تقارير

«الصداقة الكورية»: سياحة ودعاية

مثلما تقول كوريا الشمالية، فإن كيم جونج إيل لديه أصدقاء مكلومون عبر العالم. فهناك أشخاص حزينون على وفاة الزعيم الراحل في منغوليا، وقلوب مفطورة في بنغلاديش. كما قام الأوغنديون بوضع أكاليل من الزهور أمام صورة كبيرة لكيم، بينما قام البريطانيون بإرسال زهور بمناسبة حفل عيد ميلاد كيم السبعين الذي تم إحياؤه بعد وفاته.
هؤلاء الأصدقاء تتم الإشارة إليهم بشكل يومي تقريباً في مقالات تنشرها وسائل الإعلام الكورية الشمالية التي تديرها الدولة، كما لو أنها تقول للناس إن العالم الخارجي يفتقد كيم –ويدعم ابنه ووراث سره– بالقدر نفسه من الحنين المتوقع من الناس داخل البلاد. فقد جاء في أحد عناوين الصحف مؤخراً: "منظمات أجنبية تشيد بإنجازات كيم جونج إيل"؛ وجاء في آخر: "إنسانية كيم جونج إيل مثار إعجاب شعوب العالم".
والواقع أن ثمة جزءاً من الحقيقة في هذا الخطاب. ذلك أنه حتى في البلدان التي لا تدعم عائلة كيم رسمياً، هناك في أحيان كثيرة بضع مئات من الناس، أو بضع عشرات على الأقل، يدعمونها. إنهم يمثلون ما يقول محللون إنها نتيجة جهود كورية شمالية بدأت خلال الحرب الباردة وتمتد على عدة عقود بهدف تصدير إيديولوجيتها ونسج شبكة عالمية من الحلفاء.
الفروع الوطنية لـ"جمعية الصداقة الكورية"، التي تقول إن عدد أعضائها يبلغ 15 ألفاً، هي أقل بكثير من قنصليات وأكثر بقليل من أندية معجبين. وهي تعمل دون تمويل رسمي، ويتواصل أعضاؤها في بعض الحالات بواسطة قوائم البريد الإلكتروني فقط. وهذه المجموعات لا ترسل مالاً أجنبياً كثيراً إلى بيونج يانج، مثلما لا تقوم بجمع معلومات استخباراتية لحساب السلطة هناك، ولا تدير حملات إقناع عبر العالم... لكنها تشترك في هدف واحد أضحى أكثر وضوحاً خلال الأسابيع الأخيرة: المساعدة على تقوية ثقافة الإعجاب والاحترام تجاه عائلة كيم.
وفي هذا الإطار، يقول هازل سميث، الأستاذ بجامعة كرانفيلد في إنجلترا والخبير في الشؤون الأمنية الذي عاش في كوريا الشمالية ثلاث سنوات: "في مرحلة من المراحل، كانت هذه المجموعات عبارة عن قناة للفكر الاشتراكي، وكانت جزءاً من شبكة سياسية حقيقية". ثم يضيف: "لكنها باتت اليوم مثل الزائدة، فالحرب الباردة انتهت، وبانتهائها باتت هذه المجموعة مجرد وسيلة تساعد على تحقيق أهداف داخلية".
ودون استثناء، لا تدعو مجموعات الصداقة إلى الإصلاح داخل كوريا الشمالية؛ بل تشيد بثبات البلاد وصمودها، وتبدو بياناتها الصحفية أشبه بالدعاية الرسمية التي تطلقها بيونج يانج. وعلى سبيل المثال، فقد وصف رئيس مجموعة الصداقة في البيرو كيم مؤخراً بأنه مدافع "صامد" عن السلام، حسب ما نقلته عنه كوريا الشمالية. ومن جانبه، قال رئيس مجموعة الصداقة في فرنسا إن كيم حقق "إنجازات خالدة لا تموت" في سبيل بناء دولة مزدهرة.
غير أن بعض الخبراء يقولون إن جمعيات الصداقة إنما دامت واستمرت في الواقع بسبب المزايا والامتيازات أكثر منها بسبب الأيديولوجيا، وذلك على اعتبار أن أعضاءها يسافرون من حين لآخر إلى أكثر بلد عزلة في العالم، شريطة أن يدفعوا بضع آلاف من الدولارات. فتلك الأسفار تمثل أكبر شكل من أشكال السياحة سحراً وأبهة، تستطيع دول فقيرة تقديمه، حيث يقول أشخاص سبق أن قاموا بتلك الزيارات إنهم يُستقبلون بالترحيب من قبل أعضاء الحزب على مدرج مطار بيونج يانج؛ وتقدَّم لهم أشهى الأطباق؛ وتقوم بإيصالهم إلى الفنادق، حيث سترافقهم سائقات جميلات؛ وتنشر أخبار تحركاتهم وتنقلاتهم في الصحف المحلية.
وفي هذا السياق، يقول كرتيس ميلفن، المتخرج من جامعة جورج تاون والذي يدير مدونة إلكترونية تهتم باقتصاد كوريا الشمالية، وقد سبق له أن سافر مرتين كضيف ضمن رحلات صداقة، رغم أنه ليس عضواً في الجمعية: "أعتقد أنهم يحبون الاهتمام الذي يلقونه"، مضيفاً "إنهم يذهبون إلى هناك ويتظاهرون بأنهم شخصيات مهمة جداً".
ويقول ميلفن إن أعضاء جمعية الصداقة هم في الغالب ذكور في منتصف العمر؛ لكن المجموعة تجتذب أيضاً الأضداد السياسيين. فاليساريون المتطرفون يقولون إنهم يحبون أيديولوجيا كوريا الشمالية الاشتراكية، بينما يقول اليمينيون المتطرفون إنهم يتعاطفون مع الشعور القوي بالوطنية في كوريا الشمالية ونضالها واعتمادها على الذات.
الرجل الذي يحافظ على تماسك العضوية هو "أليخاندرو كاو دي بينوس"، وهو إسباني في السابعة والثلاثين من عمره اختير من قبل السلطات الكورية الشمالية ليكون المتحدث الغربي الفعلي باسم أيديولوجيات كيم جونج إيل. وقد قال كاو دي بينوس في مقابلة معه مؤخراً إن "الشمال" سيصبح مدينة اشتراكية فاضلة في غضون ثماني سنوات. وباعتباره رئيس الجمعية -الذي يرتدي بذلة شبيهة بتلك التي كان يرتديها الزعيم الصيني ماو تسي تونج -يأخذ كاو دي بينوس المجموعات الزائرة إلى "الشمال"، حيث يلعب دور المرشد في زيارات إلى الأضرحة والمتاحف والاجتماعات مع السلطات المحلية من مستوى متوسط.

تشيكو هارلان - طوكيو

ينشر بترتيب خاص مع خدمة "واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس"