صحيفة الاتحاد

الاقتصادي

استراتيجيات الاستحواذ.. دراسة قدرات الشركة الداخلية تقلص مخاطر صفقات الاندماج

إعداد : محمد شمس الدين

مما لا جدال فيه، أنه حين تتخذ شركة تتطلع إلى تحقيق توسع ونمو لأعمالها، قراراً بالاستحواذ على أصول شركة أخرى، فإن ذلك يبدو منهجية صائبة لحد كبير، فالاستحواذ على مرافق شركة أخرى سواء بشكل كلي (شراء كامل أصول الشركة أو المؤسسة الأخرى)، أو جزئي (تملك نسبة من الحصص أو جزء من الأسهم)، يبدو فكرة جوهرية، بل في ظروف محددة، قد تكون عملية الاستحواذ فرصة قد لا تتكرر كثيراً أمام أي شركة تمتلك فوائض مالية.
وحينما تحدث أزمة اقتصادية وطنية أو حتى عالمية، فبيع كل أصول الشركة أو جزء منها لـ«الغرباء»، يبدو السم الذي يجب أن تتجرعه، لكي تخرج بأقل خسائر، وهي السيناريوهات ذاتها التي كان حديث الساعة لوسائل الإعلام الاقتصادية والمواقع الإخبارية كافة، بتداعياتها المؤلمة، زهاء الأزمة العالمية وما بعدها.
حسنا أياً تكن الظروف، فإن إحدى الشركات التي يشار إليها بالبنان لقوة مركزها المالي، اتخذت قراراً بالاستحواذ على شركات أخرى سواء وطنية أو في دول أخرى، ولكن ماذا بعد؟ هل ينتهي الأمر عند هذا الحد؟، بمعنى هل الاستحواذ صفقة وقتية وإنجاز تقليدي، وقضي الأمر؟!
وتبدو عمليات الاستحواذ عمليات معقدة ومتشعبة، وذات صلة بمعطيات بل متغيرات، قد يكون بعضها كامن ويمثل خطورة بالغة، قد لا تظهر فوراً أو حتى على المدى القصير بعد إتمام عملية الاستحواذ بشكل يبدو ظاهرياً (مرضياً) للطرف الذي قام بالاستحواذ.
فعلى طاولة متخذي القرار في الإدارات العليا بالشركة، وهم على شفا اتخاذ قرار بتملك أسهم كلية أو جزئية من شركات أخرى تعاني ظروف صعبة، الكثير من الملفات المعقدة التي تتطلب تقييم ودراسة المعطيات كافة التي لا تتوقف على جاذبية السعر المنخفض لأصول الشركة المستهدفة بالاستحواذ، أو حتى تراكم الخبرات وتمتعها بشهرة علامتها التجارية في الأسواق الدولية، لذا فإن دراسة واعية للمعطيات التالية كافة قد تضمن تحقيق سياج آمن لإتمام عملية الاستحواذ.
والجزئية الأولى التي ينبغي دراستها عند الشروع في قرار الاستحواذ، هو معرفة ماهية قرار الاستحواذ، نعم فهذا الأمر يبدو بسيطاً أو غني عن التعريف، ولكن مهلاً فهناك الكثيرون الذي يرون في الاستحواذ، صفقة للتملك ومضاعفة القدرات والأصول والتوسع والنمو، ومن ثم يعملون رؤساءً تنفيذيين لشركات وطنية وعالمية، على نيل ثقة ورضا مجالس إدارات تلك الشركات، من خلال الإعلان عن نجاح الشركة في الاستحواذ محلياً وعالمياً.
يعتقد على نطاق واسع أن كثيراً من الاستحواذات فشلت، لأنه لم يتم إدراك معنى الاستحواذ، بمعنى تفشي الرغبة والمباهاة بتملك أصول شركة أخرى، قد تدفع بقارئ البيانات المالية أو متداولي أسهم الشركة القائمة بالاستحواذ للهرولة تجاه شراء مزيد من أسهم تلك الشركة، أو اتباع استراتيجيات الاستثمار طويل الأجل، إزاء الاحتفاظ بأسهم تلك الشركة، ثقةً في قدرات مجلس إدارة الشركة، والذي يحقق سياسات استحواذ متنامية، مما يضمن لها أوضاع مالية مستقرة لأعوام.

نجاح الشركات
على صعيد دراسة مشتركة لكل لورانس كابرون، أستاذ الإستراتيجية لدى كلية إنسياد لإدارة الأعمال، وويل ميتشل من جامعة ديوك، اتضح أن نسبة نجاح الشركات التي تحصل على مواردها بوسائل متنوعة تبلغ 46%، لكي تستمر في أعمالها على مدى خمس سنوات، مقارنة مع نظيراتها المعتمدة فقط على التحالفات مع أطراف أخرى، فيما تصل النسبة إلى 26% مقارنة مع الشركات المعتمدة على سياسة الاستحواذ والاندماج، و12% مقارنة مع الشركات المعتمدة على تطوير قدراتها بشكل ذاتي.
ويرى كابرون تعقيباً على نتائج الدراسة التي تضمنت تحليل استراتيجيات تطوير 162 شركة اتصالات عالمية، أن الشركة يمكن أن تلجأ نحو سياسة الاستحواذ في حال عدم إمكانية الحصول على تقنية محددة أو المهارات البشرية الضرورية لأعمالها من خلال قنوات بديلة كالتحالفات والشركات أو المشاريع المشتركة مع أطراف أخرى».
كما حذر كابرون من عامل ارتفاع الكلفة، لكون عمليات الاستحواذ تكون مرتفعة، فضلاً على تعقيدها وتشعبها، مؤكداً أن أغلب القادة التنفيذيين يغضون النظر على تلك المخاطر تحت ضغوط الإدارات العليا، وازدياد حدة المنافسة مع الشركات الأخرى.
وتضمنت الدراسة التي أعدها الباحثان توجيه 3 أسئلة، يتعين على الرؤساء التنفيذيين الإجابة عليها قبل الشروع في الاستحواذ.
السؤال الأول، هل تمتلك الشركة الموارد المطلوبة قبل قرار الاستحواذ؟، والسؤال الثاني هل لدى الشركة المقدرة على تحديد قيمة الموارد والأصول التي تتجه للاستحواذ عليها؟ فأحياناً تعاني بعض الشركات من هوة أو فجوة السقوط في عدم التحديد الدقيق لقيمة تلك الأصول، مما يعني دفع مبالغ مالية مرتفعة،
والسؤال الثالث، هو ما حدود العمل مع الشريك الممول لصفقات الاستحواذ؟ فإذا كانت الشركة تتمتع بشركاء ذي قدرات تمويلية عالية فهذا يسهل عمليات الاستحواذ.

نتائج مخيبة
أظهرت نتائج الدراسة تفضيل 70% من صفقات الاستحواذ العينة محل الدراسة، مشيرة إلى جانب التداعيات السلبية لسياسة الاستحواذ، مما يؤكد ضرورة التركيز على أهداف الشركة ووضعها في مقدمة الأولويات، ومن جانب آخر، يجب موازنة المفارقات الكامنة بين دمج العمليات والمحافظة على نمو الأعمال، وذلك لتجنب إشكالية مهمة، تتمثل في أن الشركة قد تستحوذ على شركة أخرى قد تكون مشابهة لها في النشاط نفسه في الأغلب، ولكنها تدمر المنجزات التي حققتها الشركة الثانية، نتاجاً للمبالغة في محاولات الدمج أو ما يعرف بالدمج غير المدروس.
وعطفاً على ما سبق، فإن الشروع في تبني قرار الاستحواذ، طبقاً للتعريف السابق، قد ينجم عنه تراكم الأعباء وليس تحقيق النمو، بمعنى أن الاستحواذ يجب أن يهدف إلى معرفة ما الذي سيتحقق للشركة من قيمة مضافة حقيقية، تساهم في زيادة قدرة الشركة على النجاح والاستمرار، وتحقيق الأهداف المبتغاة، وهنا يجب دراسة أوضاع الشركة القائمة بالاستحواذ، نقصد الأوضاع الداخلية (خطوط الإنتاج - القدرة على الابتكار - ما الذي ينقص تلك الشركة – القدرات المالية – القدرات التوسعية محلياً ودولياً – ثقة حاملي الأسهم – القدرات التصديرية)، فببساطة يتيح فهم وتشريح قدرات وأوضاع الشركة الداخلية معرفة هل الشركة في حاجة للاستحواذ؟ وبمعنى أدق، تتيح الإجابة على ذلك السؤال الوقوف على المعني الحقيقي لقرار الاستحواذ.

التباين في القدرات
ولا شك أن عالم الأعمال اليوم، تحكمه المخاطر من الجوانب كافة، وأن تخصيص أي شركة مهما كانت ناجحة لنسبة من المخاطر هي منهجية باتت عُرفاً لدى أغلب الشركات، بل حتمية القبول بنسبة لا بأس بها من المخاطر.
وهنا فإن تحديد نوعية وكم المخاطر لصفقات الاستحواذ، قد يبدو أمراً صعباً لتعدد مساراته، وكيفية تحديد شكل ونطاق ومكان وقيمة الاستحواذ، فمثلاً إذا كان الاستحواذ على أصول ومرافق شركة في دولة ثانية، فإنه لفهم المخاطر يجب على الشركة القائمة بالاستحواذ معرفة مؤشرات الاستقرار المجتمعي في تلك الدولة، مدى الترحيب بالغرباء والاستثمارات الواردة من الخارج، وهل النظام السياسي مستقر؟ هل هناك تشريعات مقيدة لحركة دخول الرساميل أو خروج أرباح الشركات الأجنبية، وكمثال آخر فإنه في حال حدوث إضرابات عمالية في تلك الدولة هل التشريعات الوطنية هناك تحمي العمالة بشكل جزافي أمام الاستثمارات والمؤسسات الأجنبية؟.

الأوضاع المالية
قد يغيب على متخذي القرار بالاستحواذ على أصول شركة أخرى، أن تلك الشركة تعاني من أوضاع مادية مقلقة، ولعل اخطرها حجم الديون لدى الغير، مما يعني انه بعد إتمام الاستحواذ، فإن الشركة القائمة بالاستحواذ ستتحمل ميراث ديون الشركة الأخرى تجاه الآخرين، خاصة أن مجابهة تلك المديونية ترتبط بأهمية وسرعة استيلاد عوائد من تشغيل أصول الشركة التي خضعت للاستحواذ، والتي ستأخذ، بالطبع، وقتاً كبيراً للتحديث وإعادة التشغيل، وإتمام إجراءات نقل الملكية وهيكلة الأقسام المختلفة فيها، بما فيها سياسات الموارد والكوادر البشرية.
وقد ترتبط عملية تقييم أصول الشركة المستهدفة بالاستحواذ على كثير من الاهتمام، لأنها عملية مرتبطة بمعطيات ومتغيرات عديدة، قد يكون بعضها طارئ كمثال في حال الاستحواذ في دولة أخرى، فإنه ينبغي الوقوف على طريقة مثلى لتقييم القيمة السوقية والفعلية، لتلك الأصول وفقاً للقيمة الحقيقة لعملة تلك الدولة، وهل تلك العملة تشهد تذبذبات حادة نتاجاً لخلل بنيوي في الاقتصاد الوطني في تلك الدولة؟، وهل تخضع تلك الأصول لضرائب وفقاً لتشريعات معمول بها؟، ما هي قيمة التحديث مقابل الاستمرار في الإنتاج باستخدام تلك الأصول؟.
وتبدو الموجة القادمة، والتي بدت تباشيرها بقوة في أعقاب ما أفرزته الأزمة العالمية، هي الاستحواذ تحت بند امتلاك المعرفة، نعم فببساطة متناهية ونظراً لهيمنة الاقتصاد الرقمي، والارتفاع الفلكي لقيم الشركات العاملة في المعرفة الرقمية، كشركات التواصل المجتمعي، وقبلها شركات البرمجيات، في العقد الأول من القرن الجاري.

التوجهات العالمية في الدمج والاستحواذ
ذكر الخبير الاقتصادي الدكتور عبد الحميد رضوان، أن عمليات الدمج والاستحواذ تعد من أهم أشكال الاستثمار الأجنبي بين الدول.
ووفقاً لتقرير الاستثمار العالمي الصادر عن «الاونكتاد» لعام 2016، أشار رضوان لبلوغ قيمة صفقات الدمج والاستحواذ خلال عام 2015 ما يقرب من 721 مليار دولار بمعدل نمو 67% وقد أدت هذه الزيادة الكبيرة إلى حدوث نمو كبير في الاستثمار الأجنبي المباشر الذي بلغ 1.76 تريليون دولار في عام 2015، ويعد القطاع الصناعي من أهم قطاعات الدمج والاستحواذ، بقيمة 365 مليار دولار، خاصة في قطاع البتروكيماويات التي شهدت صفقات دمج واستحواذ بقيمة 171.3 مليار دولار.
وعلى مستوى دولة الإمارات، فقد جاءت في المرتبة الثانية إقليمياً في حجم صفقات الدمج والاستحواذ بصافي قيمة 5.18 مليار دولار، من خلال مجموعة من صناديق الاستثمار العقارية، نحو تنويع محفظتها الاستثمارية الخارجية، بما يساهم في خلق مصادر جديدة للنمو وزيادة درجة الترابط بين الاقتصاد الإماراتي والاقتصاد العالمي، خاصة أن دولة الإمارات العربية المتحدة من الدول ذات الانفتاح الاقتصادي الكبير بنسبة تعدت 134% من حجم الناتج المحلي الإجمالي، علاوة على ما يتمتع به اقتصاد الدولة من محفزات تنموية متعددة خاصة في مجال مناخ الاستثمار، وتوفير البنية التحتية الذكية في مجال الطرق والمطارات والموانئ البحرية وسهولة ممارسة الأعمال.
ويجب الأخذ في الاعتبار أنه على الرغم من تزايد الاهتمام بعمليات الدمج والاستحواذ، فإن التجارب العالمية تفيد أن هذه العمليات لم تفض جميعها إلى نتائج إيجابية لأسباب عدة، لعل من أهمها، هو «التعقيد» الذي تنطوي عليه هذه العمليات وخاصة عندما يتعلق الأمر بعمل الوساطة الخارجية، وتشمل حوكمة الشركات وأنظمتها، وكفاءة الأفراد، إضافة الى العوامل التشريعية والسياسية، وثقافة الأعمال في الدول التي تحصل فيها تلك العمليات، هذا إلى جانب ارتفاع تكلفة هذه العمليات.