دنيا

السماح للطفل المريض بالذهاب إلى المدرسة يُحير الآباء وبعض الأطباء

منع الطفل من الذهاب إلى المدرسة عند مرضه يُعجل من شفائه ويقي زملاءه من العدوى (رويترز)

منع الطفل من الذهاب إلى المدرسة عند مرضه يُعجل من شفائه ويقي زملاءه من العدوى (رويترز)

لا شك أن أي أم تقع في حيرة من أمرها عندما يمرَض ابنها فجأةً أو يطول مرضه حول ما إذا كان يتعين عليها إرساله للمدرسة أم إبقاءه في البيت. فقد تراه لا يشكو من أوجاع أو آلام، لكن أنفه لا يتوقف عن السيلان جراء إصابته بزكام أو نزلة برد، فتحتار قليلاً ثم تميل إلى إرساله إلى المدرسة، حتى لا يفوته شيء من دروسه. لكن أطباء الأطفال وخبراء الرعاية الصحية يرون أن الأمر لا يدعو للحيرة، فالقرار الأصوب والأحكم هو إبقاؤه في البيت. وهم يرون أنه من الأخلاقي إبقاء الطفل في البيت إلى أن يُشفى تماماً حتى لا يُعدي الآخرين وترجيحاً لمبدأ "المصلحة العامة قبل الخاصة".

يتأسف الأطباء لكون عدد من الآباء يُرسلون أبناءهم إلى المدرسة على الرغم من إصابتهم بالزكام أو غيره من الأمراض المعدية، ما يؤدي إلى نقل أبنائهم للعدوى إلى زملائهم أو حتى مدرسيهم، فينعكس ذلك سلباً على الصحة العامة للتلاميذ، والعملية التعليمية برمتها، ويزيد عدد أيام تغيب التلاميذ والطلبة عن الصفوف الدراسية. وبنبرة لا تخلو من تفهم وتعاطف، تقول ليندا ديفيس ألدريت، رئيسة الجمعية الوطنية لممرضات المدارس وأم لثلاثة أولاد، "قد يصعب على الأم اتخاذ القرار بشأن إرسال الطفل للمدرسة من عدمه". وتعترف ليندا أن العديد من العوامل الذاتية والموضوعية قد تؤثر على عملية اتخاذ قرار كهذا مثل ما إذا كانت الأم عاملةً أم ربة بيت، وما إذا كان لديها مربية أو جليسة أطفال، وما إذا كانت قد أخذت إجازة مرضية لرعاية الابن المريض، ومدى وجود خيارات بديلة تُساعدها على رعاية طفلها عند المرض وفي الأوقات الحرجة. فغالبية الأطفال الصغار يمرضون كثيراً، فأمراض الزكام أو نزلات البرد لوحدها تُصيبهم بمعدل مرتين إلى ست مرات كل سنة.
وتقول آيفور هورن، طبيبة أطفال في المركز الوطني الطبي للأطفال وأم لطفلين، "إذا حاولت كل أم الإبقاء على طفلها في البيت إلى أن يُشفى تماماً، فسيتغيب عن الكثير من الصفوف الدراسية، ما يؤثر سلباً على تحصيله الدراسي ونتائجه في نهاية العام". ولذلك، من الأهمية بمكان الموازنة بين حضور مقبول في الصفوف الدراسية من جهة، والتأكد من وقت إبقاء الطفل في البيت عندما يمرض من أجل الحصول على الرعاية المطلوبة والاهتمام اللازم والراحة التي يحتاجها حتى يتعافى بسرعة، فضلاً عن وقايته زملاءه في المدرسة من الإصابة بالعدوى التي أصابته، واختيار الأم إبقاء طفلها حتى يتعافى تماماً يعكس إلى حد ما تغليبها المصلحة العامة على المصلحة الخاصة وزرع هذه القيمة لدى طفلها المريض نفسه.
وتفيد آيفور هورن "إصابة الأطفال بالزكام أو غيره، والتقاطهم فيروسات أمر لا مفر منه ولا ينبغي أن نخاف منه، لكن يمكننا كأمهات أن نقوم بما هو أصلح وأنسب لأطفالنا وللمجتمع المحيط بنا".
ويجب أن نعلم أن المدارس لا تتبع اللوائح نفسها أو المقاربات ذاتها في التعامل مع التلاميذ والطلبة عندما يمرضون، فبعضها لا يسمح للطفل بالتغيب إلا إذا ثبت لدى عيادة المدرسة نفسها أنه مريض، وأخرى تشترط أن يبعث ولي الأمر شهادةً مرضيةً مصادقةً إلى إدارة المدرسة في يوم مرض ابنه، وغيرها تمنع دخول الطفل المدرسة إنْ كان أنفه يسيل حتى لا يُعدي زملاءه، وبعضها يُلزم التلميذ بحضور الصف حتى في أثناء مرضه.
الأمراض المانعة
يقول مجموعة أطباء أطفال وخبراء رعاية صحية أميركيون إنه يمكن إجمال الحالات التي يُفضل فيها عدم إرسال الأبناء للمدرسة في الآتي:
- الحمى. فعلى الرغم من أنه لا يوجد تعريف موحد ولا جواب محدد عن درجة حرارة الإنسان التي يمكن وصفها بالمقلقة، فإن طبيبة الأطفال آيفور هورن تقول إنها تبدأ في القلق على طفلها حين تصل درجة حرارة جسمه إلى 37,78 سيلسيوس، وتضع محفظته وأغراضه المدرسية جانباً في حال وصلت درجة حرارته 38,34 سيلسيوس فما فوق. وتنصح هورن الأمهات بأن يتجنبن مناولة أطفالهم أحد الأدوية المخفضة والمسكنة للحرارة ثم إرساله إلى المدرسة، فهذه ممارسة ليست صحيةً للطفل نفسه ولا هي مفيدة لزملائه في الصف الدراسي، تقول هورن.
- التقيؤ والإسهال. فعندما يُصاب الطفل بأحد الأمراض المعوية والمعدية التي قد تسبب له التقيؤ أو الإسهال، فيجب إبقاؤه في البيت إلى أن يتعافى تماماً وبما لا يقل عن 24 ساعة، تقول الدكتورة ديفيس ألدريت.
- أعراض نزلة البرد. مبدئياً، لا بأس من إرسال الطفل إلى المدرسة إنْ كان يسعُل سُعالاً خفيفاً أو كان يستعمل محارم ورقية أحياناً فقط لتنظيف أنفه في أيام برد شتوية. وفي هذا الصدد تقول آيفور هورن "الآباء عادةً ما تُرعبهم رؤية مخاط الطفل وقد تلون، لكن الحقيقة أن تغير لون المخاط هو جزء لا يتجزأ من حال الطفل عندما يُصاب بالتهاب فيروسي أو نزلة برد"، وليس للأمر أية علاقة بارتفاع درجة عدوى المرض. بيْد أنه إذا فشل الطفل في السيطرة على سُعاله، أو كان السعال مصحوباً ببلغم، فإن ذلك يعني أنه يحتاج إلى راحة إضافية أو زيارة عيادة أو مستشفى قبل الرجوع إلى المدرسة، تقول الدكتورة ديفيس ألدريت.
- مستوى طاقة الجسم. غالباً ما يكون اتخاذ القرار بشأن قدرة الطفل على الذهاب إلى المدرسة من عدمه ضد رغبة الطفل في حال وجد أن شعوره بالضعف والوهن لن يُسعفه في التركيز والانتباه والمشاركة في الصف. وتقول هورن مخاطبةً كل أم "إذا ظل ابنك يتقلب في فراشه أو يئن طوال الليل ودون أن ترتفع حرارته ودون أن يبدو عليه أي مرض، فلا تعتبري ذلك حيلةً منه أو مناورةً للتغيب عن الدراسة، وحتى إنْ اعتبرت الأمر كذلك وأقنعته أو أجبرته على الذهاب إلى المدرسة، فتأكدي أن وجوده في الصف سيكون كعدمه، وإنتاجيته فيه قد تكون شبه معدومة". وتضيف هورن "ولكن إذا كان الطفل مريضاً ثم تحسنت حاله وأصبح يشعر أفضل، لكن أنفه ظل يسيل قليلاً، فيمكنك في هذه الحال السماح له بالذهاب إلى المدرسة".
- الطفح الجلدي، والتهاب العين وتوردها، وآلام الأذن. فإذا أُصيب الطفل بإحدى هذه المشاكل الصحية، فينبغي مراجعة طبيب متخصص لمعرفة أسباب المشكلة أو معالجتها قبل اتخاذ قرار الذهاب إلى المدرسة من عدمه، ويُنصح في هذه الحالات بالوثوق بتوصية الطبيب، لأنه سيوصي ببقاء الطفل في البيت إنْ استلزمت حالته ذلك.
تمارُض الأطفال
تقول الدكتورة ديفيس ألدريت إن من مسؤوليات الآباء تُجاه أبنائهم أن يحرصوا على حضورهم الصفوف الدراسية بانتظام، مع اتقاء ما قد يمنعهم من ذلك كالتقاط الفيروسات أو الإصابة بالأمراض المعدية أو التعود على السهر والنوم في ساعات متأخرة. وتضيف "إن حوالي 30% من الأطفال الذين تفحصهم ممرضات المدارس يكونون هناك بسبب التوتر والقلق أو مشكلات صحية ذهنية أخرى". ومن المؤسف أن بعض الأطفال الكبار (اليافعين) يستخدمون مناورات وحيلاً، ويتمارضون عمداً، أو يدعون معاناتهم من صُداع في الرأس، أو يشكون من أعراض صحية غريبة وغامضة لا وجود لها في الأصل من أجل التهرب من الذهاب إلى المدرسة، وهو ما يفسر كثرة تغيبهم أول أيام الأسبوع.
وتقول الطبيبة هورن "توجد الكثير من الأسباب التي تدفع الطفل إلى التمارُض والقول إنه مريض. ومن بينها تعرضه للتنمر أو معاناته من مشكلات اجتماعية أخرى". وتُضيف "في بعض الأحيان، يكون اليافع مشغولاً جداً ومشوش البال، ويكون في حاجة حقيقية إلى أخذ يوم راحة، فلا يجد بُداً من التظاهر بالمرض للسماح له بالتغيب، وهنا يأتي دور الآباء في التقرب لأبنائهم ومصادقتهم حتى يُصارحوهم ويَصْدُقوهم بشأن نواياهم الحقيقية، حتى لو اقتضى الأمر التغيب عن الدراسة ليوم واحد".
وفي المقامين الأول والأخير، يقوم اتخاذ قرار بشأن إرسال الأبناء للمدرسة من عدمه على مدى معرفة الآباء لهم وقربهم منهم. وتقول هورن "أنصح الآباء دوماً بأن يثقوا بأنفسهم وحدسهم، سواء عند الشعور بأن الطفل لا يبدو على ما يُرام، أو عند الشعور بأنه يبدو في حالة جيدة".
وعندما يحدث أن يُصاب ابنك في فترة الامتحانات بمرض ما وتكونين متيقنةً من أن أداءه وإنتاجيته ستتأثران بسبب مرضه، فتتمنين أن يُسمَح له باجتياز الامتحانات في وقت بديل بعد أن يتعافى، لكن طلبك لا يجد من مسؤولي إدارة المدرسة آذاناً صاغيةً، فلا عليك، ولا تُحملي نفسك ولا طفلك فوق الطاقة، وتأكدي أن ذلك لن يؤثر على المسار الدراسي الشامل لابنك أو ابنتك.
وتنصح هورن الأمهات اللاتي يضطررن إلى إرسال أبنائهن إلى المدرسة قبل أن يتعافوا تماماً بأن يحرصن على تذكيرهم باتباع خطوات تقي زملاءهم من التقاط عدواهم، وذلك بالسعال في ثنية المرفق أو محرمة قماش غير نفاذة، وباستخدام المحارم الورقية المناسبة لمسح الأنف المزكوم، بالإضافة إلى الإكثار من غسل اليدين أو استخدام المعقم.
وتقول الدكتورة ديفيس ألدريت إنه ينبغي على الأم ألا تتوقع أن حدسها سيكون دوماً مصيباً، فقد تخطئ التقدير أحياناً، ولا حرج في ذلك. وتضيف "الطبيبات والممرضات أنفسهن يُخطئن التقدير أحياناً، وأنا نفسي قد أكشف عن طفل مريض وأخبره بأن حالته ليست صعبةً وأنه يمكنه الذهاب إلى المدرسة، ثم ما يلبث أن تسوء حاله في اليوم نفسه وتعود أمه به إلي وقد ارتفعت درجة حرارته. هذا لا يحدث إلا نادراً، لكنه قد يقع".

هشام أحناش
عن "واشنطن بوست"