الاقتصادي

من المفاوضات إلى العمل.. النهوض بالطاقة المتجددة عقب مؤتمر باريس للمناخ

بقلم: عدنان أمين*
قبل شهر من الآن، تبنى قادة العالم اتفاقاً تاريخياً حول المناخ في باريس، إيذاناً بانطلاق مرحلة جديدة وحاسمة في العمل من أجل التصدي لتحديات تغير المناخ. ويحدد الاتفاق الذي يقع في 32 صفحة هدفين أساسيين، هما الإبقاء على معدل ارتفاع حرارة كوكب الأرض دون 2 درجة مئوية فوق مستويات ما قبل الثورة الصناعية، وخفض الانبعاثات العالمية بسرعة.
إن هذه الأهداف تعني في مضمونها أن هناك حاجة ملحة للحد بشكل كبير من الانبعاثات الكربونية في قطاع الطاقة، والذي يساهم وحده بثلثي الانبعاثات العالمية. وفي إطار الاتفاق، قدم ما يقرب من 190 دولة تعهدات بالحد من انبعاثاتها المحلية، كما أشارت غالبية تلك الدول إلى التحول نحو الطاقة النظيفة باعتباره عنصراً أساسياً في استراتيجياتها.
الآن وقد انتهت المفاوضات، وتم تحديد الأهداف، فقد حان الوقت لكي يبدأ العمل الحقيقي.
لقد بات معلوماً لدينا الآن أن مضاعفة حصة الطاقة المتجددة في مزيج الطاقة العالمي بحلول عام 2030 يمكن أن تحقق نصف الانخفاض اللازم في الانبعاثات للحد من ارتفاع درجة الحرارة إلى 2 درجة مئوية، في حين يمكن إنجاز النصف الآخر من خلال تعزيز كفاءة استخدام الطاقة، إلا أن تحقيق ذلك يتطلب على أية حال ترجمة التعهدات الحالية إلى سياسات وطنية واستراتيجيات تنفيذية فاعلة.
في هذا السياق، يجتمع قادة أكثر من 150 دولة في أبوظبي هذا الأسبوع لحضور اجتماع الجمعية العامة السادس للوكالة الدولية للطاقة المتجددة (آيرينا) والفاعليات الأخرى التي يستضيفها أسبوع أبوظبي للاستدامة، وحيث إنه الاجتماع الحكومي الدولي الأول عقب مؤتمر الدول الأطراف بشأن المناخ في باريس، سيعمل المشاركون في الجمعية العامة للوكالة على وضع الأجندة العالمية للطاقة المتجددة واتخاذ خطوات عملية ملموسة لتسريع وتيرة الانتقال الذي نشهده حالياً في مجال الطاقة.
ورغم أنه لم يمضِ سوى شهر واحد أو أكثر بقليل على توقيع اتفاق باريس، فإننا نشهد بالفعل مجموعة من التطورات المهمة في القطاع؛ فقد وافق الكونغرس في الولايات المتحدة على تمديد فترة الإعفاءات الضريبية لإنتاج طاقة الرياح والطاقة الشمسية لمدة 5 سنوات، ما شكل دفعة قوية لقطاع الطاقة المتجددة في البلاد. وفي الهند كذلك، ساهم تراجع تكاليف تقنيات الطاقة المتجددة في تنامي الإقبال عليها كبديل للفحم المستخدم في إنتاج الطاقة.
ولا شك أن انعقاد الجمعية العامة للوكالة الدولية للطاقة المتجددة وأسبوع أبوظبي للاستدامة هذا العام سيشكل دفعة قوية لمساعي دمج الطاقة المتجددة في مزيج الطاقة العالمي.
فاليوم، تكشف «آيرينا» عن أول تقرير من نوعه حول تأثيرات نشر الطاقة المتجددة على الاقتصاد الكلي. ويفيد التقرير بأن مضاعفة الحصة العالمية لمصادر الطاقة المتجددة بحلول العام 2030 سيرفع الناتج المحلي الإجمالي العالمي بنسبة تصل إلى 1.1%، أو ما يعادل 1.3 تريليون دولار، أي أكثر من حجم اقتصادات تشيلي وجنوب أفريقيا وسويسرا مجتمعة، إضافة إلى أنه سيحسن بشكل كبير من نوعية حياة سكان العالم ويوفر أكثر من 24 مليون فرصة عمل.
وفي وقت لاحق هذا الأسبوع، سوف تطلق «آيرينا» تحليلاً جديداً لسوق الطاقة المتجددة بدول مجلس التعاون الخليجي، والذي يتضمن تفاصيل حول الفوائد التي يمكن أن تجنيها المنطقة من خلال تحقيق أهداف الطاقة المتجددة.
لقد أصبح لدينا اليوم دليل قاطع على أن التحول في الطاقة ينطوي على فوائد ومكاسب اجتماعية واقتصادية وبيئية، ولدينا بالفعل التكنولوجيا اللازمة لتوفير إمدادات موثوقة وفعالة من حيث التكلفة، كما أصبح لدينا أيضاً دعم سياسي والتزامات عالمية قوية بفضل اتفاق باريس، وكل ما تبقى هو تنفيذ هذه السياسات والبرامج التي يمكن أن تعزز الاستثمار وبناء القدرات والتعاون الدولي لمواصلة دعم التحول في مجال الطاقة. وإذ تستضيف أبوظبي هذا الأسبوع قادة قطاع الطاقة من مسؤولي الحكومات ورجال الأعمال وممثلي المجتمع المدني من مختلف أنحاء العالم، فمن الضروري أن تكون هذه المجالات محط تركيز رئيسي للنقاشات خلال فاعليات أسبوع أبوظبي للاستدامة.

*مدير عام الوكالة الدولية للطاقة المتجددة (آيرينا)