكرس ثقافة العنف بين المراهقين

الأسلحة البيضاء بالمدارس لم تصل بعد لمرحلة الظاهرة

الأسلحة البيضاء بالمدارس لم تصل بعد لمرحلة الظاهرة

لا يمكن أن يتم تناول أمر حمل بعض المراهقين من طلاب المدارس للأسلحة البيضاء بمعزل عن مشكلة السلوك العدواني داخل نطاق المدرسة، أو بعيداً عن ثقافة العنف بشكل عام، كمشكلة خطيرة تهدد سلامة الأبناء وأمن المجتمع، ومنظومته الأخلاقية والاجتماعية السائدة، وتعوق سير العملية التربوية حيث تسبب اضطرابا وقلقا في المناخ المدرسـي. وإن كانت الحالة لا ترقى ـ بين طلاب مدارس أبوظبي ـ لحجم الظاهرة، إلا أن خطورة تواجدها هنا أو هناك، مهما كان حجمها وانتشارها، يدعونا إلى طرح الأمر من خلال تعدد وتشابك الأسباب، ووسائل وأساليب المنع الوقائية والاحترازية لمنع مثل هذه السلوكيات السلبية، وبتر جذورها، ومواجهتها تربوياً وإعلامياً وقانونياً وأمنياً، بشكل مؤثر وفعال، ومايحتاج الأمر من تضافر كافة الجهود على صعيد المدرسة والأسرة ومؤسسات المجتمع المعنية.

إذا استعرضنا الحالة من خلال تكرار مشاهد العنف وحمل بعض الصبية والمراهقين من الطلاب للأسلحة البيضاء في أماكن أخرى من إمارات الدولة، سنجد دراسة لمركز دعم اتخاذ القرار في شرطة دبي، تكشف أن نسبة القضايا التي تم استخدام السلاح الأبيض فيها بلغت 7% من إجمالي قضايا الاعتداء التي شهدتها إمارة دبي العام الماضي، وأن أعلى ثلاث فئات مهنية ارتكبت جرائم السلاح الأبيض كانت فئة الطلاب، بنسبة 37%، تلتها فئة الحرفيين بنسبة 14%، ثم العمال بنسبة 9%، لافتة إلى أن السكاكين بأحجامها المختلفة من أكثر أنواع السلاح الأبيض المستخدمة في المشاجرات.
وكانت أكثر أنواع المشاجرات بين الشباب أو المراهقين تشهد استخدام السلاح الأبيض بما في ذلك السكين، والساطور، والسلاسل، والسيوف، والقفازات الحديدية، لافتة إلى أن هؤلاء يميلون إلى حمل هذا النوع من السلاح واستخدامه في الاشتباكات التي تحدث بينهم، وخصوصا في المدارس والأحياء.
من ثم أطلقت الإدارة العامة للتحريات والمباحث الجنائية في شرطة دبي، حملة موسعة لتوعية طلبة المدارس والشباب بخطورة استخدام السلاح الأبيض، وتوعية أولياء الأمور بمراقبة أبنائهم ومعرفة أصدقائهم، وتوعية أفراد المجتمع، وخاصة الشباب، بالعقوبات والمسائل القانونية المترتبة على حمل السلاح الأبيض، والعمل بكل الوسائل للتقليل من جرائمه، كما كثفت مديرية شرطة المنطقة الغربية استعداداتها لتنفيذ برنامج مكثف للتوعية الأمنية للجمهور، يركز على تسليط الضوء على مخاطر الأسلحة البيضاء واستخداماتها الخاطئة. الأمر نفسه نجده في إمارة عجمان، وباقي الإمارات الأخرى، حيث استهدفت التوعية طلاب مدارس الحلقة الثانية من التعليم الأساسي بشكل خاص، نظراً لطبيعتهم العمرية.
لكن ماذا يقول المعنيون بالأمر على الصعيدين الأسري والتربوي؟
الأسباب
يحاول الطالب ماجد سعيد الهواري”16 سنة” أن يحدد أسباب حمل بعض الطلاب لمثل هذه الأسلحة، ويقول:”بعض الطلاب يحمل مثل هذه الأسلحة “منظرة” أو تباهيا وتقليدا، وعدم مبالاة، وقد يكون القصد منها تخويف الآخرين، ولجوء كثير من الطلاب إلى تقليد العصابات والشلل التي يرونها في الأفلام الأجنبية، أو سوء القصد وابتزاز الزملاء، أو استعمالها في المشاجرات للتخويف أكثر من الإيذاء بها، لكن القيود المدرسية الانضباطية تحد من انتشار هذه الظاهرة بكل تأكيد، كما أن معظم هؤلاء الطلاب يخفون مثل هذه الأسلحة أو الأشياء الحادة عن أعين الأهل وإدارات المدارس، ويجب عدم السماح ببيع تلك الأسلحة من سيوف وما شابهها في الأسواق من دون ضوابط”.
كذلك يشير الطالب باسل الظاهري”17 سنة” إلى ميل بعض الفتية والمراهقين إلى تكوين “شلل” وعصابات، إنما هي أشبه بتقليد أو “موضة”، لكنها غير منتشرة كثيراً في المدارس، وقد تكون موجودة في مناطق أخرى، نظراً لعدم وجود قانون يُجرّم تداول هذه الأسلحة، وغياب الرقابة على المحال المتخصصة في بيعها، وتلقى إقبالاً من هؤلاء الصبية الذين نراهم يتأثرون بأصدقائهم، ويميلون إلى تقليدهم، وغالباً ما نجد أحد الأفراد الأكثر شراً وعدوانية يسيطر على تصرفات هذه المجموعة أو تلك، لكن التوعية والرقابة وتطبيق القانون سيجعل هؤلاء يعيدون النظر في سلوكياتهم السلبية”.
ويشير يوسف حميد الهندي”ولي أمر”، إلى أن هذه الحالة غريبة تماماً عن ثقافة وعادات وتقاليد المجتمع وأخلاقياته السائدة، وإن حدثت، فهي حالات قليلة للغاية، ولا يكاد الناس يلمسونها، ولا ترقى إلى أن تكون ظاهرة واضحة أو متكررة بين طلاب أبوظبي، فربما ـ بحسب الهندي ـ نجد طالب هنا أو هناك يحمل مثل هذه الأسلحة، ومعظمهم من الصبية والمراهقين الذين يجهلون خطورتها، أو يجهلون تداعياتها القانونية والجنائية، لكن علينا أن نبحث في الأسباب الموضوعية، وأهمها تأثير وسائل الإعلام والتقليد الأعمى والتأثير السلبي لأصدقاء السوء في ظل غياب الرقابة الأسرية”.
وفي هذا السياق، تقول حليمة بو شديد “ أم أحد الطلاب”:” ما نسمعه عن تداول السكاكين والأسلحة الحادة بين أيدي بعض الصبية والمراهقين أمر خطير ومروع، ولا يمت لمجتمع الإمارات بصلة، وربما لم نشاهد مثل هذه الحالات في مدارس أبوظبي، لكن علينا أن نتفهم أن تعدد الثقافات والجنسيات والانفتاح الإعلامي عبر الفضائيات، وترويج أفلام تكرس ثقافة العنف، والتسيب الذي نراه بطرح مثل هذه الأصناف من الأسلحة في الأسواق، في ظل غياب الرقابة الأسرية، من شأنه أن يسهم في انتشار الظاهرة بين هذه الفئة من الشباب، وأظن أن وجود تشريع قانوني رادع لمن يحمل مثل هذه الأسلحة سوف يحد كثيراً من الحوادث أو الجرائم، وإذا كان الحصول على السلاح الأبيض متاحاً حتى ولو من مطابخ المنازل، فأقترح أن تلتزم المحلات والأسواق والمراكز التجارية الكبرى بعمل أبواب إلكترونية للكشف عن الأسلحة التي بحوزة المراهقين، وإجراء حملات تفتيش مفاجئة على السيارات التي يقودها الصبية ويشتبه بها، مع القيام بحملات توعية مكثفة في المدارس والمساجد ووسائل الإعلام المختلفة”.
نبذ العنف
من جانبه يؤكد خالد سعيد، مساعد مدير مدرسة عبد الجليل الفهيم للتعليم الأساسي للبنين “الحلقة الثانية”، الحاجة إلى تشديد إصدار التشريعات القانونية الرادعة بحق المتاجرين بهذه الأسلحة في الأسواق دون ترخيص، والحد من وجودها، والتعامل القانوني لحاملي السلاح الأبيض دون حاجة مبررة، وأهمية التنسيق بين المدرسة، ومجلس أبوظبي للتعليم، وأولياء الأمور، والأجهزة الأمنية المعنية، بشأن نشر الوعي الكافي حول الظاهرة، وأهمية العمل على التصدي لها، والحد من انتشارها، وكيفية تفعيل دور الأسرة، والرقابة الأسرية، ونشر ثقافة نبذ العنف التي تتعارض مع ثقافة الإمارات وشعبها وما يسود من قيم وأعراف وتقاليد، وثقافة الود والتسامح، ورفض كل ما هو دخيل ووافد على هذه الثقافة”.
أما الاختصاصي الاجتماعي ماجد عبد الله التميمي، فيشير إلى العوامل الذاتية عند بعض الطلاب، ما يجعلهم يميلون إلى العنف أحياناً، ويقول :” علينا أن نتفهم الأسباب والدوافع، فالمراهق قد يشعر بالنقص أو العجز أمام أقرانه لسبب ما، أو هناك بعض المشكلات الاجتماعية التي يعاني منها، وتأثير أصدقاء السوء، وتأثير وسائل الإعلام بكل أنواعها، وأحياناً نجد حالة من عدم المبالاة أو اللاوعي، والعصبية الزائدة، وهذا يؤدي إلى حدوث بعض المشاجرات، لكننا لم نلمس استخدام الأسلحة البيضاء في مدارس أبوظبي، وإن حدثت هنا أو هناك، على الجميع أن يعي خطورتها، وعلى الأسرة أن تتعاون مع المدرسة من أجل الحد من ظهورها بين الأبناء، هذا لن يتأتى إلا بالتعاون التام بين المدرسة وأسرة الطالب”.
يؤكد سالم خميس مبارك الحدادي مدير مدرسة الصقور للتعليم الأساسي “الحلقة الثانية” أنه لم يصادف إدارة المدرسة طيلة الفترة السابقة أية من حوادث العنف بين الطلاب باستخدام الأسلحة البيضاء، وإنما ما يحدث لا يخرج عن إطار الاختلافات الصبيانية الاعتيادية لسبب أو لآخر، لكن في إطار الوعي بأهمية نبذ ثقافة العنف بين الطلاب فيقول: “نحرص دائماً على توعية أبنائنا الطلاب نحو بناء العلاقات الاجتماعية الإيجابية، ونبذ العنف، وخطورة حمل واستخدام الأسلحة البيضاء بكافة أنواعها، فإذا ما سمعنا عن حادث حدث هنا أو هناك فإننا نقوم باستثماره لنقل وغرس الثقافة الإيجابية لديهم عن طريق اللقاءات اليومية أو الحصص الدراسية أو لقاءات أولياء الأمور الدورية، أو استدعائهم عند اللزوم.
الرقابة الأسرية
ويضيف أحمد الطنيجي الأخصائي الاجتماعي: “علينا أن نعي العامل الأهم والمؤثر في انتشار مثل هذه الظواهر السلبية والذي يقع على كاهل الأسرة، ويفترض أن تكون هناك متابعة داخلية وخارجية، ورقابة الأسرة على نوعية الأصدقاء والأقران لتأثيرهم البالغ على سلوكيات الأبناء، فضلاً عن التأثير السلبي لوسائل الإعلام مما يجعل الطفل أو المراهق يتوحد ويقلّد كثيرا من النماذج السلبية المطروحة في الأفلام والدراما دون وعي، إلى جانب بُعد الأهل عن التواصل مع الأبناء في ظل غياب الأب لمشاغله العديدة، وخروج الأم إلى العمل والاعتماد على الخادمات، ونادراً ما نجد أباً يناقش ويحاور ابنه حول قضية من القضايا التي تهمه، أو يتدخل بشكل إيجابي لحلها في مرحلة هي الأخطر من عمر الشباب”.
أما عبدالعزيز عمر مدرس الدراسات الاجتماعية، فيشـير إلى أن وجود مظاهر العنف قد يبدو طبيعـياً لوجود عشرات الجنسيات والثقافات المتعددة، ومن ثم تصبح عملية التقليد والاقتباس واردة، وهنا تتأتى أهـمية التوعية والتحرك والتصدي لأي من مظاهر التسيب وإهمال ذلك ســيؤدي بالضرورة إلى تمادي المراهقين في الخطـأ، وعلينا جميعاً أن نتكاتف من أجل استيعاب أي من مظاهر العنف الذي يأخذ أشكالاً مختلفة ومتعددة.
كذلك يشير أحمد صالح المصعبي مساعد المدير إلى خطورة تداول ألعاب الأطفال والأسطوانات المدمجة والأفلام التي تحتوي على مشاهد وقصص عنف هو غريب على ثقافة الإمارات وشعبها، فالمراهقون والأطفال لابد في غياب الرقابة والتوعية أن يتقمصوا الأدوار التي يشاهدونها، وفي ظل ذلك علينا أن نعي بأهمية تعاون البيت والمدرسة والأجهزة المعنية سواء كانت تشريعية أو تنفيذية كجهاز الشرطة في التصدي لمثل هذه الظواهر ومنعها واتخاذ الإجراءات القانونية الرادعة بإيجاد نص تشريعي يجرِّم كل من يحمل سيفاً أو سكيناً أو أي نوع من الأسلحة البيضاء، لأن حمل هذه الأسلحة في الطرق أو داخل المركبات دليل على سوء نية حاملها”.


أساليب التنشئة وتكاتف الجهود
يوضح الدكتور حسن أحمد الحوسني، مدير عام مدرسة عبد الجليل الفهيم للتعليم الأساسي للبنين “الحلقة الثانية”، أهم أسباب “الظاهرة”، ويقول:” لا يمكن وصف الحالة في مدارس أبوظبي على أنها ظاهرة، لأنها تكاد أن تكون معدومة، ولا نلمسها كثيراً، فمجتمع أبوظبي يلفظ مثل هذه السلوكيات الغريبة عن تقاليده وثقافته وعاداته، وان وجدت فإنما هي حالات مترامية نسمع عنها في بعض الأماكن، وهذا بفضل وعي الناس وتكاتف جهود مجلس أبوظبي للتعليم وأولياء الأمور وإدارات المدارس وجهود أجهزة الشرطة، لكن إذا تناولنا الظاهرة بشكل عام، علينا أن نبحث عن أساليب التنشئة الاجتماعية الخاطئة داخل بعض الأسر، وتهاون بعض الإدارات المدرسية في التعامل مع الطلاب داخل المدرسة، والتقليد الأعمى للأقران، والتأثير السلبي لوسائل الإعلام لدى مخاطبتها فئة المراهقين والشباب، ونقص الوعي لدى هؤلاء الصبية أو ذويهم، لكن إذا ما التزمت إدارات المدارس بالتعليمات والضوابط، ونشرت الوعي بين الطلاب حول خطورة حمل واستخدام الأسلحة البيضاء وما شابهها، والقيام بحملات تفتيش، واستدعاء ولي الأمر عند اللزوم ووجود مخالفة، والتقيد بمنع إدخال كل ماهو ممنوع إلى المدرسة، والحفاظ على حالة التواصل مع الأسر وأولياء الأمور عن طريق مجلس الآباء، أو عن طريق الاختصاصي الاجتماعي، إلى جانب تغليظ العقوبات القانونية على الخارجين على القانون خارج أسوار المدارس، من شأنه أن يسهم إلى حد كبير في التصدي للظاهرة والقضاء عليها”.
ويضيف:” هناك تعليمات عامة بالأشياء المسموح للطالب بها والأشياء الممنوعة، ولن تكن هناك مشاكل إن التزم الطالب بذلك، وعلى إدارة المدرسة أن تنسق مع أسر الطلاب بهذا الشأن بصورة دائمة، وعلى الأسرة أن تتابع أبناءها جيداً، ومن ثم يستوجب التوعية الدائمة في كافة وسائل الإعلام والمساجد، وتفعيل رسالة القانون ودوره الوقائي الرادع للحد من ظهور أو انتشار أي ظاهرة سلوكية سلبية”.