تقارير

متى يذوب الثلج؟!

قبل أسابيع قليلة، وصلت دائرة شرطة نيويورك إلى عناوين الأخبار عندما تم الكشف عن أن فيلماً خلافياً عنوانه "الجهاد الثالث"، والذي يدّعي أنه يستكشف الإسلام المتطرف في أميركا، عُرِض على حوالي 1500 شرطي أثناء تدريب في مقاومة الإرهاب عام 2010. وبسبب الطبيعة الإثارية لفيلم "الجهاد الثالث"، الذي يصف الإسلام بأنه واحد من المتهمين الرئيسيين وراء العنف والإرهاب في الولايات المتحدة، يخاف بعض الأميركيين المسلمين من أن تكون دائرة الشرطة تدرّب أفراد الشرطة على اعتبار جميع المسلمين مجرمين محتملين. وتشير تقارير الإعلام الأخيرة إلى استمرار المشاكل بين دائرة شرطة نيويورك والجاليات المسلمة، بما فيها تقارير جديدة عن أعمال مراقبة وتنصت أجرتها شرطة نيويورك في عامي 2006 و2007 على فروع جمعية الطلبة المسلمين في جامعات في الشمال الشرقي. وتخاطر هذه التقارير من ناحية بإثارة عدم الثقة بين المسلمين الأميركيين والشرطة، لكنها من ناحية أخرى توفر فرصة للمزيد من المشاركة.
وهناك أمثلة مشجعة، ضمن الوضع العام المتوتر بين قوات تطبيق القانون والجاليات المسلمة، حول الجهود الرامية لبناء جسور بين الجانبين. ففي لوس أنجلوس بولاية كاليفورنيا، قامت دائرة شرطة لوس أنجلوس بإنشاء "منتدى مسلم" منتظم مع الجالية في محاولة للتخفيف من وقع التجسس على المسلمين الأميركيين والشك بهم. تفتح الفرصة التي أوجدها هذا المنتدى خطوط التواصل وتخفف من احتمالات تجسس مستقبلي غير ملائم.
وكانت الناحية الجيدة لهذا الخلاف بالذات في مدينة نيويورك القلق الشامل والدعم اللذين أظهرهما المجتمع الأميركي تجاه الأميركيين المسلمين. وكبداية، فإن حقيقة كون تلك القصة وصلت إلى عناوين صحيفة "نيويورك تايمز" تقترح علينا التزاماً بتصوير التجربة الأميركية الإسلامية بمزيد من الحساسية والاحترام.
وترسل هذه التغطية الظاهرة رسالة قوية بأن التصوير النمطي للجالية الإسلامية، والذي تصاعَد منذ الحادي عشر من سبتمبر 2001، غير مقبول لدى غالبية الأميركيين.
ومن بين النواحي المشجعة الأخرى لهذه القصة، أنها كُشفت لانتباه الجمهور للمرة الأولى من قبل ضباط الشرطة أنفسهم. وقد تبين أن أحد ضباط الشرطة الذين لم يعجبهم الفيلم كان صديقاً لتوم روبنز، كاتب العمود السابق في "صوت القرية" والذي كشف الفيلم بعد حوالي سنة في مقال عنوانه "تدريب شرطة مدينة نيويورك يحتوي على أمور رهيبة معادية للمسلمين: تجاوب في الإرهاب"، يوم 19 يناير 2011.
إلا أن التفاصيل الكاملة لـ "الجهاد الثالث" لم تظهر على السطح إلا هذه السنة، عندما طلب مركز برينان بجامعة نيويورك، بناءً على قانون حرية الحصول على المعلومات، مشاهدة أشرطة التدريب، بعد شكوك بأن دائرة شرطة نيويورك تستهدف جاليات المسلمين الأميركيين في منطقة نيويورك بالمزيد من المراقبة والتجسس، ودون أي إثبات على قيام هذه الجاليات بأعمال خاطئة.
ورداً على ذلك، نادى الأميركيون المسلمون الناشطون بإعادة تدريب حوالي 1500 ضابط شرطة شاهدوا هذا الفيديو، إضافة إلى تحقيق تقوم به وزارة العدل الأميركية حول سبب عرض الفيلم من حيث المبدأ. لم يكن هناك حتى الآن أي تجاوب مباشر مع الجالية الإسلامية من طرف دائرة شرطة نيويورك. إلا أن كلاً من كيلي وبراون صرّحا عبر مقابلات مع وسائل إعلامية أنهما يأسفان لعرض هذا الفيلم.
وتنظر ليندا صرصور، المديرة التنفيذية للجمعية العربية الأميركية في نيويورك، إيجابياً للأسلوب الذي تجاوبت به هي وغيرها من الأميركيين المسلمين: "أعتقد أن جاليتنا تتعلم كيف تعمل من موقع القيمة والكرامة الذاتيتين. لم نعد مجرد ضحايا، بل نحن ناجون وسنحارب من أجل ما هو أهلٌ للاحترام الذي نستحقه".
ورغم وجود بعض الفجوات في المعلومات المتوافرة حول قصة دائرة شرطة نيويورك، يرى مركز برينان بجامعة نيويورك فرصةً لإيجاد مناهج أكثر دقة يمكن استخدامها في أعمال التدريب المستقبلية.
وربما يكون الوضع، كما تقول صرصور، مستشهدة بمثل عربي قديم: "سوف يذوب الثلج ويظهر المرج". وبينما يكشف الإعلام المزيد من هذه الحوادث، يأمل المرء أن القضية قضية وقت قبل أن تقرر دائرة شرطة نيويورك اتخاذ توجه أكثر إيجابية في إشراك المسلمين الأميركيين.

مروة هلال - صحفية ومؤلفة

ينشر بترتيب مع خدمة «كومون جراوند» الإخبارية