تقارير

انتخابات فرنسا: ساركوزي يتصدر العناوين وليس الاستطلاعات

لا تخلو الأخبار الواردة من فرنسا، سواء كانت إلكترونية أم تقليدية، من إشارة إلى الرئيس ساركوزي. والأمر ليس غريباً بالنظر إلى احتدام الحملة الانتخابية وتحقيق ساركوزي بعض المكاسب في الآونة الأخيرة جعلته يتصدر عناوين الأخبار في جميع الأوقات.
ومن تلك العناوين التي تحفل بها الصحافة الفرنسية تصريح ساركوزي بشأن الصحفية الفرنسية المصابة في سوريا "إيديث بوفييه"، وتضارب الأنباء عن خروجها من حمص ووصولها إلى لبنان. كما نقلت وسائل الإعلام عن الرئيس قوله إنه سيعيد صياغة قانون تجريم إنكار مجازر الأرمن بعدما رفضته المحكمة الدستورية التي اعتبرت مشروع القانون غير دستوري لأنه يتعارض مع حرية التعبير.
وفي 27 فبراير المنصرم لم ينسَ ساركوزي التعليق على فوز الفيلم الفرنسي "الفنان" بجوائز أوسكار متعددة، مشيداً بالفن الفرنسي عموماً. وأخيراً وليس آخراً رصدت وسائل الإعلام الفرنسية تصريحات مكتب ساركوزي الذي يبدو أنه تخلى بهدوء عن خطط الاستعانة بالمستشارة الألمانية ميركل، في دعم الحملة الانتخابية لساركوزي، مخافة ردود الفعل السلبية داخل فرنسا.
وبالطبع تظل هذه العناوين على اختلافها بعيدة عن القضايا الأساسية التي يدلي فيها الرئيس برأيه وينشرها قصر الأليزيه في الصحف، مثل مصير القوات الفرنسية في أفغانستان، والوضع السوري المتأزم، والتطلعات النووية الإيرانية، وأزمة اليورو المزمنة، فضلاً عن قضايا أخرى يحتكر ساركوزي الحديث حولها، محاولاً التغطية على منافسه الأبرز فرانسوا هولاند، والحرص على عدم مجاراته فيها.
وقد بدا واضحاً خلال الأسبوع الأخير أن الانتخابات الفرنسية المقبلة ستقتصر على وجهين اثنين سيكون على الفرنسيين الاختيار بينهما، وهو ما أثّر أيضاً على الأخبار التي حملتها الصحف وباقي وسائل الإعلام، حيث تسابقت على رصد آخر نتائج استطلاعات الرأي التي أكدت كسب ساركوزي أربع نقاط في السباق المحموم مع هولاند لتضيق الهوة بينهما في الجولة الأولى، وإن كان هولاند ما زال متفوقاً على ساركوزي في استطلاعات الرأي التي تبوؤه المرتبة الأولى في الجولة الثانية (5 مايو المقبل) بإحدى عشرة نقطة.
ويحاول ساركوزي الترويج لنفسه في السباق الانتخابي باعتباره الرجل ذا المواصفات المهمة في القيادة، وصاحب الوزن الثقيل في السياسة الفرنسية القادرة على حماية الفرنسيين في وقت الأزمات. فيما سعى هولاند من جانبه إلى استغلال تراجع شعبية ساركوزي وتصوير نفسه على أنه الرجل "العادي" الذي يمكن الاعتماد عليه، في إشارة على ما يبدو إلى مؤاخذات الفرنسيين على ساركوزي كونه الشخصية اللاهثة وراء الإعلام والتي تحب الظهور وتبحث عن الأضواء دون كلل.
وفي مقالة رأي نشرتها صحيفة "نيويورك تايمز" للمثقف الفرنسي "دومينيك موسي"، حاول هـذا الأخير تسليـط الضـوء علـى تفاصيل الحملة الانتخابية والاختلافات الجوهرية بين المرشحين الرئيسيين، أكد فيها أنه رغم التقـدم الذي أحرزه ساركـوزي في الأيام الأخيرة، "فإن الرفض الوجداني لأغلبية الفرنسيين لرجل لا يريدون رؤيته مجدداً على شاشات التلفزيون لخمس سنوات مقبلة، ما زال يغلب على عدم تحمسهم الكبير لخصمه الاشتراكي فرانسوا هولاند".
ومع أن موسي ينسـب الفضـل إلى ساركـوزي في العديد من القضايا المرتبطة بالقيادة في ظل ظروف اقتصادية صعبة، وتحركه السريع بشأن مجموعة من الملفات الدولية، سواء في ليبيا أو ساحل العاج، إلا أن كفة السباق الانتخابي ما زالت تميل لصالح هولاند.
وبالطبع ليس هذا ما يريده فريق ساركوزي الانتخابي الذي يجتمع صباح كل يوم في تمام الساعة 7:30 لمناقشة سير الحملة والتخطيط لما سيقوله ساركوزي.
وحسب الأنباء الواردة من فرنسا فإن الفريق الانتخابي لا يفوت أي حدث يمكن أن يتكلم فيه الرئيس دون دفعه إلى هناك في إطار عرض برنامجه والتسويق لنفسه أمام الناخب الفرنسي.
بل هناك أحاديث عن حجب ساركوزي لصفحات على موقع التويتر سعت إلى السخرية منه بتقمص شخصيته، وذلك حسب ما أفادت به وسائل الإعلام الفرنسية ومنظمة "مراسلون بلا حدود"، وهو ما حدا بموقع التواصل الاجتماعي إلى إصدار بيان يوضح فيه سياساته إزاء تقمص الشخصيات، معتبراً أن السخرية مباحة في الموقع وتدخل في إطار حرية التعبير، وبالتالي لا يمكن حجبها تحت أي مسمى طالما أنها تحترم القواعد.
والحقيقة أن الانتخابات الرئاسية في فرنسا تأتي فيما تمر منطقة اليورو بأزمة خطيرة تحتاج خلالها إلى قيادة فرنسية، لكن يبدو أن ساركوزي ملتزم بسياسة ميركل المصرة على مزيد من الانضباط المالي وفرض قواعد صارمة على الدول المستفيدة من المساعدات الأوروبية.
أما هولاند فسعى إلى التغريد خارج السرب بالتلميح إلى أنه ربما لن ينتهج سياسة تقشفية، وإعلانه الأسبوع الماضي أنه سيفرض ضريبة تصل نسبتها 75 في المئة على الأفراد الذين يتجاوز دخلهم السنوي 1.3 مليون يورو، وهو أمر سخر منه ساركوزي ورفضه تماماً.
وبالطبع لا يمكن تصور هذا الأمر في الولايات المتحدة التي يتبارى فيها المرشحون الجمهوريون على خفض الضرائب وانتقاد التدخل الحكومي، بل يطالبون بإعفاء ذوي الثروات الطائلة من الضرائب.


روبرت ماركاند - باريس

ينشر بترتيب خاص مع خدمة
«كريستيان ساينس مونيتور»