دنيا

قلوب الأطفال حائرة بين أحضان الخادمات وحنان الأمهات

صورة تعبيرية لطفل يرتمي بين أحضان مربية

صورة تعبيرية لطفل يرتمي بين أحضان مربية

كثر الحديث في الآونة الأخيرة عن اعتماد الأمهات على الخادمات في تربية الأطفال، فصار من الطبيعي أن يحتار قلب الطفل الصغير في كيفية توزيع الحب بين والدته الحقيقية والخادمة، وأصبحنا نرى تعلق أطفالنا بالخادمة لدرجة أن ينام الطفل في غرفتها باحثاً عن حنانها أكثر، وإذا أخُذ منها بالقوة يعلو صراخه وبكاؤه، لدرجة أنه لا يستطيع أن يستغني عنها. وأوضحت آراء متخصصين أن هناك أمهات يجدن في ذلك أمراً مفرحاً، حيث حصلن على خادمة يحبها الطفل، ويطمئن لها قلبها، في وقت تتعالى فيه الصيحات من سوء معاملة الخادمات للصغار، وكثرة دوافعهن الانتقامية، من خلال العديد من أخبار الحوادث والقضايا في الصحف اليومية.

انتقد متخصصون في الاستشارات الأسرية في دراسة نشرت مؤخراً اعتماد الكثير من الأمهات في شؤون المنزل على الخادمة، خاصة المرأة العاملة التي لا تجد أحداً في البيت، يرعى أبناءها الصغار أثناء غيابها، فما يكون أمامها إلا البحث عن خادمة تكون بديلة لها فترة غيابها. وأشاروا إلى أن بعض الأسر ترى أن وجود الخادمة نوع من الوجاهة الاجتماعية في المنزل، وأن العائلات التي لديها أطفال لابد لها أن تستعين بخادمة لمعاونتها على تسيير أمور المنزل من تنظيف وطبخ، بالإضافة إلى الاعتماد عليها أحياناً كثيرة في رعاية الأطفال، وبالتالي، ما عاد الأمر يدعو إلى العجب حين يتراءى لنا هذا المشهد بشكل يومي في بيوت كثيرة، حيث نرى الصغار يتعلقون بالخادمة أكثر من الأم، لأنها هي التي تجلس معهم وترعى شؤونهم في كل شيء، لذلك قد ينادي الكثير من أطفالنا الخادمة بـ«ماما»، وقد يصعب عليهم سفرها، ونراهم يتمسكون بها ويبكون عليها بحرارة أكثر من بكائهم على الأم في مرضها أو سفرها.
رغم أن سارة هاشم ربة منزل، ليست موظفة لكنها تعترف بأن ابنتها شديدة التعلق بالخادمة، حيث تترك ابنتها معها طوال اليوم، وأثناء وجودها في المنزل تراها تحتضنها وتقبلها على خدها أكثر من مرة، وهذا يزعجها كثيراً ويقلقها، وتذهب معها أينما ذهبت وتتحدث وتجلس معها أكثر منها، حتى النوم تفضله معها، وإذا شعرت بالجوع تذهب إلى الخادمة، فوراً حتى تلبي طلبها وكأن سارة ليست أمها.
وأضافت أن الحال استمر على ذلك فترة طويلة، حتى سمعت ابنتها تقول للخادمة «أنا أحبج وايد»، في هذه اللحظة شعرت بالألم يعتصر قلبها فوجودها أصبح مثل عدمه، وراحت تسأل نفسها، ما الذي جعلني أعتمد على الخادمة؟، لهذه الدرجة أصبح الأبناء متعلقين بالخادمة أكثر منا؟، مؤكدة أنها ترجع سبب تعلق الأبناء بالخدم، إلى الأمهات اللاتي تركن الحبل على الغارب، واعتمدن على الخادمات في تلبية احتياجات الأبناء، وهن منشغلات بالخروج إلى التسوق وزيارة الصديقات.
مشاعر الأمومة
وشن عبد الكريم هارون رب أسرة لديه 5 أبناء في مقتبل العمر، هجوماً عنيفاً على بعض الأمهات اللاتي يتركن أبناءهن في أيدي خدم المنازل، بقوله: أسمع الكثير من القصص عن هذا الموضوع، فالأم لا وقت لديها لتربية أبنائها لأنها منشغلة بنفسها وبأمورها فقط، متذكراً موقفاً شاهده بأم عينيه أثناء مرافقته لابنه إلى إحدى عيادات طب الأطفال، حيث رأى خادمة تحتضن طفلا في الثالثة من العمر يعاني من حمى شديدة وحرارة مرتفعة، وبينما الدكتور يسأل الخادمة عن أمه تجيبه إنها ذهبت إلى خارج البيت وطلبت منها أن تذهب به إلى الطبيب، على أن تلحق بها. ويتساءل ألهذه الدرجة وصل الأمر بهذه الأم أن تترك طفلها لدى الخادمة لتحضره إلى المستشفى بينما هي تتجمل وتتزين؟ أين مشاعر الأمومة التي لم تثر فيها أي رحمة أو رأفة بابنها المريض؟ فبدلاً من أن يكون بأحضان والدته يشرب حنانها وعطفها، أصبحت الخادمة هي الأم الحقيقية له والصدر الحنون تعطيه من عطفها.
التربية الصحيحة
كما تساءل أنور عبد الخالق مدرس ثانوية بمدرسة خاصة، هل مطلوب من الخادمة أن تكون أكثر حناناً من الأم؟ وهل هي أرحم من أم احتوت جنينها في بطنها تسعة أشهر؟
ويتابع: ليتني أجد جواباً لأسئلة كثيرة تدور برأسي، لقد أصبحت بعض أمهات اليوم يخرجن من منازلهن متباهيات ومنشغلات بأحاديث القهوة مع النساء وعبر الهاتف المتحرك، ويتركن أطفالهن للخادمات، ليضيع الأبناء في نهاية المطاف، وتجدهم متعلقين أكثر من اللازم بتلك الخادمة التي تجهل طرق التربية الصحيحة للأبناء، والأدهى والأمر، حين تنوي السفر إلى بلادها، فنرى أطفالنا يمسكون بثيابها، ويبكون بحرقة، لشدة تعلقهم بالخادمة، حتى أن الطفل قد يمرض لأيام وأيام، بسبب سفر تلك المربية التي أعطته الحب والحنان أكثر من عطاء الأم له.
في المقابل، يجد جمعة يوسف، 35 عاماً، ترك الأبناء مع الخادمة لتقوم على تربيتهم ورعايتهم أمراً في غاية الخطورة، فالاستعانة بالخدم قد تكون ضرورة اجتماعية لدى البعض، مشيراً إلى أن وجود الخدم مهما كان المسمى «مربية، طباخة، سائقة» بهذه الأعداد في البيوت، تعود في الأغلب أسبابه إلى التقليد الأعمى والمباهاة من قبل ربة المنزل، إما لجارتها أو صديقتها أو لشعورها بالنقص.
ولفت إلى حقيقة وصفها بالُمرة والتي يجب أن يعرفها الجميع وهي أن النتائج السلبية لا يتم اكتشافها من قبل الوالدين إلا في وقت متأخر يتعذر معه تصحيح ما تم الوقوع فيه من خطأ في حق هؤلاء الأطفال الأبرياء، مشيراً إلى أن أطفالنا الآن يعرفون لغة الخادمة أكثر من لغة الأم، حتى أن تصرفاتهم أصبحت تشبه ما تقدم على فعله الخادمة، والسبب هو بقاء الطفل مع هذه المربية لفترة أطول من الأم المنشغلة ببعض الأمور من تسوق وزيارة الصديقات وحضور المناسبات.
رعاية الأبناء
وقالت سيدة رفضت ذكر اسمها: لم أكن أتوقع أن يتعلق ابني الصغير، 5 سنوات، بالمربية التي تعمل لدي منذ ولادته، حيث لا يوجد أحد يرعى أبنائي في البيت، على الرغم من أنني أرى أن وجود المربية في المنزل هو للطبخ والتنظيف، ومراقبة الأطفال.
وأضافت: إنني حريصة عند عودتي من العمل، على أن يكون أبنائي معي، لكن الواقع أن أصغرهم يمضي أكثر وقته مع الخادمة التي دائما تلعب معه وتمسك به وترعى شؤونه وتتحدث معه أكثر مما أتحدث معه أنا، لكن أن يصل الأمر إلى النوم عندها والبكاء عليها عند مرضها والأكل من يدها، هذا ما جعلني أشعر بالقلق والتوتر، فإن كانت وهي موجودة يحبها فكيف إن سافرت إلى وطنها بلا رجعة.
وبالاقتراب من ابنها حميد يبتسم ويقول «أنا أحب خدامتنا روينا وايد» متابعاً حديثه، وهو يلعب معها: تلعب معي دائما كما أنها تساعدني على تبديل ملابسي وتطعمني.
في المقابل، تقول أماني الطحان إنها اضطرت إلى طلب إجازة سنة من دون راتب قابلة للتمديد، من أجل رعاية شؤون بيتها، والقيام على راحة أسرتها بنفسها، دون تدخل من الخادمة، التي حددت لها مهمتها في تنظيف البيت ومساعدتها في متابعة أبنائها أثناء الخروج للتسوق وشراء متطلبات المنزل.
وأوضحت انجي الشهاوي أنها ترى أن شؤون البيت ورعاية الأبناء يجب أن تكون من مهام الأم الرئيسية، ويجب ألا تترك للخادمة، مؤكدة أنها تتابع كل صغيرة وكبيرة في بيتها بنفسها، وقد جربت أن تعتمد على الخادمة في بعض الأمور، لكنها وجدت أن ذلك يقلل من حجم مسؤوليتها عن بيتها، ويؤدي إلى تعلق الأبناء بها، لذلك فضلت أن تعطي مزيداً من وقتها لأسرتها، وتستغني عن وجود الخادمة.
الرأي نفسه أيده المحاسب أيمن الراوي، مشيراً إلى أنه لا يمانع أحياناً كثيرة في مساعدة زوجته، في تسيير أمور البيت، حيث تتطلب مهامها الوظيفية، المكوث حتى وقت متأخر في الدوام، لكنهما اتفقا على تقاسم بعض الأمور المنزلية ورعاية أطفالهما، وتدريب أولادهما على الاعتماد على النفس، بدلاً من الاعتماد على الخادمة.
تربية واهتمام
الأمومة ليست مجرد علاقة ولادة فقط أو علاقة انتماء وتربية واهتمام، إنما علاقة خاصة جداً تربط الطفل بوالدته، هذا ما يعبر عنه ناصر أحمد السعدي رب أسرة، بقوله: حاجة بعض الأمهات إلى الوظيفة، قادت الطفل إلى أن يجد في الخادمة أماً تنوب عن أمه الحقيقية، دون أن يدري هذا الصغير أنه مهما كانت درجة حب واهتمام الخادمة برعاية الطفل تظل حاجته إلى الأمومة الحقيقية كبيرة، كما أن وجود الخادمة في البيت يضعف ارتباط الطفل بوالديه وكذلك يعوق النمو الذاتي للطفل، مؤكداً أنه من المستحيل أن تعوض الخادمة الأبناء عن وجود الأم لأنها غير قادرة أو مهيأة لتربية جيل واع، فالخادمة مهما كان دينها فإن لها عاداتها وثقافتها المختلفة تماما عنا.
وأوضح أن هناك الكثير من الأمهات يعتمدن اعتمادا كليا على الخادمة، حتى في حال مرض الطفل نجد أن الخادمة هي التي تعطيه الدواء وتقيس درجة حرارته، ناهيك عن أن بعض الخادمات قد يأخذن الأطفال إلى المدرسة ذهاباً وإياباً، وقد يبكي الطفل مراً ويمرض إن سافرت عنه المربية التي تهتم بشؤونه.
اعتماد كلي
ويتأثر الطفل في سنوات عمره الأولى، بمن حوله وبمن يتصل بهم، وقيام الخادمة بتولي شؤون الأطفال يؤثر على علاقة الطفل بوالديه، فتضعف هذه العلاقة، إلى ذلك تقول فاطمة سجواني اختصاصية نفسية بمنطقة الشارقة التعليمية إن التربية الحديثة أكدت أهمية الخبرات الأولى التي يتلقاها الطفل، خاصة في المراحل الأولى من حياته، فالطفل في هذه المرحلة مولع بتقليد من يراه، واقتباس سلوك وتصرفات من حوله من الكبار، سواء من أفراد الأسرة أو من الخدم.
وأوضحت أن هذه المرحلة من أحرج المراحل وأصعبها، حيث من الصعوبة إزاحة الخبرات التي يتلقاها الطفل في ذهنه سواء كانت سوية أو غير سوية، ومهما اختلفت الظروف تظل التربية من أهم الأسس التي نعول عليها في بناء أجيال المستقبل، مشيرة إلى أن الأسرة النواة الأساسية في تشكيل الطفل وغرس المبادئ والقيم والمثل العليا، وكل ما يحتاجه في تكوين شخصيته في المستقبل، فالأسرة هي التربية الأولى والقاعدة الأساسية لتحديد ملامح شخصية الطفل، فعندما يربى الطفل بطريقة سليمة، يكون سلوكه سوياً وشخصيته متزنة، لكن في ظل انشغال الوالدين بتوفير متطلبات الحياة العصرية للأبناء، أصبح وجود «العمالة المنزلية» مطلبا ضروريا ومهما.
وتتابع سجواني: لاشك أن الكثير من الأمهات العاملات، اللاتي يقضين فترة طويلة في العمل، مجبرات على جلب الخادمة لتحمل عنهن جزءاً من أعباء البيت، لكن المشكلة تكمن في الأمهات اللاتي يعتمدن على الخادمة في العملية التربوية فيسمحن لها بإطعام أبنائهن ومساعدتهم على أداء الواجبات المدرسية، مما يؤدي إلى الجلوس معهم فترة طويلة، وبالتالي يتأثرون بسلوكها، فيشعر الطفل بالدفء والأمان والحنان معها بدلا من الأم، فتصبح الخادمة «أما بديلة»، وهنا تكمن الخطورة.

تربية الأطفال
بينت فاطمة سجواني اختصاصية نفسية بمنطقة الشارقة التعليمية أن اعتماد ربة البيت على الخادمة في تربية الأطفال يعد أمراً خطيراً، لأن الخادمة غير مهيأة لأداء المهمة، فلا هي أم ولا هي تربوية، بل إنها قادمة من بيئة مختلفة، وعملها لابد أن يقتصر على التنظيف وترتيب المنزل ومساعدة ربة البيت في الطهي، أما التربية فهي من تخصص الأم.