ثقافة

الشاعر أحمد راشد ثاني.. أنهى اللعبة مبكراً

بقلم: زاهر الغافري
كما لو كنت نائماً تحلم بالرمل
والحصاة وعشبة البحر
كأنك لم تكن سوى ظل الأوقات الشرسة، أنت المشاكس ضد الحياة، الابن الهارب من الوجود والعدم، المولود من الحكاية والدعابة والقهقهة، ذهبت إلى الشعر كأنك كنتَ تُصغي إلى شيطان روحك، إلى قلقك الذي ترك لك وجهاً مخدداً وابتسامة ذكية، ابن الفوضى والموهبة وسلالة البحر، ابن المقهى وابن الدخان العائم في الرئتين.
لن نجدك بعد الآن ضائعاً في طريق البحر، تائهاً في الرمل، في الأزقة الخلفية للمدن. لن نلمحك في زاوية، بين أوراق وكتب، بين فواصل الأغنيات، أمام الحديقة والأجراس. حملت حياتك على كفٍ وأنت تمشي فوق حبل الفاجعة، كنتَ ماهراً في اللعب مع الحياة والمعرفة، كانت الروح ترقص مع العذاب والعين تتغذى من الأسى، تركتَ جسدك على حاله، معلقاً ومترنحاً على الدوام وأنت تنظر في فم الهاوية، في قعر البئر، جاء الليل وأخذك، رميتَ حصاة الصبر فجرحتك في القلب، أنت القانط واليائس والمُحّب، العنيد بالشعر والتبغ. نشم ابناءنا قبل أن نلدهم، يقول انسي الحاج، جاءتك الطفلة فسميتها وهجاً والصبي نؤاساً، ثم الطفلة ليناً والأخيرة فاطمة، هكذا كنت توزع الأسماء كما لو كنت تلعب مع القدر بخفّة الروح، كان موتك أمثولة خادعة. قفزت فجأة في القارب ورحلت لتقول لنا: أنظروا البحر يقترب! ونحن لا نريد أن نصدق أن البحر يقترب، كنا نتوهم أنه لا يزال بعيداً، وأن خورفكان بعيدة، كنت أنت القريب إلينا مثل ضوء الفراشة، ضوء حافة الغرف، القريب إلينا، فيما تبتعد عنا، ملوّحاً بيدك النحيلة، كما لو كنت تخاصم الهواء أو تلقي بدعابة عابرة “يا الماكل خنيزي.. يالخارف ذهبْ”. أيها الضاحك في البريّة، المفتون بالحكايات الآسرة، الراكب موجةً تعصف بها ريح الأيام. أيها الصاعد والنازل فوق سلالم الحياة من فرط النشوة، أيها الأليف والغريب في الإيقاع، الواقف فوق تل الإشارات وأنت لا تصغي ولا تنظر إليها، كأنك كنت نائماً تحلم بالرمل والحصاة وعشبة البحر. غريب أمرك يا أحمد راشد ثاني أيها الصديق اللدود، يا عديلي في الماضي ومستقبل الأيام. أحياناً كنت اتخيلك مثل الطيف أو النسمة المتمردة على الأحياء والموتى، بلا شفقة على النفس أو وهم في الخلود يستيقظ متأخراً. أنت الذي “هنا والآن”، يُعيد تأويل الحكاية: أحمد راشد ثاني العائد من ينبوع الحياة والموت يحدثكم. غارقاً في اللحظة تتأمل العالم وتزدريه، وتعيد إنتاج الهامش، والمهمل، كنت تريد أن يكون للخسارة معنى الحقيقة، تراوغ هنا وهناك، عن قصد وسبق إصرار، تبحث عن البداهة وعن سر الكينونة، تبحث في الكتاب عن ما ضاع فيه. في اللوحة والأشكال عن ما ينقصها، في الحياة عن الجوهر المقطّر للغياب، كان حضورك لامعاً ومعذباً، لك ولمن حولك، لك أولاً، لأحشائك، لأشباح الرأس. كنتَ تشرب من نبع الحياة جرعات كبيرة، دفعة واحدة ولا تكترث، ميتٌ بالسليقة، حيُ وجامح، طارد ومطرود، تظهر لك العظْمة بيضاء في فم الحوت، وأنت تعوم وتسبح في نفق الظلمة الأخير، تختلف مع هذا وذاك من أصدقائك وتنسى، لا عتب، لا ملامة، اللوم حالة ضعف، الخذلان قوة، هكذا تريد أن تقول.
ينبغي البدء من أول السطر، من بداية السطر الذي لا يتعب، من الحكاية التي لا تنتهي، وبين السطر الأول ونهاية الحكاية، فجأة ترحل، تختفي، فقط تلك العين اللامعة الذكية، تظل وحدها تحدق في الظلام، لكنك كنت هنا قبل قليل، قبل لحظة، حسناً لنختلف لكننا لا نريدك أن ترحل، نريدك أن تبقى لنلعب اللعبة معاً، اللعبة الكبيرة المحيّرة، والتي مع ذلك نعرف سرها، كل منا يلعب على طريقته الخاصة، لكنك يا صديقي كنتَ تغش، كنتَ تراهن على الزمن كي تتحايل عليه، تريد أن تُنهي اللعبة مبكراً، وفي أسرع وقت ممكن، وترحل، وأنت تدرك أنك تترك أصدقاءك وحيدين تأكلهم اللوعة، لقد رحلت يا أحمد، رحلت وتركت في أرواحنا بقايا من دم الشمعة.