تقارير

جدية الانسحاب الأميركي... تساؤلات عراقية

يُبرز تقريران نشرا في اليوم نفسه الأسبوع الماضي في كل من صحيفتي "نيويورك تايمز" والـ"واشنطن بوست" تدخلات الولايات المتحدة في العراق، حيث يكشفان أنه على الرغم من "النهاية" المبشر بها للمشاركة الأميركية في الحرب هناك، إلا أن سياسة الولايات المتحدة مازالت تعتمد على أجهزتنا الأمنية للتأثير في العراق على حساب سيادة العراقيين وكرامتهم.
فتقرير صحيفة "نيويورك تايمز" يُخبرنا بأن وزارة الخارجية الأميركية قررت خفض عدد موظفي السفارة الأميركية بنسبة خمسين في المئة مقارنة مع العدد الحالي الذي يبلغ 16 ألف موظف.
وهذا قرار حكيم بلا شك على اعتبار أن سفارة الولايات المتحدة في بغداد هي الأكبر من نوعها في العالم.
أمـا السبـب الذي سيق لتعليـل هـذا القرار، فهـو الرغبـة في المقـام الأول في تقليص الوجود الأميركـي فـي العراق على أمل أن يؤدي ذلك إلى الحد من مشاعر العداء العراقية تجاه بقايا الاحتلال الواضحة هذه.
أما التقرير الثاني، الذي نشر في صحيفة الـ"واشنطن بوست"، فيخبرنا بأن الولايات المتحدة تعمل على زيادة عدد موظفي وكالة الاستخبارات المركزية الـ"سي آي إيه" وقوات العمليات الخاصة السرية بشكل واضح من أجل تعويض الخفض المرتقب في الوجود العسكري والدبلوماسي الأميركي.
ومن المتوقع أن يتم توزيع هؤلاء الموظفين السريين الإضافيين على منازل آمنة في المراكز الحضرية عبر البلاد. وهو ما يمثل طريقة جديدة لممارسة القوة الأميركية، ولكنه يراهن على عدم ملاحظة العراقيين لزيادة عديد الموظفين السريين.
غير أنه قرار سيىء بلا شك لأنه يتناقض مع دوافع القرار القاضي بتقليص عدد موظفي السفارة.
لقد عانى العراقيون على مدى تسع سنوات نتيجة للغزو والاحتلال الأميركيين، حيث دُمرت الأنظمة الاقتصادية والتعليمية والسياسية في العراق. وأصبحت الطائفية، وخلافاً لما يعتقده الكثيرون في الولايات المتحدة، سيدة الموقف منذ الغزو. والحقيقة التي لا مراء فيها هي أن نسبة مهمة من العراقيين لا يحبوننا ولا يرغبون في بقائنا في العراق. كما أنه لا يوجد سياسي عراقي يرغب في أن يشار إليه صراحة على أنه موال للأميركيين.
وعلاوة على ذلك، فإن مشاعر العداء تجاه الولايات المتحدة في ارتفاع مضطرد بسبب الوجود الأميركي الكبير في العراق، ارتفاع يعزى جزئياً إلى حقيقة أن مشاريعنا في العراق إنما وُجدت لخدمة مصالحنا في المقام الأول.
ومن ذلك إنشاء وتدريب قوات أمن من أجل كبح العراقيين والإبقاء عليهم تحت السيطرة (أما إنشاء البنى التحتية من أجل تشجيع الديمقراطية، فقد أخذ مرتبة أدنى).
كما أننا حرصنا حرصاً شديداً على أن يعتمد العراق، في المستقبل القريب، علينا في ما يخص المعدات والتجهيزات الأمنية وقطع الغيار، والآلات الصناعية الثقيلة، والقطاع المصرفي.
وفضلاً عن ذلك، فإننا قمنا بإنشاء قوات أمن عراقية، ولكننا حرصنا بالمقابل على ألا تكون لديها قوات جوية.
ثم إن الديمقراطية الناقصة التي أنشأناها باتت في حالة متردية، والابتزاز والفساد مازالا متفشيين.
والحال أن العراقيين يستطيعون التمييز بين برامج مفيدة للجانبين وبرامج تخلق الانطباع بأن الولايات المتحدة قوية وتستطيع القيام بما تشاء في العراق.
لقد توقعتُ قبل أربع سنوات، أي في عام 2008 أن تتعرض السفارة الأميركية الضخمة التي يتم بناؤها في بغداد للهجوم والتخريب من قبل العراقيين الغاضبين الذين يلقون اللوم على الولايات المتحدة ويحمِّلونها مسؤولية تدمير بلدهم.
وفي مقال لاحق، اقترحتُ، كعربون على حسن النية، تحويل السفارة إلى جامعة يقوم بالتدريس فيها بشكل رئيسي متطوعون من العراقيين المغتربين في الولايات المتحدة، ولاسيما أن تحويل السفارة إلى جامعة لن يكلف بدون شك جزءاً كبيراً من ميزانية السفارة الحالية التي تقدر بـ 6 مليارات دولار.
علماً بأن مثل هذه المؤسسة، التي يمكن أن تملأ الجزء الأكبر من الفضاء الذي سيتم إفراغه عما قريب، من شأنها أن تخدم مصلحة الولايات المتحدة بشكل أفضل بكثير من الجنود على الميدان (أو في منازل آمنة) وتفتح صفحة جديدة في علاقاتنا مع الشعب العراقي.
سياسة الولايات المتحدة في العراق في حاجة إلى تغيير شامل -وليس إلى زيادة في عدد العمليات السرية، وبكل تأكيد ليس في المراكز الحضرية - ولاسيما أن كل المكونات اللازمة لصحـوة عربيـة موجـودة ومتوافرة فـي العراق.
وبناء على ما سبق، فإنه يتعين على سياسة الولايات المتحدة أن تدرك هذا الأمر وتبني عليه، لا أن تطبق سياسات تقلل من شأن تطلعات وآمال واستقلال العراق.


عادل شامو
أستاذ بجامعة ميريلاند، وزميل معهد الدراسات السياسية في واشنطن

ينشر بترتيب خاص مع خدمة
«إم. سي. تي. إنترناشيونال»