تقارير

قوة الأسد: مخاوف الأقليات وتشتت المعارضة

الافتراض السائد بعد عام من الاضطرابات السياسية، والحجم الهائل من الخسائر المدنية على أيدي القوات الحكومية، هو أن نظام الأسد فقد شرعيته في نظر الشعب السوري. لكن الحقيقة أعقد من ذلك بكثير، حيث لا تزال طوائف رئيسية في سوريا، ترى مصائرها مرتبطة ببقاء هذا النظام. وما زال الجوهر الصلب للدعم الذي يتمتع به النظام يأتي من جانب الأقلية العلوية التي ينتمي إليها الرئيس.
ورغم أن العديدين من أبناء تلك الطائفة التي تشكل 12 في المئة تقريباً من إجمالي السكان، يشعرون بأن الأسد قد أساء التعامل مع حالة عدم الاستقرار التي تضرب البلاد، إلا أنه ليس في مقدورهم تجاهل حقيقة أن طائفتهم، في حالة إذا ما هيمن السنة على شؤون الحكم، سوف تزاح للهوامش وتتعرض لأعمال انتقامية، شأنها في ذلك شأن الأقليات التي كانت مهيمنة ذات يوم، ثم أزيحت عن مواقع الهيمنة مثل سنّة العراق وموارنة لبنان.
على أنه سيكون من الخطأ الافتراض بأن العلويين فقط هم من يدعمون الوضع القائم. فالأيديولوجية القومية العربية لحزب "البعث" الحاكم، ودعمه القوي للفلسطينيين، ومعارضته لإسرائيل... أثبتت أيضاً نجاعتها كأدوات لمد نطاق شرعية النظام فيما وراء حدود الطائفة العلوية.
ومن مصادر الدعم لنظام الأسد، الطائفة المسيحية التي تشكل 10 في المئة من إجمالي عدد السكان، والتي رغم اعتقادهـا أن النظام قد ارتكب أخطاء فادحة في معالجة حركة الاحتجاجات، فإن مخاوف عميقة، ومفهومة أيضاً، تساورها من احتمال حدوث ذلك النوع من عدم الاستقرار والاقتتال الطائفي الذي ساد عقب سقوط نظام صدام في العراق، والذي أدى في نهاية الأمر إلى إجبار الغالبية العظمى من المسيحيين في ذلك البلد على الفرار منه، بعد تصاعد مستويات العنف والترهيب التي مورست بحقهم.
لأسباب على تلك الشاكلة، واصلت الأقليات في سوريا، مثل الأكراد والدروز، دعمها لنظام الأسد، أو على أقل تقدير قاومت الدوافع التي تحثها على الانضمام لحركة الاحتجاج المتصاعدة ضده.
ورغم أن السنّة يشكلون الأغلبية الساحقة للمعارضة السورية لنظام الأسد، فإن هناك سنّة آخرين ضمن صفوف كوادر حزب "البعث"، يرون أنه لن يكون أمامهم سوى فرص محدودة في سوريا إذا ما سقط النظام، وهو ما جعلهم لا يبذلون أي محاولة لمعارضة الوضع القائم. يضاف لما سبق أن الطبقة التجارية السنية، ومجتمع رجال الأعمال، اللذين يتركزان أساساً في دمشق، وفي حلب المركز التجاري الهام لسوريا وثاني أكبر مدنها، ظلا حتى الآن على هامش الاحتجاجات. ومع أن بعضهم قد ساعد عناصر المعارضة، فإن أغلبيتهم ظلت خائفة من الفراغ السوسيو اقتصادي الذي يمكن أن يترتب على الفراغ المفاجئ في القيادة.
وكانت وزيرة الخارجية الأميركية قد أعربت عن أملها في أن يهب الجيش السوري للتصدي للنظام، لكن ما تمنته يعد لحد كبير غير محتمل الحدوث. فطبقاً لتقديرات حديثة تبين أن أغلبية الضباط، والعديد من ضباط الصف ينتمون للطائفة العلوية، وينحدرون في معظمهم من المناطق الزراعية الأكثر فقراً الواقعة وسط البلاد، نتيجة سياسات التجنيد المفرط لأبناء هذه الطائفة، خلال العقود الستة الماضية.
ومن العوامل التي تعزز استمرار دعم الجيش للنظام، الخوف من تكرار ظاهرة "اجتثاث البعث" التي حدثت في عراق ما بعد صدام، وهو خوف يدعو الموالين للنظام داخل الجيش للاعتقاد بأنهم سيواجهون مصيراً قاتماً إذا ما سقط.
ويضاف لذلك أن ثلاثة عقود من التلقين العقائدي البعثي لكوادر الجيش وقياداته، قد باتت تعني أن الجيش ليس جيشاً يدين بالولاء للأسد فحسب، بل جيشاً يدين بالولاء لعقيدة "البعث" كذلك.
وإذا ما أخدنا العوامل السابقة كلها في الاعتبار، فسنستنتج أن تلك الأعمدة الداعمة للنظام، تمثل قاعدة واسعة بين السكان السوريين الذين ما زالوا يفضلون بقاء الأسد في السلطة. وفي نفس الوقت نجد أن قوى المعارضة قد تضررت من ضآلة الدعم الذي تتلقاه من تلك الأقليات، كما أنها تعاني من الانقسام وافتقاد القيادة.
لقد تبنت قوى المعارضة هدف تغيير النظام، لكنها لم تنجح في تقديم رؤية واقعية حول ما الذي سيلي ذلك، ولا الكيفية التي ستواجه بها حالة عدم الاستقرار السوسيو اقتصادي التي ستلي سقوط نظام الأسد والتي يمكن أن تستمر سنوات.
والتقليل من شأن مخاوف المجموعات الرئيسية التي ما زالت، حتى لحظتنا هذه، تدعم نظام الأسد، سوف يؤدي غالباً إلى حرب أهلية ممتدة قد تفضي في نهاية المطاف إلى تقسيم سوريا وفقاً لخطوط طائفية، وخلق حالة من عدم الاستقرار في الدول المجاورة مثل العراق، والأردن، ولبنان، وتركيا، وفلسطين.
ومن المعروف في هذا المقام أن الدول المجاورة تعاني بالفعل من الآثار الناجمة عن تداعيات الأزمة السورية، متمثلة في تدفق اللاجئين، وتفاقم التوتر بين الطائفتين السنية والعلوية في شمال لبنان، والضغط من جانب قوى المعارضة الإسلامية في الأردن، والانقسام بين السنة والشيعة في العراق حول كيفية التعامل مع آثار تلك الأزمة.
إن الجهود الداخلية والخارجية الرامية لعزل، وإضعاف، واستبدال نظام الأسد في سوريا، سوف تفشل على الأرجح ما لم يتم اتخاذ خطوات واقعية لمعالجة المخاوف المشروعة للمجموعات الرئيسية التي ما زالت تدعم هذا النظام.

ارام نيرجويزيان
زميل زائر بمركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن

ينشر بترتيب خاص مع خدمة
«إم. سي. تي إنترناشيونال»