الاقتصادي

العصر الذهبي للغاز يعيد تشكيل خريطة الطاقة العالمية

تشهد سوق الغاز الطبيعي العالمية في الوقت الراهن تحولات كبرى. إذ يجري رسم الجديد من خطوط الإمداد الدولية، ويظهر مصدرون جدد، وتخضع أنماط تجارة الغاز الطبيعي التقليدية لتغيرات جذرية.
غير أن أوروبا ثاني أكبر أسواق الغاز الطبيعي في العالم بعد الولايات المتحدة، تقف شبه منعزلة عن كثير من هذا التغير. ويرجح على ما يبدو أن آسيا سوف تبتلع كثيراً من المصادر الجديدة للغاز الطبيعي المتداول دولياً، لتترك كلاً من المملكة المتحدة وأوروبا مضطرتين إلى الاعتماد على روسيا.
شهد الغاز الطبيعي رواجاً في السنوات القليلة الماضية نظراً لتعاظم احتياطياته وتزايد إنتاجه على نحو مطرد.
ويتجلى أوضح مثال على ذلك في طفرة إنتاج الولايات المتحدة من الغاز الطبيعي المحصور في الصخور الصفحية، والذي أمكن استخراجه باستخدام الجديد من التقنيات.
وقد عمل هذا الرواج إلى انقلاب السوق الأميركية رأساً على عقب، على نحو حول الولايات المتحدة من مستورد سابق للغاز إلى أحد كبار مصدريه.
هناك أيضاً مستجدات كبرى أخرى في هذا القطاع مثل المكامن الضخمة للفحم المحتوي على غاز الميثان التي اكتشفت شرقي استراليا، كذلك حقول الغاز الشاسعة التي اكتشفت قبالة سواحل تنزانيا وموزمبيق.
أطلقت وكالة الطاقة الدولية على هذا “العصر الذهبي للغاز” الذي سيعيد تشكيل خارطة الطاقة العالمية.
ومع ذلك يبدو أن العديد من مسارات التجارة التي فرضتها هذه المصادر الجديدة (التي سيصدر معظمها في صورة غاز طبيعي مسال ينقل في سفن ناقلة عملاقة) سيلتف حول أوروبا.
وهذا ليس بغريب للغاز الطبيعي المسال الذي ينتج في أستراليا، والذي يتوجه بالطبع إلى اقتصادات آسيوية صاعدة. غير أن بعض محللي هذه الصناعة يقولون إن احتياج آسيا المتعاظم من الغاز ربما يجذب إمدادات من أفريقيا وأميركا الشمالية والشرق الأوسط، كانت توجه فيما مضى إلى أوروبا.
وهناك محطات تصدير الغاز الطبيعي المسال الواقعة على ساحل الخليج بالولايات المتحدة المخطط أن يبدأ تشغيلها بحلول منتصف هذا العقد والتي يبدو أنها تستهدف أوروبا وجاء في تقرير أصدرته مبادرة بروكينجز لتأمين الطاقة: “إن توسعات قناة بنما بحلول 2014 ستسمح لناقلات الغاز الطبيعي المسال بعبور البرزخ، ما سيسمح فيما بعد لمسار تصدير إلى آسيا أقصر من الطريق من ساحل الخليج الأميركي إلى المملكة المتحدة”. ويبدو أيضاً أن الغاز الطبيعي المسال المنتج من مشاريع مخططة على ساحل كندا الغربي سيتوجه إلى آسيا. وقالت الشركات التي اكتشفت الغاز قبالة سواحل شرقي أفريقيا إن الهند هي السوق المستهدفة.
وجاء في تقرير أصدره محللون في دويتش بنك: “هذا يجعل أنجولا والجزائر أهم مصدرين للغاز الطبيعي المسال الجديد غير الخاضع لعقود تجارية إلى أوروبا.
ويرى محللون في “جي بي مورجان” أن آسيا لن تستوعب سوى أقل قليلاً من 60% من إنتاج الغاز الطبيعي المسال الجديد من عام 2010 إلى عام 2018. وقالوا إن أوروبا لن تشهد سوى 20% من الإمدادات الجديدة.
كما أن آسيا قد تبعد إمدادات الغاز القائمة عن أوروبا. يذكر أن زلزال اليابان العام الماضي الذي دفع إلى إغلاق نسبة كبيرة من مفاعلات اليابان النووية، ترتب عليه زيادة الطلب على الغاز لتوليد الكهرباء على نحو مفاجئ وغير متوقع. وهذا يجعل أوروبا في ارتباط حرج مع روسيا التي تبدو أنها تزداد قوة.
ففي شهر يناير الماضي، قالت شركة خدمات المرافق العامة الألمانية “آر دبليو إي إيه جي” إنه من الممكن تقويض خطة أوروبا الكبرى الرامية إلى موازنة الهيمنة الروسية (وهو خط أنابيب نابوكو المخطط أن يستورد الغاز مباشرة من بحر قزوين) بسبب ضغوط مالية.
ومن جانبها، قالت شركة الغاز الاحتكارية الروسية “أو إيه أو جازبروم” بعد ذلك إنها تعتزم الإسراع من خطط إنشاء خط أنابيب في جنوبي أوروبا طالما اعتبر محاولة لإعاقة خط أنابيب نابوكو. وقال أندرو نيف محلل الطاقة في مؤسسة “اي اتش اس الاستشارية”: “تمد جازبروم قارة أوروبا بربع إمداداتها من الغاز وتعتبر نفسها شريكاً موثوقاً فيه والضامن لتأمين إمداد أوروبا بالطاقة”.
غير أن الأحداث التي وقعت في مطلع شهر فبراير، حين لقيت صادرات الغاز الروسي صعوبة في مواكبة الطلب حين عانت أوروبا من جو شديد البرودة، كانت بمثابة دليل على نقاط ضعف جازبرون. وقال الكسندر ميدفيديف نائب رئيس تنفيذي جازبروم في مقابلة أجريت مؤخراً: “تعتبر احتياطياتنا المؤكدة كافية لسد الطلب المتزايد على الغاز في كل من روسيا وأوروبا وأسواق جديدة. إذ إن جازبروم زادت إنتاجها إلى مستويات قياسية”.

نقلاً عن: «وول ستريت جورنال»