تقارير

المهمة الأفغانية... حساسة !

أثارت أخبار صدرت مؤخراً حول قيام جنود أميركيين بحرق نسخ من المصحف الشريف في أفغانستان موجة احتجاجات واسعة هناك، وأثارت أعمال عنف أيضاً. ورداً على ذلك، قدّم أوباما اعتذاره وأعلن قادة عسكريون أميركيون في أفغانستان أن كافة القوات الأجنبية سيتم تدريبها حول كيفية التعامل باحترام مع الرموز الدينية. وتطرح هذه الأزمة الحاجة إلى مزيد من التغييرات المحسوسة في مهمة القوات الدولية، إضافة إلى ضرورة عملية الإعداد والتحضير الذي يحصل عليه أفراد القوات العسكرية.
ويرى الأفغان هذا الحدث على أنه جزء من فشل أوسع نطاقاً وليس خطأ معزولاً، الأمر الذي يشير إلى ضرورة إحداث تغيير منهجي. وكما تشير استطلاعات رأي متعددة، مثل استطلاع أجرته "مؤسسة آسيا" لسبر آراء المواطنين الأفغان عام 2011، فإنهم يشعرون بالإهانة والخوف من بعض تصرفات القوات العسكرية الأجنبية. إلا أنهم، في الوقت نفسه قلقون من انسحاب القوات الأجنبية وعودة "طالبان" إلى الانتشار.
ويرغب الأفغان في قوات دولية تقتصر مهمتها على حماية المدنيين ودعم الحكم التشاركي وتيسير الجهود الدبلوماسية. ولاشك أن انعدام الحساسية تجاه الأمور الدينية له وجوه وردود فعل سلبية عديدة مثل الجندي في الجيش الوطني الأفغاني الذي هاجم أفراداً من القوات الأميركية بسبب ما شعر بأنه إهانة لعقيدته الدينية.
ويحصل عناصر "طالبان" على الدعم عندما يتمكنون من إقناع الأفغان بأن القوات الدولية لا تهتم من حيث المبدأ بأوضاعهم ولا تحترم دينهم. وتشير البحوث إلى أن الحركة تقوم بتجنيد أعضاء جدد ليس من خلال الترويج لمعتقدات دينية متطرفة، وإنما عن طريق الاستفادة من شعور بعض الناس بالغضب العارم والإهانة نتيجة لسلوك أفراد غير منضبطين من القوات الدولية.
ويقوم التدريب العسكري الحالي على إعداد القوات بالدرجة الأولى لمحاربة عدو أكثر من تركيزه على آليات وسبل احترام وحماية السكان المحليين. وبناءً على ذلك، هناك حاجة إلى تغيير تدريب هذه القوات وأسلوب إعدادها.
وحتى فترة قريبة، كان أي ضرر يلحق بالسكان المحليين أو الثقافة أو البنية الأساسية المحلية يعتبر ببساطة أضراراً جانبية ناتجة عن العمليات العسكرية. وفي حالة مشابهة أيضاً، في الشهور القليلة الأولى من الحرب العراقية، لم يكن لدى القوات الدولية مستشارون ثقافيون. وكانت القوات الأجنبية على دراية كاملة بالمشهد الجغرافي في البلاد، إلا أنها كانت عمياء تجاه المضمون الثقافي المحلي المعقد.
وعندما أدرك القادة العسكريون أن عماهم الثقافي يعيق استراتيجيتهم العسكرية في العراق وأفغانستان، قاموا بإنشاء "فرق برية إنسانية" من المستشارين لمساعدتهم على وضع خرائط للجغرافيا الثقافية. واليوم، تجري العشرات من هذه الفرق المتخصصة أعمال تقييم ثقافي للمجتمعات المحلية. وبشكل أوسع، فقد أعطيت القوات الدولية "بطاقات ثقافية" بحجم الجيب، تضم قائمة من الحقائق حول المضمون المحلي لكل منطقة.
إلا أن هذه التوجهات غير مناسبة أحياناً، إذ تنظر إلى المعرفة الثقافية على أنها قائمة من الحقائق أو تكتيك لجمع المعلومات الاستخبارية واستهداف العدو.
وبدلاً من ذلك، ينبغي أن تعمل قوة دولية أصغر حجماً وأفضل تدريباً على الإعداد لإظهار الاحترام الثقافي في كل قرار قد يتخذ. وعلى المدى القصير، يتطلب بناء الثقة عملية نشطة من التبادل الثقافي بين القوات الدولية والجيش الوطني الأفغاني للاستفادة إلى أقصى حد ممكن من تجربة التدريب والتعلم معاً.
ويجب أن تعرف القوات الدولية قبل نشرها المزيد عن الثقافة المحلية.ويعتقد معظم الناس أن ثقافتهم الإثنية هي "الطبيعية" و"الصحيحة"، بينما الثقافات الأخرى قد تكون "غير أخلاقية" أو "غريبة". وفي غياب تقدير واحترام أوسع لثقافة الآخر، لا تملك القوات الأجنبية سوى القليل من المهارات لفهم خلفيات الاحتجاج على إهانة الرموز الدينية.
ويصعب في نهاية المطاف تصوّر كيف ستتجنب القوات الدولية في أفغانستان دورة أخرى من الأخطار غير المتعمدة دون أن يتم تغيير كامل للسياسة على كافة المستويات.
وتحتاج هذه القوات لأن تجعل الحساسية الثقافية أولوية في مهمة عسكرية تركّز على حماية المدنيين والتعامل مع الأسباب الجذرية لعدم الاستقرار من خلال دعم الحوكمة والدبلوماسية، وليس شن الحرب.

ليزا سكيرتش وكريم ميرتشانت
كاتبان مختصان في الشؤون الأفغانية

ينشر بترتيب مع خدمة "كومون جراوند" الإخبارية