دنيا

تحليل المضمون وما يخفيه

كان المهتمون بتحليل المضمون في العصر الحديث، من دول وأجهزة ومنظمات، يحتاجون في القرن الماضي إلى جيش من المحللين لمحاولة معرفة اتجاهات وسائل الإعلام (كافة) وما تنشره، وخاصة في حالة الحروب الباردة والساخنة في آن، ثم تطور الأمر مع برامج الحاسوب وما زال، وتحول حفنة من المحللين إلى التخطيط والمساعدة في إعداد البرمجيات. ولكن المضمون تغير وكذلك طرق وتقنيات تحليله التي تشهد كل يوم تطوراً جديداً. وكان المضمون بشكل أساسي يعني النصوص والمعلومات (والمفردات)، وكان تحليله يهدف إلى الوصول إلى استنتاجات وأحكام يبنى عليها المقتضى، سواء كان إعلاميا أو أمنياً أو سياسياً وسواء لأسباب أيديولوجية أو مصالح دولية وغيرها. يلعب تحليل المضمون دوراً (خفياً في الغالب) في معرفة مدى تأثير السياسات الموجهة أحياناً، وأحياناً في محاولة توقع أفضل السبل للتأثير في الجماهير. فهو يحاول بشكل عام الكشف عن اتجاهات الآخرين من خلال التجميع الكمي والنوعي والدلالي والمقارن لمفردات ووحدات النص، ويساعد في تحديد الخلفيات غير المعلنة للقيمين على وسائل الإعلام (وكل صاحب نص).
وإلى جانب استخداماته النبيلة مثل محاولة سبر خصائص الأسلوب الأدبي والكتابي ـ والصحفي ـ وتعزيز فضائل ومفاهيم إنسانية، مثل الحق والخير والجمال، وكذلك وظائفه الطبيعية في محاولة استكشاف نوايا الخصم، يمكن استغلال تحليل المضمون من أجل رسم خطط نفسية واتصالية تتسرب إلى لاوعي الجمهور (نوع من غسل الدماغ الجماعي)، وتتحول مع التكرار إلى نوع من مفاهيم قاهرة.
ووسط هذا وذلك، كانت الشركات الكبرى بدورها تحاول أن تستفيد من دراسات تحليل المضمون إلى أقصى درجة ممكنة، من أجل تسويق منتجاتها من خلال محاولة توقع اتجاهات المستهلكين وأذواقهم.
هذه التوقعات كانت تبنى على مضمون وسائل الإعلام (ومعها البحوث المسحية والاستطلاعات المباشرة) في زمن كان فيه محتوى هذه الوسائل مبنياً بشكل أساسي على معلومات تأتي من مصادر «عليا» أو عليمة.
ومع تغير المضمون ومصادره وأشكاله من حال إلى حال بفضل تكنولوجيات الإعلام والبرمجيات، واحتلال مواقع الاتصال الاجتماعي موقعاً متقدماً في تدفق المعلومات والرسائل، بات على المشتغلين في تحليل المضمون تحد نوعي يتمثل في القدرة على مواكبة اتجاهات الناس ـ الناشطين على مواقع التواصل التي تنقل يومياً ملايين الرسائل والنصوص. ولا شك أن الكشف الأخير عن برمجيات بوسعها تخزين نصوص ملايين البشر على مواقع التواصل الاجتماعي ولفترات كافية لمعرفة اتجاهات المستخدمين، معطوف عليها برمجيات تحاول تحديد ميولهم وعواطفهم تجاه مواضيع معينة، سيؤدي إلى تداعيات جوهرية على تحليل المضمون ونتائجه.
وإذا كانت شركات التسويق والدراسات وأبحاث السوق أول المستفيدين من هذه التقنيات الجديدة، فالصحيح أيضاً أن نصوص «جماهير» المستخدمين ومحتوى رسائلهم ستكون عاملاً رئيسياً لدى مراكز القرار التجاري (والاقتصادي) بشكل لا مثيل له، وستكون غداً عاملاً رئيسياً في مراكز القرار الأخرى لأنها ببساطة خرجت من تأثير السياسيات التوجيهية ذات الاتجاه الواحد (العمودي)، وبات من المستحيل أن تكون جماهير المستخدمين مجرد متلق أو هدف سهل للعاملين في مجال توجيه الجمهور. وللتأكد من صحة ذلك أو عدمه ـ عربياً ـ لا ينفع سوى محاولة دراسة مضمون تغريدات وبوستات المستخدمين ومقارنتها مع محتوى مؤسسات ووسائل الإعلام التقليدية.


barragdr@hotmail.com