تقارير

مصر: معالجة خاطئة لأزمة المنظمات المدنية

باتت السلطات المصرية، هدفاً لغضب عارم من جانب المصريين يوم الجمعة الماضي، وذلك بعد أن تم نقل الموظفين الأميركيين وغيرهم من الأجانب العاملين في منظمات المجتمع المدني العاملة في مجال دعم الديمقراطية في مصر للخارج في طائرة خاصة قادمة من قبرص.
وقد جاء قرار السماح لهؤلاء العاملين بالسفر ليخفف من حدة أزمة دبلوماسية بين القاهرة وواشنطن استمرت ما يقارب الشهر، نشط فيها الإعلام الرسمي المصري في تصوير هؤلاء العاملين بأنهم عملاء ضالعين في تأجيج القلاقل.
وقام طيف واسع يضم جماعات الشباب، ومشرعي القوانين، والقادة السياسيين في مصر باتهام المسؤولين المصريين بإثارة وتسييس قضية ضد منظمات المجتمع المدني الأجنبية ثم الرضوخ للضغط الأميركي في نهاية المطاف، من دون إبداء الأسباب.
وقد أثارت القضية أسئلة عديدة في القاهرة وواشنطن حول مقدار النفوذ الذي تمتلكه الولايات المتحدة وتمارسه على الجنرالات الحاكمين في مصر التي تتلقى معونات عسكرية أميركية تبلغ 1.3 مليار دولار سنوياً منذ توقيع معاهدة السلام مع إسرائيل في أواخر سبعينيات القرن الماضي.
ومن المعروف أن الناشطين الذين قادوا العام الماضي الثورة الناجحة التي أطاحت حكم مبارك، قد ظلوا يوجهون انتقادات حادة للولايات المتحدة بسبب علاقاتها الوثيقة بنظام مبارك.
ومنذ اندلاع الثورة عملت معظم المنظمات غير الحكومية في مصر من أجل الترويج لمزيد من التغييرات الديمقراطية، على الرغم من احتجاجات حكومات مصر الانتقالية على ذلك.
ولكن الناشطين وغيرهم من الشخصيات السياسية المدافعة بقوة عن الديمقراطية، يقولون إن الحكام العسكريين قد أساؤوا معالجة القضية: أولاً، عندما منعوا العاملين الأجانب في تلك المنظمات من مغادرة البلاد، وثانياً، عند السماح لهم بعد ذلك بالسفر، بعد أن دفعوا ملايين الجنيهات في صورة كفالة. ويقول المنتقدون إن تلك القضية والملابسات التي أحاطت بها يمكن أن تمس نزاهة المنظومة القضائية في مصر.
وقال مسؤول بإحدى الجماعات الحقوقية المعروفة باسم" الاتحاد الوطني للتغيير " في تصريح له يوم الجمعة الماضية:" لقد حاول كبار المسؤولين الحكوميين أن يصوروا هذه القضية على أنها معركة من معارك الكرامة الوطنية التي تخوضها مصر ضد الولايات المتحدة، وتعهدوا فيها بأن مصر لن تركع أبداً".
وأضاف لما سبق قوله :"بيد أن ما حدث يمثل كارثة وطنية بكافة المقاييس ...كارثة اتخذت شكل الانبطاح الكامل لكبار المسؤولين في أعقاب الإملاءات الأميركية، وهو ما يمثل في جوهره إعادة إنتاج سياسات الاستقلال التي اعتاد نظام مبارك اتباعها في سنوات حكمه التي امتدت لثلاثين عاماً".
وقال محمد البرادعي المرشح المحتمل السابق لرئاسة الجمهورية إن ما حدث يمثل" ضربة للديمقراطية". ومنتقدو ما حدث لا يدعمون بالضرورة القضية المرفوعة ضد منظمات المجتمع المدني، ولكنهم يرون أن المآل الذي انتهت إليه والطريقة التي تم بها ذلك، يمثل إهانة لحكم القانون من جانب مسؤولين كانوا قد تعهدوا بالابتعاد عن أسلوب مبارك في عقد الصفقات من وراء ستار.
وكانت المجابهة بين مصر وأميركا قد بدأت بعد غارة مفاجئة على مقار منظمات المجتمع المدني الأجنبية العاملة في القاهرة، ومنها "المعهد الوطني الديمقراطي" و"المعهد الجمهوري الدولي" التابعين للحزبين الرئيسيين في الولايات المتحدة الأميركية. وأدت التحقيقات التي أجرتها السلطات المصرية مع العاملين في تلك المكاتب، إلى إحالتهم لمحاكمة بدأت جلساتها يوم الأحد الماضي، وأن لم يحضرها أي من العاملين الأميركيين أو الأجانب العاملين في تلك المنظمات. وقال القاضي الرئيسي في المحاكمة "محمد شكري" يوم الجمعة الماضي إن رفع حظر السفر "غير قانوني"، وفقاً لما جاء في التلفزيون الرسمي، وعندما حاولنا الاتصال به هاتفياً للاستفسار منه عن المزيد، لم يرد على الاتصال.
يوم الجمعة الماضي أيضاً، أعلن القاضيان الآخران اللذان كانا يتوليان القضية إلى جانب" شكري" عزمهما التنحي عنها، احتجاجاً على رفع قرار الحظر الذي كان مفروضا على سفر المتهمين الأميركيين والأجانب، وهو ما أثار تكهنات بأن القضية برمتها قد يتم إسقاطها، حسبما جاء في صحيفة المصري اليوم المصرية اليومية المستقلة. وقد أدلى القاضي "أشرف العشماوي" بتصريح للصحيفة قال فيها "إنني أشعر بالإهانة، وأن كل ما قمنا به قد ضاع بسبب قرار سياسي".
وقالت "هبة مورايف" الناشطة الحقوقية في منظمة هيومان رايتس ووتش:
"ستكون هناك أصداء خطيرة للغاية للطريقة التي تم بها إيجاد مخرج من الموقف الحرج المتعلق بوضع العاملين الأميركيين والأجانب في هذه القضية". وأضافت: فما حدث أمر ليس بالجيد بالنسبة لثقة الجمهور … فإحالة القضية إلى المحكمة ثم رفع الحظر على السفر بهذه الطريقة، أدى إلى اهتزاز الثقة في القضاء المصري في أحسن الفروض".
ويوم الجمعة الماضي أصدرت جماعة "الإخوان المسلمين" بياناً قالت فيه "إنها لم تتورط في القضية"، ولا في أي قرار لرفع قرار حظر السفر في محاولة واضحة منها للنأي بنفسها عن ذلك القرار غير الشعبي. وقد جاء البيان بعد تصريح للسيناتور جون ماكين (جمهوري - أريزونا) قال فيه إنه" قد تشجع بالدور البناء" الذي لعبته الجماعة.

ليلى فاضل - القاهرة

ينشر بترتيب خاص مع خدمة "واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس"